الاثنين، 26 يونيو 2017

ثقفني اون لاين : في نقد نقد العقل العربي (3): هل الفلسفة معجزة يونانية؟

قبل أن نتقدم في قراءة نقد نقد العقل العربي كما أراد مؤلفه، أود أن أوضح شيئان بخصوص قراءتنا. أولاً هذه القراءات في نقد النقد لا تتبع مسار جورج طرابيشي الكامل في نقده للجابري، قراءة الكتاب نفسه أنفع في هذه الحالة، لكننا نتخذ من نقده عناوين عامة نناقشها، تساعدنا على إعادة بناء النسق العام للتاريخ الإنساني في وعينا. هذه العناوين تكون دليلنا في قراءة تراث الإنسانية متمثلاً في التراث اليوناني والعربي والأوروبي. لعل التدوينات الثلاث الأولى تحدثت بشيء من التفصيل عن مشروعي الجابري وطرابيشي، لكنها كانت مهمة في سبيل فهم الموضوع من أساسه، ومعرفة الفضاء الذي يحوي تلك الأفكار. ثانياً، سوف نميل إلى استخدام الاستجواب السقراطي في طرح الفكرة. بمعنى أن نصيغ الفكرة على هيئة سؤال، كما العنوان، وننطلق معاً في الإجابة عليه لنصل إلى أقرب نقطة من الحقيقة.
قدم طرابيشي شكراً للجابري في مقدمة كتاب نظرية العقل لأنه أتاح له الفرصة لإعادة بناء ثقافته الفلسفية والتراثية. ونحن بدورنا نشكر طرابيشي لأن قراءته العقلانية النقدية أصبحت “مصدر حياة” رئيسي للعقل العربي المعاصر. فلا يصبح العقل العربي عقلاً نقدياً إلا إذا قرأ جورج طرابيشي.

قدمنا في الموضع السابق، بشيء من الإيجاز، النظرية الجابرية العامة عن العقل العربي التي تموضعه كوسيط بين العقل اليوناني القديم والعقل الأوروبي الحديث، فيرى أن العرب واليونانيين والأوروبيين هم وحدهم الذين مارسوا التفكير في مصنع الأفكار نفسه.

أول ما يُلفت النظر في هذه النظرية أن الجابري لا يُرجع القارئ إلى أي مرجع أو مصدر يدل على كلامه. وقد لاحظ طرابيشي هذا وتساءل: كيف يأتي الجابري من عندياته بهذه الافتراضات ويبني عليها نظريته؟ من الذي أرسى الفاعدة التي تقول إن درجة التفكير في العقل درجة من العقولية أسمى من التفكير بالعقل؟ وكيف يصادر الجابري على أن اليونانيين والعرب والأوروبيين وحدهم دون باقي البشر على الأرض مارسوا التفكير في العقل؟ لنأخذ من المقدمة الصغرى للنظرية بداية لنا، المقدمة التي تجعل من اليونانيين والعرب والأوروبيين وحدهم شعوباً عقلانية.

لنبدأ بالثقافة اليونانية فهي أسبق تاريخياً – محمد عابد الجابري: تكوين العقل العربي – ص18

هكذا يرى الجابري تاريخ الفكر الإنساني، إنه يبدأ من لحظة اليونان، ويتجاهل، بل يطرد، الحضارات القديمة خارج التصنيف. وللأمانة، الجابري مثله مثل جميع مؤمثلي العقل اليوناني؛ يرون صورة مثالية حالمة للمجتمع اليوناني ومعتبرونه شعب المناطقة بالفطرة، منزهون عن جميع أفكار اللامعقول. فعل ذلك قبله جورج هيجل، أهم فيلسوف ألماني في القرن التاسع عشر. ففي محاضراته “دروس في فلسفة التاريخ” التي ألقاها في جامعتي هايدلبرج وبرلين، وزّع شعوب الأرض، ووضع في أسفل السلم شعوب أفريقيا (عدا شمالها) التي لا تملك عقلاً أصلاً، وفي أعلى السلم العقل الأوروبي الذي يبدأ بالعقل اليوناني، ثم اللاتيني المسيحي، وعلى قمة الهرم يوجد العقل الجرماني منفرداً. الغريب أن محمد الجابري نفسه في كتابه الصادر عن المركز الثقافي العربي سنة 1991 والمعنون “التراث والحداثة” اتهم هيجل بأنه يمارس “إمبريالية” على تاريخ الفكر لأنه أطلق حكمه على التاريخ من وجهة نظر غربية بحتة. ما الفرق إذًا؟ هيجل ينتصر للعقلين اليوناني والأوروبي ويضعهما على قمة الهرم، وعابد الجابري ينتصر للعقل العربي ويضعه على خريطة الفكر كمتوسط بينهما. الاثنان يتجاهلان شعوب الحضارات القديمة وحضارات الشرق الأقصى كأنها قامت بدور الكومبارس في مسرحية العقل الإنساني. ومن الفلاسفة العرب، نجد عبد الرحمن بدوي، الذي قال فيه العميد طه حسين: إنه أول فيلسوف وجودي مصري، يفتتح كتابه “ربيع الفكر اليوناني”: هاهنا معبد الروح، فطوبى للداخلين؛ وهاهنا ميلاد العقل، فهلموا نحتفل به يا من بالعقل تؤمنون”.

هذا ما يسميه طرابيشي: المركزية الإثنية الأوروبية، بمعنى ممارسة العنصرية الفكرية على جميع حضارات الأرض، وحصر وتملك مَلَكة العقل في الإنسان الأوروبي فقط، فلا عقل إلا العقل الأوروبي، وبداية العقل هو العقل اليوناني الأوروبي أيضاً.

هنا يبدأ موضوعنا، ولمدة مقالين قادمين: هل الفلسفة معجزة اليونان فعلاً كما أكد الجابري في الصفحة رقم 80 من تكوين العقل العربي؟ هل كان المجتمع اليوناني مجتمع من المناطقة والفلاسفة ولا وجود للامعقول فيه، على عكس شعوب الشرق التي تعتقد في الخرافة؟

الحقيقة أن مفهوم المعجزة غير فلسفي أصلاً، ووصف الفلسفة بالمعجزة أشبه بالوصف “عسل مر”، فالعسل مفهومه أنه حلو، كيف نصفه بعكس ما فيه؟ الفلسفة أصلاً عقلانية، كيف نصفها بصفة لا عقلانية هي المعجزة؟ إذا كان الشعب اليوناني “مناطقة بالفطرة”، كيف يروي أفلاطون في “محاورة القوانين” عن ممارسة السحر الأسود في أثينا في زمنه، القرنان الرابع والخامس قبل الميلاد، مثل الرقى التي توضع في القبور وعرائس من الشمع تعلق فوق الأبواب بغرض السحر والشعوذة؟

الخرافات والشعوذة في أثينا دفعت مؤرخ كبير هو ويل ديورانت في موسوعته قصة الحضارة إلى سرد خرافات وأباطيل الشعب اليوناني الساذج. فالفصل الخامس من الكتاب الثاني في المجلد السادس يروي لنا أن الشعب اليوناني كان يؤمن بمعجزات كصعود منسيوس من بين الموتى، وتحويل الماء إلى خمر على يد ديونيسوس، وكان اليوناني إذا خرج من بيت فيه ميت رش نفسه بالماء لكي يطرد من جسمه الروح الذي غلب الميت على أمره. وكان اليونانيون يؤمنون بالعفاريت، ويؤمنون بالتشاؤم، فكانت عطسة تكفي للتراجع عن أمر ما باعتقاد أن العطس نذير شؤم! وكان الخسوف الجزئي يكفي لوقف لزحف جيوش بأكملها. وفي المواجهة الفاصلة بين اليونانيين والفرس عام 490 قبل الميلاد في ماراثون، وصل الفيلق الإسبرطي بعد انتهاء المعركة لأن العراف المرافق للجيش حظر عليه دخول القتال قبل تمام البدر. كذلك كانت الكثير من المدن اليونانية، وخاصة إسبرطة، تمنع الدخول في مناقشات فلسفية بسبب ما كانت تثيره من حقد ونزاع وجدل عقيم. إلا أن المرجع الأساسي في هذه النقطة (الخرافات عند اليونان) نجده عند أستاذ الهلينيات في جامعة أوكسفورد: إريك روبرتسون دودس (1893 – 1979) وكتابه “الإغريق واللامعقول” الذي تتبع فيه تأثير القوى اللاعقلانية في المجتمع اليوناني حتى زمن أفلاطون.

هل عرضنا، الموجز، عن أمثلة الخرافات في عصر أثينا الذهبي غرضه نفي ما لليونان من إسهام في الحياة العقلية؟ بالطبع لا، فطرابيشي، ونحن معه، نوجّه اعتراضاً على الانحياز الجابري، ومن على شكالته، لأَمْثَلَة العقل اليوناني. اليونان مثلهم مثل أي شعب وُجد على الأرض، نشأت حضارته بالمعقول وباللامعقول، فكان هناك أفلاطون، وكان هناك أيضاً من يؤمن بالسحر والشعوذة. شعب المناطقة بالفطرة لا وجود له حتى أوروبا الحديثة. وفي المقابل، شعوب الحضارات القديمة (ما بين النهرين، مصر، الهند) لم تكن محض سحرية/خرافية، بل كان العقل يشغل حيزاً لا بأس به، إلا أن أدلة وجود العقل عند الحضارات القديمة لا يدخل ضمن نطاق موضعنا هذا.

الخلاصة:
لا وجود لما يسمى بالمعجزة اليونانية. الخرافات والشعوذة واللامعقول وُجدوا عند يونان العصر الكلاسيكي – الذهبي. في عز مجد بركليس كان هناك قطاع عريض من شعبه يؤمن باللامعقول. هذا إن اعتبرنا أن اليونان كلها مُمثّلة في أثينا، ولا وجود لإسبرطة التي ستكون لها معنا وقفة.

The post في نقد نقد العقل العربي (3): هل الفلسفة معجزة يونانية؟ appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست