يجزم الكل بأنّ العالم العربي هو غارق في الصمت، حرية التعبير عند أفراده تعتبر من الأحلام الزكية التي تتوارد إلى مخيلاتهم أينما حلوا، أن يفصح الفرد العربي عمّا في خاطره هو أمر يبدو مثل الحلم، والكثير من العرب يعتبرون التعبير عن الرأي بصراحة تامة ضرب من المجازفة قد تقود صاحبها إلى غياهب السجون وظلمات الزنزانات.
قمح حرية التعبير لدى العربي يبدأ منذ الصغر بحجة أنه صغير، تتعاظم مع المراهقة بحجة أنه طائش، ثم تترسخ مع الكبر بحجة أنه لا يعرف، وبهذا تصبح ظاهرة سلب الحق في التعبير عنده أمرًا عاديًا جدًا، فلا سبيل له لأن يحارب تاريخًا من القمع واللطم؛ لم يقبل الشاب الواعي بهذه الحال، لهذا قام بالثورات بلا جدوى، تمرّد بلا نفع، وركب الأمواج بحثًا عن موطن بديل يحترم حق تعبيره بلا فائدة في أغلب الأحيان؛ لقد سيّست المنابر الإعلامية فحملت شعارات خاوية، وبعضها تحوّل إلى ذراع أمنية تحصي المعارضين وتجذب الأحرار بإرادتهم إلى مآسي الاعتقال والتنكيل؛ حتى صارت كل الصحف والمجلات، الإذاعات والفضائيات، كلها تغرّد بشكل واحد وباتجاه واحد أيضًا؛ لا يمكن لمعارض لأي نظام عربي أو غير موافق عما تفعله تلك الجهة المسؤولة، أو مختلف عما يريده الحكام العرب أن ينشر مقالًا واحدًا في أي من الصحف العربية، ولا حتى أن يقول كلمة واحدة في أي من الوسائل الاعلامية الأخرى، والجريمة هي: تعبيره عما يجول في خاطره؛ أنا شخصيًا لم أجد أين أنشر أفكاري، لولا بزوغ مواقع التواصل الاجتماعي، فقد فتحت للمواطن العربي هذه الوسائل الإلكترونية ما لم يحلم به، فصار الجميع يعبّر عما بداخله بلا ريبة أو خوف، وهذا لم يمنع أن يسجن البعض بسبب عبارة لا تتجاوز مائة وأربعين حرفًا في كثير من الأحيان ومن طرف الكثير من الأنظمة العربية.
لكن التاريخ العربي يسجّل أيضا ميلاد منبر أدى واجبه باحترافية عالية في مجال الاعلام، فقد ولدت في منتصف تسعينات القرن العشرين قناة إخبارية على الأراضي العربية، وكان مركز بثها الدوحة القطرية، راحت تفسح المجال لكافة الآراء العربية باستثناء تلك المعارضة لدولة قطر، ومع أنني أضع علامة استفهام كبيرة على موعد انطلاقها وكيفية خروجها للنور، كونها حفيدة هيئة الاذاعة البريطانية، وأنا أعتبرها امتدادًا لبرنامج هنا لندن الناطق باللسان العربي منذ ستينات القرن الماضي، إلا أنها قناة حملت أحلامًا عربية كادت أن تموت، وأبرزت سقفًا عاليًا جدًا للحرية، فراح الشارع العربي يتابع الأحداث وما يرافقها من تحليلات مختلفة وعبر مراصد متنوعة؛ ما جعل الجزيرة تبرز بشكل جارف، حيث أزاحت القاهرة وبغداد تمامًا من على المشهد الإخباري العربي؛ لقد فضحت الجزيرة الكثير من التعتيم الذي مارسته وسائل الإعلام العربية، وحتى العالمية على الكثير من الأحداث التاريخية للجمهور العربي، ولقد أوضحت لي أنا شخصيًا قوة الإعلام في توجيه الرأي العام، فدولة قطر لم تمتلك إلا الجزيرة، ولولاها لما عرفتُ هذه الدولة الصغيرة في كل شيء ما عدى الإعلام؛ صارت الجزيرة مع مرور الزمن ظاهرة صحفية وسبقًا جديدًا لحرية التعبير، وأصبحت برامجها ومواعيدها الإخبارية مجالًا يتنفس فيه الإنسان العربي المخنوق منذ زمن بعيد، بحيث عايشتُ إجبارية متابعة حصاد اليوم مع أبي كل مساء، بالإضافة إلى بزوغ نجوم أيقوناتها الإعلامية من نخبة صحافيين يطرحون انشغالات الرأي العام العربي بلا حجاب.
بعد سنوات من مهنية الجزيرة، وبالرغم من التضييق عليها من غلق لمكاتبها، وقتل لكوادرها، وقصف لمقراتها، وسجن لعمالها واتهامها بالكثير من التهم، إلا أنها أثبتت وجودها وقوة حضورها في الشارع العربي، فراح البعض ينافسها كما حدث في لبنان وبعض دول الخليج، وراح البعض الآخر يذمها وينهال عليها بأمواج من التشويه بلا جدوى كما حدث ويحدث على أرض مصر، ومع هذا كله، تبقى الجزيرة لغزًا يستحق التأمّل بالفعل.
The post قناة الجزيرة.. أية حكاية؟ appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست