لا يزال يدهشني ما أراه من تناقض شرس بين تبعية الإنسان للسلطة وتبعية الإنسان للدين أو اللادين (اللائكية)، قد تبدو هذه المعادلة للوهلة الأولى بالنسبة لصديقي اللاديني انتصارًا لمبادئه التي تنادي بفصل الدين عن الدولة أو التي تنادي بأن لا يكون للدولة دين أصلًا.
وقد تسبب هذه المعادلة لصديقي المؤمن (المعتنق دينًا) بعضًا من القشعريرة الناجمة عن الخوف من الخوض بسياق مثل هذا، حيث إنه لطالما كانت هذه المتلازمة الدين واللادين والدولة من أكثر المسائل التي وقع الاختلاف فيها، وكذلك التي برز التناقض البشري فيها، ولست أدعي أني بصدد حل هذه المشكلة التاريخية أو التطرق إليها من الناحية السياسية أو الدينية، لكن الأهم هو التطرق إليها من الناحية العقلانية للجنس البشري.
يحضرني مشهد رأيته يقوم فيه أحد العلماء أو بالأحرى من يطلق الناس عليه «عالمًا»، وهو يرتدي أبهى حلة تعبر عن التزامه بدينه، وهو يدعم أحد أشكال الظلم على وجه الأرض وليس فقط دعم نظام بلاده الاستبدادي.
وبالجهة المقابلة أتذكر صحفيًا أشهر قلمه منذ بدايات زهو الحركة الشيوعية في سوريا ولبنان للدفاع عن فكرة عدم وجود الإله وضرورة تحييد كل ما يتعلق بالدين عن الدولة، أتذكره عندما يكتب مقالًا في إحدى جرائد بلاده الرسمية أو شبه الرسمية وعلى كل حال فغالب الصحف التي تنشر بالدول الاستبدادية بشكل قانوني تكون رسمية، يكتب مقالًا يمدح فيه الفعل الفلاني الذي قام به من ورث السلطة عن آبائه بعيدًا عن إرادة الشعب على سبيل المثال. أو أن يبرر تصرف أحد وجهاء الطوائف الذي اعتدى على طائفة أخرى، مع أن الصحفي بالأساس لا يؤمن بالطوائف الدينية.
بالمحصلة رجل الدين أو من يطلق عليه الناس رجل الدين والصحفي الشيوعي أو اللاديني، كلاهما يسخّران ما يمتلكانه من خلفيات فكرية لخدمة الحاكم أو للدفاع عن ظالم أو لتعتيم حادثة وقع فيها ظلم على أحد الناس، هذان النموذجان متباعدان أيما تباعد في معتقداتهما، ومفترقان أيما فرقة في مجالسهما، وربما يكره بعضهم بعضًا أكثر مما كره ذانك الشخصان الروسيان أحدهما الآخر اللذان اختلفا وأطلق أحدهما النار على الآخر – قصة واقعية – بسبب اختلافهما في فهم مقولة للفيلسوف الألماني إيمانويل كانط «إن الإنسان يميل إلى التواصل مع إنسان آخر لأنه في هذه الحالة يشعر بإنسانيته، مما يمنحه الإحساس بقدرته على تطوير مواهبه».
وبالعودة للمعادلة الأولية في هذا المقال فقد اتفقت أفعال النموذجين المتباعدين بالرغم من اختلاف الأفكار، وهو يعني أن أصل الخلاف ليس فكريًا إذا ما أراد الاثنان أن يعملوا لخدمة مصلحة واحدة، لذلك الآن يبدو لي واضحًا كيف أن تبعية الإنسان للسلطة المستبدة والظالمة ليس لها ارتباط بالدين أو الفكر اللاديني، إذ حتى الأخير يمكن أن يستخدم لأغراض استبدادية كما يمكن المتاجرة بالشعارات الدينية للغرض ذاته، وفي هذا الموضع ليس الهدف اتهام خلفيات هذين الفكرين إنما لكل منهما جوانبه التي يطول فيها البحث، لكن الأهم الحديث عن من يحملون هذين الفكرين المتضادين وهما في الوقت ذاته نموذجان متناقضان لذواتهما أمام أول امتحان للوقوف بوجه الاستبداد، ولا أريد أن أكون طرفًا ثالثًا بين الشخصين المختلفين على مقولة كانط، لكن الأخير بحد ذاته يرى أن الشعور بالإنسانية ينبع من التواصل، وقد تظهر هنا بارقة الأمل حيث إن لم نستطع التواصل بين بعضنا البعض، فحتى لو كنا ذوي أفكار مختلفة، ربما تقودنا أعمالنا لخدمة أهداف شريرة كدعم الاستبداد، لكن التواصل قد يدفع خلافاتنا للخروج من حقل التناقض الشرس أمام ذواتنا وأفكارنا لنكون بالدرجة الأولى بشرًا قبل أن نكون مختلفين، ومن ثم لنفهم اختلاف بعضنا البعض ولنقوده للعمل على أهداف منيرة، فإن الشمس والقمر والنار عدة مصادر للنور بالتالي فمصدر الضوء كما تعلمون ليس واحدًا.
The post «متلازمة كانط» الدين واللادين والدولة appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست