كان الأمر واضحًا منذ البداية أن الأسباب التي من أجلها قطعت السعودية والبحرين والإمارات ومصر علاقاتها مع قطر ليست مقنعة وغير منطقية وغير حقيقية؛ فهناك أدلة على ذلك، أبرزها أن السعودية أعلنت أنها قطعت علاقاتها من قطر بسبب تطور علاقاتها مع إيران التي تتهمها الرياض ودول أخرى خليجية وعربية بتمويل الإرهاب وزعزعة الاستقرار في المنطقة، في حين أن الإمارات تعد أكبر شريك تجاري لطهران في الخليج حيث يصل حجم التبادل التجاري بينهما إلى حوالي 24 مليار دولار يمثل 80% من حجم التجارة الخليجية الإيرانية، طبقا للإحصاءات الرسمية بين البلدين.
بالإضافة إلى أن العلاقات الدبلوماسية بين الإمارات وطهران لم تتوقف حتى بعدما تم قطع العلاقات معها بعد الاعتداء على القنصلية السعودية في مدينة مشهد العام الماضي، ورغم احتلال إيران للجزر الإماراتية الثلاث طنب الكبرى والصغرى وأبو موسى.
في مساع لاحتواء الأزمة، التي خلفت خسائر اقتصادية للطرفين حيث كانت تعتمد قطر على المواد الغذائية السعودية بنسبة 80% تقريبًا، لكن بالنسبة للدوحة أمدتها تركيا وإيران والمغرب ودول أخرى بالمواد الغذائية التي تحتاجها، قدمت الرياض والدول المقاطعة قائمة من المطالب إلى قطر من أجل حل الأزمة أبرزها غلق قناة الجزيرة التي ساعدت السعودية أساسا بشكل أو بآخر على إنجاحها منذ انطلاقها عام 1996، والكف عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول المجاورة ومنع التجنيس لمواطني الدول الخليجية وقطع العلاقات مع المعارضين للدول الأربع المقاطعة، وإغلاق القاعدة العسكرية التركية في قطر، وخفض التمثيل الدبلوماسي مع طهران، وغيرها.
وتعليقًا على هذه القائمة، وصف وزير الخارجية الألماني سيغمار غابرييل يوم الإثنين المطالب «بالاستفزازية جدا” وأن بعضها يمس سيادة قطر، وسيكون من الصعب تنفيذها بالكامل، في حين صرح وزير الخارجية السعودية يوم الثلاثاء وقال «لا تفاوض على هذه المطالب».
إذا كانت السعودية والدول المقاطعة الأخرى ترى أن قطر تتدخل في الشؤون الداخلية لبلادهم، فلماذا تطلب من قطر إغلاق القاعدة التركية وهذا شأن الدوحة وأنقرة فقط، ثم إن تركيا نفسها قد عرضت على السعودية إنشاء قاعدة على أراضيها لكنها رفضت بحسب تقارير إعلامية سعودية. إذن ما يضير السعودية من القاعدة التركية في الدوحة؟
هناك بالتأكيد دول رابحة وأخرى خاسرة من الأزمة سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي، تركيا أعلنت بشكل واضح بعدما كان موقفها غير واضح أنها تقف مع قطر، وهذا يصب الآن في مصلحتها – صحيح ربما يكون له توابع وآثار إذا ما أقدمت الرياض على اتخاذ خطوة ما ضدها – لأن تركيا تنظر إلى الغاز القطري المسال بعين الاعتبار من أجل تشغيل المصانع التركية، حيث تمتلك قطر مخزونًا هائلًا من الغاز الطبيعي، بالإضافة الى الاستثمارات الزراعية الأخرى.
كما أن تركيا لم تنس موقف قطر عندما أمدتها بالغاز في عام 2015 بعد خلافها مع روسيا على الملف السوري، كما أن الدوحة كانت أولى الدول العربية التي سارعت بإدانة الانقلاب العسكري العام الماضي في انقرة.
لم تقف إيران صامتة في أعقاب الأزمة، حيث عرضت على قطر توريد السلع الغذائية وكل ما تحتاجه من مواد ومؤن وغذاء عبر موانئها في الجنوب.
إذا كانت الدول الخليجية تطلب من قطر تخفيض التمثيل الدبلوماسي مع إيران، ماذا لو رفضت الدوحة المطالب وسعت إلى تعزيز علاقاتها مع تركيا وإيران في نفس الوقت، وخسرت الرياض وقتها حليفًا سنيًا قويًا مثل تركيا، وبرزت علاقات قطرية-إيرانية رغم صعوبة تنفيذها على أرض الواقع؟
ثم لماذا لم تطلب الرياض من الإمارات خفض حجم التبادل التجاري مع إيران؟
وجود القاعدة العسكرية القطرية-التركية سيعزز دور تركيا في المنطقة بشكل رسمي، وخاصة فيما يتعلق بالأزمة السورية وبعض الملفات الأخرى الساخنة، لكنه لا يعني أن تركيا ستدير ظهرها بشكل كامل للسعودية، لأنهما لديهما نقاط توافق فيما يخص الوضع في سوريا.
وإذا كانت الدول المقاطعة تعول على الدعم الأمريكي لها، فإن هذا ليس مضمونًا على الإطلاق، لأن الإدارات الأمريكية وخاصة إدارة دونالد ترامب ليس لها حلفاء دائمين، وربما فطنت الدوحة للدرس ولذا قامت بإبرام صفقة أسلحة منذ أيام تقدر بـ21 مليار دولار، ولديها استعداد لأن تدخل في صفقات أخرى تكسب بها ود أمريكا.
في ظني لن تقبل قطر – إذا ما فكرت بتمهل – تنفيذ كل المطالب، وخاصة التخلي عن دعم حماس والإخوان المسلمين، لأن تركيا تدعمها في هذا الاتجاه بقوة، وإغلاق قناة الجزيرة التي ساهمت بشكل كبير في إبراز دور قطر الإقليمي والدولي.
قطع العلاقات لم يكن بسبب المزاعم التي أعلنتها الدول المقاطعة، بل بسبب بروز دور قطر على الخريطة الدولية سواء على المستوي الاقتصادي أو السياسي أو غيرهما.
لا ننسى أن نشيد هنا بالوساطة الكويتية ومساعيها لرأب الصدع في البيت الخليجي.
في النهاية، إذا استمرت الأزمة الخليجية فستكون هناك تحالفات صغيرة في المنطقة، كل مجموعة من الدول تكون تحالفًا بهدف التصدي للتحالف الآخر، وستبقى إسرائيل هي الرابح الوحيد في المنطقة، وسيتلاشى الحديث عن حل القضايا الأساسية التي تعاني منها المنطقة؛ أبرزها القضية الفلسطينية والصراعات في سوريا، وليبيا واليمن والعراق، وسيقتصر الحديث فقط عن الإرهاب الذي لم يعد له تعريف واضح في ظل التكتلات والتحالفات المتعددة.
The post الأزمة الخليجية وتحالفات جديدة appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست