الأحد، 2 يوليو 2017

ثقفني اون لاين : محنة العقل العربي

لم يشهد التاريخ المعاصر للاتحاد السوفيتي من هو أشد قسوة ودموية وقهرًا لحرية الفرد مثل جوزيف ستالين، وعندما مات خرج كثيرون من ضحاياه يبكون الذي مات وتركهم يواجهون الحياة بدونه!

وهذه حالة تكررت عند نهاية البعض من الطغاة، وحيث إن طول كبت المشاعر الطبيعية، وقهرها وإرغام الإنسان على أن يعيش ويفكر ويتصرف على خلاف ما جلبه الله عليه من حرية اختيار، ينتهى بالسلوك غير المألوف أو المنتظر في مثل هذه المواقف.

وقد لوحظ أن أكثرية الذين تظاهروا في دول عربية انفعالًا وحماسًا للأنظمة القمعية الفاسدة، هم من الذين يعيشون تحت حكم أنظمة ديكتاتورية، أو أنظمة مدنية لكنها تحكم حكمًا بوليسيًا، ترصد على المواطن حتى همساته.

إن الشعور العربي العام قد تمكن منه كم هائل من الإحباط عندما استيقظ على جيوش نابليون في تسعينيات القرن الثامن عشر، ليكتشف مع احتكاكه بأدوات الحضارة الوافدة، كم تخلف العرب عن ركب التقدم العالمي، وهم الذين كانوا من حملة مشاعره، واكتشف في نفس اللحظة أن فترة قد طالت أكثر مما ينبغي من الحكم العثماني قد اقتنصت منه شعلة الحضارة، وأوقفت مقومات تقدمه.

ولم يتحول الاكتشاف إلى نتيجة تُخلصه من بدايات الإحباط القومي، لأنه سرعان ما أُخضِع لحقبة من الحكم الاستعماري الغربي الذي قهر مشاعره القومية، وكان رد الفعل حركات تحرر قوية مصممة على الاستقلال. وحتى توجت الدول العربية كفاحها بالاستقلال، فإنها لم تلبث أن تعرضت لنكبة قيام الكيان الصهيوني، بتخطيط ومساعدة من قوى الاستعمار الأجنبي قديمًا وحديثًا، وظلت المشاعر العربية منذ ذلك الحين تعاني الإحساس بالعجز عن التخلص من عدوانية إسرائيل، ومن تتابع يبدو منظمًا ومخططًا له من المشاكل والأزمات، والصراعات العربية تطحن الطاقات وتشل القدرة وتصرف العرب عن التوجه نحو تحقيق التقدم الذي ارتبطت به الأحلام  والكرامة القومية، وكان في مقدمتها الحرب الأهلية في لبنان، التي سفكت فيها أيدي العرب دم العرب، ثم الحرب العراقية الإيرانية وامتزاج الشعور العربي عن منع هذه المشاكل برؤية الأصابع الأجنبية تشعل حريقها، وتكوّن من الاثنين معًا هيكل الإحباط الكبير.

والإحباط حالة نفسية لا خلاص منها إلا باكتشاف حقيقتها وأسبابها، والسبب هنا أن العقل العربي في كفاحه العنيد من أجل حريته، لم يصنع الديمقراطية على نفس الدرجة من الأهمية والخطورة، وكثيرًا ما كان العقل العربي وهو يواجه أزمات تعرّض حرية وطنه للتهديد، يميل إلى إنزال الديمقراطية إلى مرتبة دنيا بينما الديمقراطية – لمن يعي – هي الأصل والسبب ومفتاح الحل، فهم مقتنعون بأن المشاكل الكبرى التي تتعرض لها أوطانهم هي من فعل قوى أجنبية متربصة، ليس من مصلحتها أن يكون العرب قوة لها وجودها وتأثيرها في هذه المنطقة وفي هذا العالم، وهذا صحيح. لكن الصحيح أيضًا وبنفس الدرجة، أن هذه القوى الأجنبية لا تستطيع أن تضربهم إلا من الداخل، مستغلة الضعف الكامن المتمثل في ازدهار أنظمة حكم ديكتاتورية، ليس لها جذور من الاختيار الحر، بغير تزييف لإرادة الشعب، وبدون إكراه له ولذلك فالجسور الخفية مفتوحة دائمًا بين هذه الأنظمة والقوى الأجنبية، التي تعتبر سندًا لبقاء هذه الأنظمة وتثبيتها في أرض ليس لها فيها جذور.

وهنا فإن العقل العربي، عندما يرفض تآمر القوى الخارجية ويبقى في نفس الوقت على الحكم الديكتاتوري ولا يرفضه وكأنه قضية أقل إلحاحًا من الأولى، فإنه بذلك يساعد للتمكين للتآمر الأجنبي وضرب أحلامه الكبرى.

ويظل العقل العربي يدور في متاهات من التناقضات، فمن ناحية أولى: يهفو العقل العربي إلى استعادة حضارته القديمة، بينما الدولة العظيمة لا سبيل إليها إلا إذا شعر المواطن أنه آمن ومتمتع بحقه الكامل في التعبير عن نفسه، وأنه يعيش في مناخ له أن يفور إبداعه الذي يصب في مجرى واحد مع طاقات كل المبدعين، وبهذا يُصنع الوطن العظيم.

ومن ناحية ثانية: إن النظام الديكتاتوري هو بطبعه نظام لا يشعر بالأمان حتى ولو أحكم قبضته القاسية على رقاب الناس كافة، فالشك من طبيعته، وهو نظام لم يصل إلى الحكم بالرضا والتراضي، يتحكم فيهم بقوة الخوف الذي يشبعه في النفوس وهو نظام بلا قضية، وقضيته هي استحواذه على الحكم، ومثل هذا النظام يبحث عادة عن قوة خارجية تسنده وتعاونه على تحقيق طموحاته.

ومثل هذه الأنظمة الديكتاتورية هي نقطة ضعف النظام العربي العام، بينما الحكم الديمقراطي يحمي شعبه بما فيه من مؤسسات دستورية ورقابية حقيقية وليست شكلية، قادرة فعلًا على منع الحكم في الاندفاع في مغامرة أو سياسة غير مكتملة الدراسة، ولم تمر بأجهزة الرقابة الديمقراطية.

وأصل المحنة في العقل العربي، أنه ما زال يفصل – من ناحية – بين حريته وكرامته ورفضه للتآمر الأجنبي، ومن ناحية أخرى بين الديمقراطية، مع أن هذه هي نقطة البداية، فإن تشبثًا بأنظمة حكم تستعصي على التآمر الخارجي المتربص دائمًا بنا، هو الطريق الوحيد أمام العرب لتكون لهم قوة حقيقية. قوة لهم وليست عليهم، وحتى لا تطفأ شعلة آمالهم كلما آن لها أن تضيء، ولا تقطف زهرة أحلامهم كلما آن لها أن تزدهر.

 

The post محنة العقل العربي appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست