يرى شتى المؤمنون من مختلف الديانات، سواء كانت إبراهيمية أو وضعية، أن الدين هو مصدر الأخلاق، وإذا افترضنا صحة هذا الطرح، فهل هذا يعني أن لاوجود للأخلاق قبل ظهور الديانات؟ ألم يعرف الإنسان التجربة الأخلاقية من خلال احتكاكه مع المجتمع الذي يعيش فيه؟ ألم تصدر من هذا الإنسان اعتراضات لأمور يراها غير لائقة (غير أخلاقية)؟ فما تعريف الديانات للأخلاق إذًا؟ هل أخلاق الإسلام هي نفسها أخلاق المسيحيّة وأخلاق اليهوديّة وأخلاق الهندوسيّة وأخلاق البوذيّة؟
الأخلاق هي مجموعه من العادات والقواعد السلوكية التي يعتنقها ويؤمن بها أي مجتمع، وبهذا تصبح ملزمة حتمية لسلوك الأفراد، فالعادات والتقاليد، مثل الثأر وثقافات الأكل والألبسة، وعادات الزواج، والصدق والشجاعة والكرم واحترام الجار والصداقة، هي أخلاق، لكنها تختلف من شعب إلى آخر، ومن حضارة إلى حضارة، فهناك الكثير من العادات الموجودة في المجتمعات الغربية تعتبر تقاليد، لكنّها غير مقبولة ومستهجنة عند شعوب المشرق.
على سبيل المثال: إنّ شرب الخمر سيعتبر شيئًا لا أخلاقيًا بالنّسبة للمسلم، لكنه ليس كذلك عند المسيحيّ، بينما نجدُ أنّ الطّلاق يعتبر أمرًا مرفوضًا أخلاقيًّا عند المسيحيّ، لكنه ليس كذلك عند المسلم، وهكذا.
لكن هذا الاختلاف يدل على أن مفهوم الأخلاق عند أصحاب الديانات الإبراهيمية يخضع لمنطق الحلال والحرام، أي هناك جهة عليا تصدر الأوامر للإنسان بأن لا يفعل كذا، وإلا سينال العقاب. أي: أن أتباع الديانات تجاهلوا تأثير الضمير على سلوكيات الإنسان. فالإنسان الذي لا يسرق لأنه يخاف العقاب لا يستوي مع الإنسان الذي لا يسرق لأنه سيشعر بتأنيب الضمير، وبالضرر الذي سيتسبب به على المسروق.
التصرف الأول لا يجعل أخلاقَ المؤمن أخلاقًا حقيقيةً بالمعنى النّقي للأخلاق؛ لأنها تقوم بالأساس على طاعة جهةٍ آمرةٍ ناهية، أما التصرف الثاني – فباتفاق الجميع – يعتبر عملًا أخلاقيا مائة بالمائة؛ لأنه تمّ بدافع الضمير. وهذا يدل على أن الأخلاق هي أفكار موجودة عند الإنسان قبل كل شيء، وليست في الامتثال للأوامر والنواهي فقط. هذا يدل أيضًا على أن الأخلاق وجدت بمعزل عن الدين؛ لأنها نشأت قبل ظهور الديانات، كما أنها تخضع لمنطق النسبية فهي متغيرة حسب الزمان والمكان، فالمجتمعات الإسلامية في القرن التاسع عشر كانت ترى خروج المرأة عيبًا كبيرًا، وكانت تمنع ذهاب البنت إلى المدرسة، أما الآن فالوضع تغيّر.
إن القول بأن لا أخلاق دون دين هو اتهام ضمني لكل مخالف في الدين باللاأخلاقية والفساد، لأن الناس ليست على دين واحد، فضلًا عن أنه إجحاف في حق الملحد واللاديني، فكل إنسان لديه نوازع تدفعه نحو الفضيلة، وتجعله يفعل الفعل الحسن، ولديه قيَم تمنعه أن يفعل الأفعال الرذيلة، ومهما كانت ديانة الإنسان، فإنه دومًا محب للعدل والإحسان والصدق والاحترام. إن مجرد القول بأن لا أخلاق بلا دين هو محاولة تديين الأخلاق واختزال الفضيلة في أتباع ديانة معينة وإشاعة الكراهية ضد الآخر المخالف دينيًا، والقول عنه أنه منحل أخلاقيًا، مثلما يتم تعليم أبناء المسلمين أن أهل الكتاب هم كفّار وفاسدون من الصغير إلى الكبير.
إن الادعاء أن لا أخلاق دون دين هو تجريد الإنسان من إنسانيته، ولا نستطيع أن نتصور أن الطقوس فقط هي التي تقوّم السلوك، بل الادعاء يعبّر عن نظرية أن الإنسان كائن لا يستقيم إلا بالعصا، وهذا غير صحيح، وإلا فبماذا يختلف الإنسان عن الحيوان في هذه الحالة؟ إن أردت إصلاح الأخلاق، فعليك بالنقد والحوار وإسداء النصيحة، توجيه النقد للأفكار الخاطئة يعتبر من أعمال الخير، التنبيه والتحذير من مسلك الخطأ .. والنصيحة والإرشاد إلى مسلك الصواب كلاهما من أعمال الخير، لأن من يقوم بتنبيه الناس إلى الخطأ وتوعيتهم بأضراره؛ لكي يتجنبوه إنما هو يقدم منفعة للآخرين، دون مقابل، وهو من سمات فعل الخير والتنبيه إلى الخطأ بغرض اجتنابه.. والإرشاد إلى الصواب لغرض اتّباعه.. واجب على كل إنسان تفرضه مبادئ التضامن الإنساني والإخوة الإنسانية.
لقد قال المشايخ: إن الروادع الموجودة في القرآن والسنّة، ستصنع مجتمعًا مسلمًا أخلاقيًا مثاليًا، وسيعض علينا الغرب الكافر الأنامل من الغيظ، فأهملوا تربية العقل والوجدان والضمير، وانشغلوا بتخويف الناس من خرّافات الدجال وعذاب القبر والشجاع الأقرع الذي يضرب العاصي بسلسة تدخل من فمه وتخرج من دبره إن لم يفعلوا ما أمروا به! فتم حشو عقول المسلمين بالخزعبلات، فخرجت أجيال ومجتمعات مسلمة غاية في الانحراف والعنف، سيقولون: إن البعد عن الدين هو السبب، فهل الشعوب الأوروبية المتحضرة هي أقرب إلى الدين منا؟ وهل يعرف الياباني السنّة وأحاديث عذاب القبر والدجّال وعقاب جهنّم؟!
لقد قالوا: إن الغرب منحل وكافر، وتجاهلوا أن نسب الفساد والانحلال الخلقي وجرائم الاغتصاب والقتل ذات معدّل مرتفع في العالم العربي والإسلامي أكثر من العالم الغربي حتى اعتاد المسلم على جرائم القتل والإرهاب، وأصبحت أمرًا اعتياديًا ومعروفًا، وعندما تسألهم عن المعايير التي اعتمدوها في معرفة مدى انحراف الغرب، فسيقولون لك: لأنهم كفار وملحدون! إن البعد عن الدين ليس بالعامل الوحيد المسؤول عن تراجع أخلاق المسلمين، بل العوامل السياسية والاقتصادية هي التي تسببت في هذا التراجع، إضافة إلى التشدد الديني، ونشر الغلو في الدين، والتحريض على الإرهاب الفكري والجسدي، وبعد ذلك يتساءل الكهنة: لماذا ظهر الإلحاد في الأوساط الأسلامية الأكثر تدينًا؟
الطريف أن اغلبية المشايخ يقولون ما لا يفعلون، فالإنسان عندما يتحدث عن الدين يجب أن يكون مثاليًا، لكن من المؤسف أن تسمع عن مشايخ يدعون المسلمين أن يعيشوا على طريقة الصحابة حيث زمن الجوع والتقشف، لكن تجدهم يركبون السيّارات الفارهة، ويتسكعون في دول الكفر والإلحاد، ويتقاضون أجورهم بالدولار، فهل هذه هي الأخلاق؟
المفروض أن يكون الإنسان المتدين يتمتع بأخلاقيات عالية، وأن ينعكس ذلك التدين على أخلاقه وسلوكه. فالتدين بنفسه وبذاته لا يعطي أخلاقًا، فالأخلاق تأتي قبل العبادات، فالكثير يلتزم بالصلوات والصيام والزكاة، لكن تجده يزوّر الفواتير لحسابه، ويكذب ويسرق، ثم يقول لك: إن الله غفور رحيم! وهذه الأفعال هي نتاج الأكاذيب التي يتم الترويج لها في العالم الإسلامي.. إنها عقلية اتباع السلف، لقد كان الصحابي فلان بن علان يفعل كذا وكذا، و هو من المبشّرين بالجنة، فإذا قلّدته ستدخل الجنة! هكذا تتم تربية المسلم.. أن يقلّد وفقط، لذا لا داعي للتعجب من التناقض الصارخ بين تدين المسلم وأخلاقه.
إن الالتزام بالأخلاق هو من أجل العيش في عالم لا تسوده شريعة الغاب، إن تهذيب الأخلاق هي في تهذيب الوجدان والضمير والعقل قبل كل شيء، يجب تعليم المسلم أن التزامه بالأخلاق تجاه الآخر حبّا فيه، وليس لأن الله يراه ويراقبه، فالالتزام بالأخلاق بسبب الخوف من العقاب يعتبر نفاقًا، وإنتاجًا لتدين زائف وذرائعي.
The post الدين والأخلاق appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست