الاثنين، 26 يونيو 2017

ثقفني اون لاين : قطتي علمتني (8).. كفاح قطّة

ملحوظة: هذه السلسلة من المقالات مشاهدات حقيقية رأيتها من خلال تعاملي مع عالم القطط، سجلت ما شاهدته وقارنت عالم القطط بعالم الإنسان في أسلوب أدبي سهل فيه الحكمة والموعظة.

كفاح قطـــــة

بعد حمل شهرين كاملين تلد قطة الشارع الرمادية هريرتين وديعتين، إحداهما سمراء والأخرى مشمشية، سبحان الله لبديع خلقه! كبرا أمام عينيّ، أراقبهما وأبذل لهما ولأمهما العناية التي أستطيع تقديمها فأمهما ملازمة لنا منذ زمن طويل وعهدتْ مني الكرم ولا بد أن يستمر كرمي على عادتي معها، لا أريد منها جزاءً ولا شكورًا سوى محبتي للخير واستحساني لمخلوقات الله الوديعة لعل شأني يكون كما قال ابن الرومي:

ليس الكريم الذي يعطي عطــيتَهُ … على الثناء وإن أغلى به الثمـــنا

بل الكريم الذي يعطي عطيــــته … لغير شيء سوى استحسانه الحسنا

لا يستثيب ببذلِ العُرْفِ محْمــــدةً … ولا يَمُنُّ إذا ما قَلّد المِننــــا

حتى لتحسب أن اللَّه أجــــــبَرَهُ … على السماحِ ولم يَخْلُقْهُ مُمْتَحَــنا

راقبتُ الهريرتين شهرًا بعد شهر رضاعة وفطامًا وشبابًا، أرى في مراحل حياتيهما مراحل حياتي وحياة الكون والبشر! هذه هي بداية الخلق جميعا بمراحله المتتالية كما وصفها الله عز وجل (الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير) الروم : 54، بعد حالة الضعف المهين شبّت الهريرتان معا، انتهت مهمة أمهما فتركتهما كعادة أمهات القطط جميعا، تركتهما لمواجهة الحياة.

ولكنهما واجها الحياة معًا، تلازمًا في رحم أمهما، ثم تلازمًا في الحياة الدنيا، كان الحب هو الرباط الجامع لهما، لم يتصوّرا في ظنّي أن يفترقا أبدًا، كان وجودهما إلى جوار بعضهما هو الأمان والطمأنينة، هو السلوى لهما من أي قسوة من الحياة، ولكن هل الدنيا المريرة ستتركهما يهنآن باجتماعهما؟! لا.

فجأة وبدون مقدمات وَعَك مرض غامض الأختَ المشمشية لتموت سريعًا بجوار جدار من الجدران ليأخذها الناس ويوارونها بعيدًا بعيدًا، يوارون الموت أو يتوارون عنه وهو ملاحقهم جميعًا! وهكذا صارت القطة السمراء وحيدة شريدة لتواجه الدنيا وحدها، وإن كان من حولها قططة من عائلتها، ولكنها الوحدة الشعورية لا المادية، فقد فقدت توأم روحها وسلوى حياتها فبماذا يجدي من حولها؟!

لقد كان موت أختها نقطة فاصلة في حياة تلك القطة المسكينة، فقد كانت مع أختها تلهو وتلعب، كانت مرحة لعوبًا تستشعر في مرحها هي وأختها حلاوة الدنيا، ولكن بموت أختها أظلمت الدنيا واسودت وصارت مثل لون جسدها الداكن، فصارت الدُّكنة روحًا وحسًّا! لقد لاحظتُ أنها بعد فراق توأمها صارت تركن إلى العزلة، تترك بقية القططة وتقعد وحيدة شاردة، يشغل لبّها شاغل ما! ربما يشغلها سرّ الموت! ذلك الشبح المخيف الذي اختطف منها أختها وتركها وحيدة! تُرى هل سأموت أنا أيضًا؟! وإن متّ فهل سأدرك أختي وأجتمع بها في عالم غير العالم؟! وما هذا العالم الذي ذهبتْ إليه؟! أم إنه لا عالم غير عالمنا هو البداية والنهاية؟! ولماذا هناك موت يحرم الأحبة من بعضهم ويفرق بين الأخ وأخيه؟! أسئلة ربما تدور في رأس الهريرة السمراء تحيّر عقلها وتشتت مخيّلتها، ربما عجزت عن إجابة شافية فأصابها مرض الاكتئاب الذي عزلها عن قريناتها وحرمها بهجة الحياة الزائفة! ولكن هل مأساة تلك القطة قد انتهت إلى هذا الحدّ؟

لا لم تنته بعد، فقد أصابها مرض مفاجئ جعلها تتعسر في الوقوف على أرجلها، حاولتُ مداواتها بقدر استطاعتي وعلمي المتواضع فتحسَنَتْ أحيانًا وتراجعت أحيانًا أخرى، آسفتني حالها البائسة، فقد ازدادت كربا على كربها، وهمّا فوق الهمّ حالها كما وصف الشاعر:

كالجرح ينكأ جرحًا غير مندملٍ … وكالمريض يرى وهْنًا على وهنِ

ازداد انعزالها وتوحّدها، وتراكمت الكآبة حولها، حتى فوجئنا بأنها على استعداد للإنجاب!

إنها قليلة الحيلة وضعيفة الجسد ومحطمة القلب، ولكنها أنجبت أخيرًا ثلاثة هرات، صار هنالك شيء تعيش من أجله بعد أن فقدتِ الجدوى من الحياة، صار لها سلوى بعد أن ماتت السلوى، وصار لها وظيفة بعد أن كانت خالية عاطلة، ولكن ركلات الدنيا لتلك القطة السمراء لم تنته بعد، فقد ماتت هرتان من هررتها وبقيت واحدة! يا إلهي! إن كلومها تتراكم، وآلامها تتجدد، وصحتها تضعف أكثر وأكثر فهل تحتمل كل هذا العذاب؟! وتُرى هل هريرتها الرضيعة ستعيش وحيدة هي الأخرى كما عاشت أمها؟ يبدو أن الأقدار كانت أسرع من أن تجد تلك القطة العليلة جوابًا.

ذات صباح داكن وأنا ذاهب إلى عملي وجدت القطة السمراء نائمة وبجوارها هريرتها الرمادية الرضيعة تتوسد بطن أمها، ولكن نيمة القطة السمراء أرهبتني! إنها ليست نيمة الأحياء! قلّبتها بيدي فلم تتحرك وإنما لمست تيبس جسدها النافق فعلمت أنها أسلمت روحها إلى بارئها، واأسفاه! إن ابنتها تنام على صدرها وتظنها حية! يا لقسوة المشهد! بعد تلك الرحلة الطويلة من العناء والشقاء استسلمت للموت لترتاح من آلامها المتسلسلة، وتترك خلفها أثرًا مستقبله غامضًا، إنها هريرتها الرضيعة التي لم تكمل سن الفطام! أشفق عليها أصحاب أحد الدكاكين، وكفلها في دكّانه وبيته وأحضر لها الطعام وساعدتُه في ذلك وقلبي يُعصر من الألم والشفقة، ترى هل يكتب لتلك الهريرة أن تعيش أم ستلحق سريعًا بأمها وأخواتها وخالتها؟! إنها أسرة من عالم الأموات ما زال لها أثر من حياة! بذلتُ ما في وسعي أنا وصاحب الدكان لننقذها من الهلاك، وشاء الله أن تنجو وتكبر وتُفطم، ومازال خوفي قابعًا في صدري من أن تدوسها إحدى السيارت كما داست أمها وهي أولى بالخطر وهي صغيرة غِرّة لا تدرك مخاطر الحياة ولا يتوقع قلبها الطفولي شرًا ولا ضررًا، ولكن تعيش الهرة الرمادية وتتحدى عقبات الحياة، ثم تُعجب إحدى العائلات الثرية؛ فيأخذونها خلسة من الشارع ليربوها وتعيش عيشة راضية هنيئة في بيتهم بعيدًا عن تشرد الطرقات لتمثل قصة صمود طويلة بدأت بأمها المسكينة العليلة في شارع من الشوارع وانتهت بابنتها في قصر من القصور!

The post قطتي علمتني (8).. كفاح قطّة appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست