منذ قرابة شهر رحت أُعد مقالاً عن الموسيقى، لم أتردد في أن أبدأ في الكتابة أبداً؛ فأنا منذ الصغر أحمل أُذناً موسيقية لا بأس بها، وصوتاً أيضاً يحب أن يسمعه البعض، من هذا المنطلق ولأن أمر الموسيقى يشغلني كثيراً بدأت في البحث، وبالفعل جمعت الكثير من الآراء والأدلة حول هذا الشأن.
تزامن هذا مع حلول شهر رمضان المُبارك، الشهر الذي قد قررت في مُقتبله أن يغير فىّ الكثير خلال مرحلتى الانتقالية هذه مابين عامي العشرين والواحد والعشرين، فأنا على أعتاب النضوج، الآن لابد وأن أتزن وأُمسك كافة زمام أُموري بقدر الإمكان، هكذا كنت أُفكر، ومن ثَم كان قراريَ الأول في بداية الشهر الكريم أن أعتزل الموسيقى والأغاني تماماً، ليس لحرمتها من عدمها، بل لأنني قد قررت الاستبدال بخلواتي الموسيقية خلواتٍ صافية مع القرآن، لطالما أراحني استماعي للقرآن، وبالرُغم من ذلك لم أُقرر يوماً أن أداوم عليه، دعم قراري هذا منشورٌ لصديقة لي – أحسبها على خير كثير – كَتَبتْ فيه: قرابة عام بلا موسيقى، الحمدُ لله. والحقيقة أن المنشور كان تعليقاً على منشورٍ تحته قد شاركته صديقتي ينصح فيه الكاتب القُرّاء أن يستبدلوا بالأغاني القرءان ويلحظوا الفرق. ياللروعة! فكرةٌ لا بأس بها أنارت مصباحاً في عقلي الصغير. كثيراً ما وجدت هدوء أعصابٍ كبير فى استماعي لآيات الذكر الحكيم، لطالما وجدت فيه ضالتي، لكن الأمر اليوم مُختلف.
“وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (٥٢)” الشورى.
خلال شهر واحد استبدلت فيه بألحان الموسيقى كلام الله المُرتّل العذب، هجرت الموسيقى وداومت عليه قراءةً فيه، أو في تفسيره حيناً واستماعاً حيناً، وياللدهشة! أجزم أن شيئاً ما قد أُصلِح داخلي، والله إن لهذا القرآن لروحاً تُحيي ما أماتته الذنوب والخطايا بداخلنا نحن المساكين، تالله إن له لسحراً، رحمات الله تتنزّل على عبده فيشمله بمعيته وجلاله وعظمته جل عُلاه، إنها السكينة التي وعدنا بها النبي – صلى الله عليه وسلم – الرحمة التي تغشى قارئي القرآن، والملائكة التي تحُف مجلسهم!
ومن هُنا غيّرت منهاج بحثي وابتعدت عن التفتيش حول حرمة الموسيقى او إباحتها، في الحقيقة لم أعُد مهتمة بشيء سوى رغبتي العارمة في فهم التغير الذي نشب داخلي من تلقاء نفسه لمجرد أنني قد اتخذت القرآن رفيقاً لبعض الوقت وحسب، إنه يشغلني كثيراً أن أعرف آلية ما جرى! شيء عجز عقلي على تقبله، كيف يترك أثراً سريعاً فائق الجلال كهٰذا؟!
ولإيمانى بالعلم وعظمته رُحت أبحث عن تأثير القرآن على النفس في الطب في علم النفس أو في أي تصنيف علمي، أُفتشُ بنهم، أتعاطى التقارير على صفحات الإنترنت كل يوم باحثةً عن تحليلٍ منطقي يفسر تأثير هذا الكتاب على البشر، أريد دراسات وإحصاءات مادية أملأ بها مقالي؛ لأُثبت لكم أن القرآن ليس فقط كتاباً يحمل معجزات ودلالات علمية أو أن قراءته ترجح كفة الحسنات في الميزان، لا نقرؤه فقط لنقرأ ونرتل ونرتقي في درجات الجنة، ليس كتاباً يقص علينا حكايات المرسلين وحسب. فهو فضلاً عن ما به من إعجاز بياني وعلمي، غيبي وتشريعي فإنه يظل معجزةً ليس لما يحويه فقط، بل إنه معجزة لذاته لا يدرك إعجازه إلا من عاش معه فعرف النعيم الحَق وذاق الراحة بين راحتيه فاغترف منه كل صباح ومساء وفي كل وقت قد فرّغه سلَفاً للاستجمام قرب بعض الألحان، كل وقت أستبدل فيه بالذي هو أدنى الذي هو خير.
القرآن.. اللغز والحل في آن، نورٌ وكتابٌ مبين
بعد رحلة بحث طويلة لم أجد جواباً يشفينى إلا القُرآن ذاته، فهو اللغز والحل في آنٍ واحد! صرت كلما قرأت فيه واستمعت له أكثر تجلت لى عظمته أكثر وأكثر، ومن ثَم استكانت نفسي الى تفسيرى المتواضع بأن جانباً من إعجاز هذا الكتاب يتمثل إجمالاً في تأثيره الإيجابى على العباد دون تفسير جلي، وأن جزءاً هاماً فى عقيدتنا هو إيماننا بعظمة الله التي فاقت كل شيء، عظمته الغنيه عن أي تفسيرٍ علمي، عظمته اللامبررة من جانب عقولنا الضعيفة العاجزة.
اليوم أنا أعي تماماً ماذا نعني برجائنا لله أن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا! ليست ديباجةً، بل دعاء مأثوراً حقيقياً كل الحق. الآن فهمت ما عنى – الإمام الخطابي – بقوله: إن سر إعجاز القرآن الأعظم هو صنيعه بالقلوب وتأثيره على النفوس، تستبشر به النفوس وتُشرح له الصدور. أدركت أيضاً ما عنى – ابن تيمية – حينما قال: إن من أصغى إلى كلام الله وكلام رسوله بعقله، وتدبَّره بقلبه؛ وجد فيه من الفهم والحلاوة، والبركة والمنفعة ما لا يجده في شيء من الكلام لا منظومِه ولا منثوره. الآن ذقت السلام الذي ينبغي أن نُهدى إليه بالقرآن؛ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (١٦). المائدة.
لمثل هذا تهتز القلوب، وتُكشف الغُمم وتنفرج الكروب، لمثل هذا نبكي ونبكي، نبكي ضعفنا لقاء عظمته، نبكى لهوَنا وغفلتنا، بالرغم من حبه لنا وحرصه علينا – سبحانه جل وعلا – نحن من نهيم بكل واد، نحن المساكين الأذلاء إليه الغافلون عنه.
أتذكّر قول محمد إقبال: إن القرآن ليس كتاباً، بل إنه أكثر من ذلك، إذا دخل القلب تغير الإنسان، وإذا تغير الإنسان تغيّر العالم.
بعد فترةٍ وجيزة بدأت أدرك معاني لم أكن أعيها من قبل أبداً، بالرغم من مروري كثيراً على تلك الآيات إلا أننى رحت في كل مرة أتلذذ بشيء مختلف، فمرةٌ بالمعنى المباشر المرجو من الآية، ومرةٌ بالقواعد النحوية المُحكمة، ثم إلى بلاغة القول وحلاوته وخفته على اللسان، قشعريرةٌ تغزو أوصال الجسد، لذةٌ تهز القلب والعقل في آن، شعورٌ ينتابك كأنك حديث العهد بالإسلام، عشرون عاماً لم أذق حلاوة ما ذقت الشهر الماضي، أقول قولي هذا لئلا تقول نفسٌ يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله، أقوله وأدعوني وإياكُم، دعوة لكل سقيم هجر الدواء الحق وراح يرتجى الاستشفاء في أكناف الناي والعود. أنا أكتب، أكتب بدلاً عن الصراخ في الناس كالمجنونة، والله إن له لحلاوة لم أعهدها قبلاً.
أقُص عليكم تجربتي الشخصية الإنسانية الناقصة بطبيعة الحال التي لم أصل فيها بالطبع حد الكمال أبداً، فنحن البشر حياتُنا ما هي إلا منحنى هندسيّ، ما بين السقوط والنهوض تتبدّل أحوالُنا وأهدافُنا ورغباتُنا، حتى إقبالُنا على الله تعالى يزداد وينقص من وقتٍ لآخر، ولكن يبقى الثابت فينا جهاد أنفُسنا في كل وقتٍ وحين.
أُذكرني وإياكم فإن الذكرى تنفعُ المؤمنين، أحيوا القرآن فيكم، بل أحيوا أنفُسكم به، عمِّروا قلوبَكُم بالقرآن، صِلوها به، أصلحوا التألف مما قد سلف ومضى، وتزوّدوا وتحصنوا لما تبقى من العمر.
أسأل الله ختاماً أن يُخلص مقاصدنا، وأن يجعل قولي هذا يوم القيامة حُجةً لي لا عليّ بمشيئته جل وعلا.
The post القُرآن.. مِن شقاءِ الغافلين إلى لذةِ العارفين appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست