«المستعمَر الذي ترسبت في عضلاته روح الهجوم والعدوان، إنما يصبها أولًا على ذويه، وهنا نجد كيف يقضي الزنوج -حسب وصف المستعمِر- بعضهم على بعض»
هكذا يرى الفيلسوف والطبيب النفسي فرانز فانون (١٩٢٥: ١٩٦١) المشاجرات والمعارك التي تدور داخل العالَم المستعمَر، والتي تصل في أحيان إلى حروب أهلية ينتصر فيها المقهورون على ذويهم.
فانون هو كاتب اجتماعي فرنسي/ جزائري شاهد على الكفاح التحرري ضد الاستعمار في بلاد المغرب العربي.
يرى فانون أن العنف هو في المقام الأول نزعة إنسانية، يمكن وصفه بأنه عنف مجسّد وليبيداني «غريزي»؛ فالمستعمَر يتعرض للظلم والقهر فيحمل بداخله والكراهية، ويترسخ العنف بداخله، وبالتالي لا بد له من أن يفرغ هذا العنف، إن لم يكن بمقدوره أن يجابه المستعمِر، فليكن عنفه ضد إخوانه ورفاقه.
ولا شك أن معركة المستعمَر التحررية هي معركة سياسية، وهنا نسلط الضوء على جدلية السياسة والعنف، حيث يرى ڤيبر أن السياسي شخصية تراجيدية، شجاع بما يكفي لأن يضطلع بعنف السياسة، وجريء بما فيه الكفاية،أيضًا، لأن يرى أنه يمكن أن ينال اللعنة على إثر ذلك، فهو يؤمن على أحد المستويات أنه يخوض حربًا ضد العدوان والظلم، وهو يغفل الطبيعة المقلقة للعنف.
بمعنى أن المستعمَر المقهور يحمل عنفًا بداخله، لكنه في لحظات كثيرة لا يستطيع أن يفرق بين العنف السيئ من أجل السيطرة، والعنف الجيد من أجل الحرية، وبالتالي فإنه يمكنه في لحظات أن يخوض عنفًا ضد ذويه.
يذكر فانون في الفصل الخامس من كتابه «معذبو الأرض» قصة أحد المناضلين الجزائريين، الذي أصيب باضطراب نفسي ضمن كثيرين أثناء حرب التحرير، هذا الشاب علم بمقتل أمه على يد القوات التي ذهبت إلى بيته بحثًا عنه، واقتيدت أخته إلى بيوت العسكريين حيث لا يعلم لها مصيرًا. وبعد فترة كان في مهمة تابعة لجيش التحرير، ودخل بيت أحد الاستعماريين النشطاء، ولم يكن الهدف موجودًا لكن كانت هناك زوجته التي ذكرته بأمه، توسلت إليهم كي لا يقتلوها، فلديها أطفال، هنا ارتبك، قتلها في لحظات.
حُوّل للتحقيق من قبل قائده، وظن أنه سيعدم، لكنه لم يبالِ.
إن القهر الذي تعرض له ولّد بداخله عنفًا، ولكنه لم يستطع التفريق بين العنف الجيد والعنف السيئ.
هذا ما يحدث عندما يتعرض الإنسان للقهر وهو مكتوف الأيدي لا يستطيع الدفع عن نفسه، فإنه حال فك أيديه يرتكب الجرائم.
زال الاستعمار صوريًّا، وحلت محله النخب العسكرية والثقافية والدينية، التي ورثت المستعمِر عن قصد لتحكم بدلًا منه وتحل محله، حسب وصف عبد الوهاب المسيري هي نخب وظيفية.
رفعت هذه النخب الشعارات الوطنية التحررية فوق رؤوس شعوبها بينما تحكمهم بالحديد والنار. زال الاستعمار وظل القهر والاستبداد، وبقيت الاضطرابات النفسية تتولد في نفوس المقهورين وترسخ العنف في عضلاتهم.
لم تستطع النخب الوظيفية أن تسد احتياجات الشعوب، ولم توفر لهم بيئة غنية بالعمل والإنتاج والحياة السوية، فانتشرت البطالة خاصة بين الشباب الذين طالما قوبل اعتراضهم بالرفض والقهر وكبتت أصواتهم، فانتشرت البلطجة وتجارة المخدرات في شوارع المدينة المستعمَرة «نعم ما زالت مستعمرة». هؤلاء يتعرضون للظلم والإهانة من قبل رجال الشرطة والسلطة، وأصبحوا مهمشين لا يُسمع لهم رأيًا ولا كلمة، يتحكم الآخر -السلطة- في مصائرهم وهم لا يملكون من أمرهم شيئًا، ترسخ العنف بداخلهم ولا يستطيعون دفع الظلم عن أنفسهم، ولكنهم لا يتركون فرصة لممارسة العنف إلا مارسوها حتى لو كان ضد ذويهم.
ظل التيار الإسلامي في مصر مغلقًا أبوابه على نفسه، يقرؤون أدبياتهم في جلساتهم المغلقة، يشجعون بعضهم على التخلق بأخلاقيات طوباوية، منعزلين تمامًا عن المجتمع من حولهم. فاستطاعوا تفادي الانحدار في العنف العشوائي ضد الآخرين في مجتمعاتهم، باستثناء بعض الأحداث التي أحدثتها التيارات الجهادية.
ولكن ما جدّ بعد انقلاب الدولة عليهم بشراسة إبان أحداث ٣٠/٦/٢٠١٣. وما حدث من تفكك للتجمعات الإسلامية، والعنف والقهر الذي طالهم بشكل خاص، وهم مكتوفو الأيدي ليس لهم من الأمر شيء، ترسخ العنف في نفوسهم ولكن ما من سبيل إلى المتسبب في معاناتهم. زادت الأحداث من انعزالهم، ترسبت العدوانية، وتجلى ذلك في رفضهم جميع الطوائف والأفراد التي رضيت بالأمر الواقع وتخلوا عنهم في معركتهم ضد السلطة/ الأنظمة المستبدة. رفعوا شعارات ضد مخالفيهم بأنهم عبيد وخونة حتى لو كان الآخرون لا يملكون من الأمر شيئًا.
فقد الإسلاميون بعد تفككهم المظلة التربوية الحاضنة لهم، والتي كانت تساهم بشكل كبير في تطويع هذا العنف المكبوت وتفريغه بطرق شتى، تعرضوا لمزيد من القهر، ترسب بداخلهم المزيد من الكره والعدوانية.
مشاجرة كان يمكن أن تمر ..
ما حدث في القريب في أحد المطاعم المشهورة «أم حسن» مجرد مشاجرة يمكن أن تحدث تحت أي ظروف ومع منتقبات وغير منتقبات، يبدو أن أحدهم احتك بفتاة من الفتيات، وفي ظروف أخرى، ربما قبل أحداث ٣ يونيه، لكان قرار الفتيات مختلفًا، حيث كانت ستخرج أحد الفتيات وتهدهد الأخريات ويذهبن في سلام. ولكن الذي ترسب في النفوس من تعرض المنتقبات للتضييق في الأماكن العامة، والتحريض ضدهم في المنابر الإعلامية، مما رسب في داخلهم خوفًا وقلقًا من الآخر، مما غير من قرار الفتيات أن يدخلن في مشاجرة بالأيدي مع العاملين في المطعم، وهو مشهد كان من الصعب توقعه فيما قبل الأحداث التي مر بها الإسلاميون.
كل هذا ليس مهمًا؛ فالمشاجرة حتى وإن وصلت إلى هذا الحد في مكان الحادث كانت يمكن أن تمر كأي حادث. لكن بعد كتابة أحد الفتيات على مواقع التواصل الاجتماعي، بدأت دعوات المقاطعة والسخط ضد المطعم والعاملين في المطعم. وبدأ السب واللعن والدعاء على هؤلاء الخونة الذين يكرهون مظاهر التدين. ربما أخطأ العاملون في المطعم في التعامل مع الفتيات، ولكن هذا لا يعني أنهم يكرهون النقاب، ربما أظهر أحدهم سخطًا من منظر النقاب، لكن هذا لا يعني أنه كافر، ربما هو الجهل الذي نشره بيننا الاستعمار ونخبه.
في نهاية الأمر إن ما حدث يمكن أن يحدث تحت أي ظروف، ولكن التعاطي مع الأمر لا بد أن يكون مختلفًا، لا بد أن نعلم أن الجميع معرضون لهذا القهر والظلم والفقر والتجهيل ذاته، فبدلًا من أن يمارس مناضلو التحرر العنف ضد ذويهم، عليهم أن يعملوا العقل وينظروا إلى إخوانهم بعين الأخوة لا بعين البغض والتخوين.
هل كان فانون محقًا؟ ربما.
The post الاستبداد وغزوة أم حسن.. في العنف appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست