الأحد، 25 يونيو 2017

ثقفني اون لاين : الفطرة مقابل الإرادة

مدونة من وحي قصة الرِهان للكاتب الروسي أنطوان تشيخوف

في إحدى ليالي الأرق الربيعية كنتُ أبحث كالعادة عن شيءٍ كلاسيكي أقرأهُ أو أُشاهده؛ فلاح أمامي فيلم تليفزيوني بعنوان الرِهان، رائعة تشيكوف!

ابتسمتُ حينها  ابتسامة ساخرة تحمل بعضًا من الاندهاش لأن أجد التليفزيون المصري وقد كان في سابق عصره ينفذ أعماًلا بِمثل ذلك الرقي، فقررتُ المشاهدة، ولم أكُن أعلم أنني سأستمتع كُل هذا القدر.

دعنا من ثرثرتي الجانبية المُعتادة ولنذهب للعمل.

يبدأ العمل بمشهد إيفان المحامي الشاب الذي ينتمي للطبقة المتوسطة التي تخالط الطبقة العليا بحكم تساوي المستويات الثقافية والتعليمية آنذاك، إيفان الشاب يدافع عن مُذنب نال عقوبة الإعدام ويرفضها، صائحًا أن السجن أهون من الموت، يظل صوت المذنب يتردد في أذن إيفان حتى يذهب لتلك الحفلة التي يتمركز فيها الجميع حول المصرفي ذي المال والنفوذ، وفي طرح موضوع للنقاش حول إلغاء عقوبة الإعدام، واستبدال بها السجن، يختلف إيفان وهيرمان، ويدفعهم خلافهم إلى الدخول في مراهنةٍ مجنونة، كان الدافع لها التحدي والطمع! فقد تحدى هيرمان إيفان أن يصمد لمدة خمس سنوات في حبس انفرادي اختياري في مقابل المليونين! وقد زادها إيفان إلى 15 عامًا، وكان ذلك بمثابة الجنون في أعين الناس وفي نظري.

وكان شرطه الوحيد أن يمده سجانه بما يطلب من كتب ويُسمح له بعزف الموسيقى!

من ذا الذي يستطيع التضحية بحريته في مقابل أي شيء؟! ولكن مهلًا؟! ما هي الحرية! أهي مجرد وجودنا وسط البشر بدلًا عن الزنزانة؟! أليست الحياة الاجتماعية سجنًا أكبر بقيودٍ أعظم؟! نعم يا صديقي هذا ما دار بخُلدي مثلما كان يرى إيفان، فقد كان يرى الانعزال لشيء مثير للغاية ويدعو للفرح، لا للابتئاس!

في الشهور، وكأي فكرة في بادئ الأمر ينتابنا الحماس الشديد الذي يُنسينا توابع وآثار الفعل علينا كان إيفان يعيش شهوره الأولى في سعادة متحررًا من قيود الحياة الاجتماعية والمسؤوليات مكتفيًا بذاته تاركًا خلفه جميع  هموم الحياة الخارجية.

ثم جاءت المرحلة الثانية، وهي مرحلة اشتداد ميل الذات لفطرتها الاجتماعية ورغباتها وشهواتها وقد كانت مرحلة العذاب النفسي للبطل حيث كان يشتهي الناس، يشتهي حديثهم، يشتهي زوجته، والصخب من حوله، حتى أصابته الوحدة بالجنون، وانقطع عن القراءة والعزف، وكل ما كان يشد من أزره في ليالي الوِحدة الأولى، وظل يقاوم ويقاوم، وقد كنت أرى في باديء الأمر أن إيفان يفعل ما يفعله في سبيل إثبات فِكرته، ولكن هيهات في أدب تشيكوف الواقعي أن تجد شخصية مثالية، فهذه هي طبيعة البشر، فمع مرور الأحداث بدأت تُكشف دوافع البطل التي كان يشوبها الطمع، حيث انتفت الفكرة التي كان يعتقدها بمرور الوقت، وظل هو وحيدًا بمواجهة ذاته وطمعه.

ثم تأتي المرحلة الأخيرة، وهي مرحلة العمل، فلم يكن إيفان ينقطع عن القراءة أوالدراسة، حيث درس 6 لغات حية بإتقان، وقرأ أمهات الكتب في كل العلوم، وجءئت النهاية بنهاية المُدة مع الكتب الدينية والكتاب المقدس، حتى زهد في كل  شيء، وهنا لاح لي ذلك السؤال، هذا السؤال الذي يدور في ذهنك الآن: ما الذي جعل شخصًا مثل هذا للتضحية بأجمل سنين العمر في الوِحدة والانعزال؟ أهو طمع أو مجرد تحد؟

وتبخر من ذهني ذلك السؤال، حيث شعرت أن إجابة السؤال الفلسفي الشهير لماذا؟! لن تفيدني على أية حال، فقد كان جل ما يشغل تفكيري هو إجابة السؤال الثاني الذي يبدأ بكيف! كيف فعلها؟!

كيف خالف فِطرة إنسانية ترنو إليها كُل نفس وهي الاجتماعية!

كيف استطاع في تلك السنين تعلم كل تلك اللغات والعلوم والفنون دون الاستعانة بأحد، كيف استطاع؟!

وهذا هو مربط فرس تلك القصة والإجابة على كل ما بدر بذهني من أسئلة، إنها كلمة سر تشيكوف، وهي تتلخص في (الإرادة).

إرادة الإنسان الحرة التي يستطيع باستخدامها مخالفة كُل القيود والحواجز التي أكبرها فطرته الإنسانية، الإرادة هي كلمة السر التي نخشى الاعتراف بمدى ضعفنا حين ذكرها، الإرادة هي حجر الأساس لأي شيء فكُل شيء خاضع للتفكير، ولكن الإرادة هي من تنقل التفكير إلى حيز الإفادة والتنفيذ، لا نخشى دومًا من إلقاء اللوم على البشر فنبحث عن أسباب المشاكل، لا لننتقل لمرحلة كيف، ولكن فقط لنعطي أنفسنا المبرر لضعف إرادتنا للخروج من تلك المشكلة.

وفي النهاية، يأتي مشهد الصدمة، بعد أن قضى إيفان خمسة عشر عامًا وحيدًا في كوخه مع الكتب والموسيقى وذاته جاء يوم إعلان الفائز بالرهان، حيث وجد خطاب يذكر فيه أنه رحل قبيل انتهاء المهلة بخمس دقائق!

تاركًا خلفه لغز تشيكوف: أي عدد مالا نهاية = صفر.

ها قد وجدتها، فإيفان ليس بحاجة للنقود ليس بحاجة للثراء فقد وجد ماهو أعظم، وجد ما هو أسمى: وجد حريته داخل ذلك القبو، وجد إرادته الحرة، وتعلم ثم تعلم، وتعلم وتعلم؛ حتى وصل إلى الحكمة، الحكمة التي تقضي أن الإنسان مهما تعلم فهو لن يصل لنهاية العلم، إذن فهو جاهل!

وأنه مهما حصل على ثراء ونقود، فلم يحصل على نهايتها؛ إذن فهو فقير. لا شيء يستطيع التحكم به وجعل له نهاية، لا الثراء، ولا العلم. وحدها ذاته هي من يستطيع تذليلها وإخضاعها لإرادته الحرة.

وحدها روحه التي استطاع تحريرها والتحرر من كل شهواتها ورغباتها، وحدها الإرادة.

فحرروا أرواحكم؛ تتحرروا.

The post الفطرة مقابل الإرادة appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست