يعاني العالم العربي والإسلامي من مشكلة كبيرة في خلط المفاهيم ببعضها البعض، وهذا الخلط هو الذي دفع بخصوم العلمانية، وبالتحديد الحركات الإسلاموية إلى اعتبار أن الدعوة إلى الفصل بين الدين والدولة هو دعوة إلى هدم الدين وهذا غير صحيح، وهذا الخلط هو الذي أسس إلى خلط الديني بالدنيوي وبين السياسي والعقائدي، فالسياسة هي لعبة مصالح، أما الدين فمجاله الإيمان، وهذا الخلط أدى بالمسلمين إلى مقارنة المفاهيم السياسية بالدينية، مثل المقارنة بين الإسلام والعلمانية، وبين الإسلام والاشتراكية وغيرها من المقارنات التي تنم على معاناة المسلمين من أمرين، و هما: الجهل بالمفاهيم ومعانيها، والخلط بين الديني والدنيوي وبين النسبي والمطلق.
ماهي العلمانية؟
العِلمانية أو العَلمانية أو العَلَمانية هي ترجمة للمصطلح الغربي: سيكولاريزم. فيبدو من عدد هذه المصطلحات أن مفهوم العلمانية هو مفهوم خلافي جدّا، وهذا لأن علم الاجتماع الغربي ورث خلطا في الحقل الدلالي لكلمة: العلمانية، فنجد أن في الأخير مصطلح العِلمانية هو مصطلح خاطئ؛ لأنه لا علاقة للعلم بالعَلَمانية أو العَلْمانية، فهذه العلاقة جاءت متأخرة، أي في بدايات القرن 19 .. فأول من صكّ مصطلحًا محددًا لمفهوم العلمانية هو الكاتب الإنجليزي جورج هولويك في سنة 1951، واصفًا السيرورة التي مرّت بها العلمانية بـفصل الدين عن الدولة، وليس فصل الدين عن الحياة، يعني الدولة يجب أن تكون محايدة دينيًا، ويجب أن لا تتحيز مؤسساتها لأتباع أية طائفة دينية.
العلمانية والدين
الشائع عن العلمانية في العالم الإسلامي، أن هذه الأخيرة تهدف إلى محو الأديان وإزالتها من وجه الأرض ومحاربتها والقضاء عليها تمامًا، والسبب وراء هذا الاعتقاد الخاطئ هو كلمة فصل الدين، وبالتالي اعتقد المسلمون أن فصل الدين عن الدولة هو محاربة للدين الإسلامي ومحاولةللقضاء عليه، لكن في الحقيقة أن ما تريده العلمانية هي دولة الحياد الديني، وليس محاربةالدين؛ لأن في الحقيقة الأديان هي التي تحارب بعضها وتتصارع فيما بينها، فالعلمانية
جاءت لإزالة هذا الصراع، والاحتقان الطائفي الحاصل في المجتمعات الإسلامية هو نتيجة غياب الفكر العلماني في هذه الدول، ولغياب الدولة العلمانية، كما أن فصل الدين عن الدولة جاء كنتيجة من نتائج العلمانية؛ لأن العلمانية حسب تعريف الدكتور مراد وهبة: هي طريقة التفكير بما هو نسبي بطريقة نسبية، وليس بطريقة مطلقة، فلا يجوز الخلط
بين النسبي والمطلق، فمن التعريف نجد أن مجال العلمانية هو المجال الدنيوي، ولاشأن لها بالدين الذي يشكل المجال الغيبي فيه قسطًا وافرًا.
ما سبب سوء سمعة العلمانية في العالم الإسلامي
إن أسباب سوء سمعة العلمانية في العالم الإسلامي كثيرة .. فالعالم العربي ينظر إلى العلمانية كمؤامرة غربية للقضاء على الإسلام؛ لأن العلمانية ظهرت في الغرب المتآمر على الإسلام حسب اعتقادهم، وهذا يدل على الجهل بحقيقة أن الحضارة الغربية هي نتاج الحضارات الأخرى الغابرة، وأن العلم والإبداع يخضع للتراكم المعرفي، أي أن كل حضارة جديدة هي حضارة مكملة للحضارة التي سبقتها، فالحضارة التي ظهرت في العصر العباسي الأول كان سبب ظهورها تطور حركة ترجمة علوم الإغريق واليونان وفلسفتهم هي التي أدت إلى ظهور علماء مسلمين كبار، مثل: ابن رشد، والفارابي. فموروث اليونان والإغريق، واحتكاك المسلمين بالإسبان في الأندلس، ساهم في اكتساب المسلمين طباع الإسبان، وبقايا حضارتهم الموروثة منذ عهد الإغريق والرومان حتى صارت الأندلس مشعل تنوير عربي وإسلامي لعدة قرون، وللعلم أن ما أنجزه العرب في الأندلس من حضارة يشهد لها العالم – ببناياتها وهندستها القائمة إلى الآن – لم يكن له أن يكون، لولا التواصل الثقافي الذي حدث بين العرب والإسبان، فهذا يدل على أن الاحتكاك والتواصل الثقافي بين البشر شرط ضروري للنهضة والحضارة، وهذا ما غاب عن أذهان المسلمين.
والسبب الذي زاد المشكلة تعقيدًا هو خلط المسلمين بين السياسة والدين، فكان يجب على المسلمين الأوائل تجريد دولة الرسول من حالتها الدينية إلى حالتها السياسية، واعتبارها مجرد تجربة حكم أسست لأغراض دفاعية، ولحماية الدعوة الفتية، لا دولة تنطق بالحق الإلهي، فظن المسلمون أن الإسلام عبارة عن دين ودولة، بالرغم من أنه لا الرسول، ولا غيره قال هذا الكلام، أو اخترع هذا الوهم؛ لأنه منطقيًا لا يمكن التوفيق بين الدين والدولة أصلًا، فالدين هو أخلاق وشعائر ومعاملات بين الناس وتعاليم يلتزم بها من ينتمي إلى ذلك الدين، لكن لا يحق له تغيير مبادئ أو أسس دينه حسب مصلحته، فإما أن يقبل الدين كله أو يتركه كله، أما الدولة فهي مؤسسات وأشخاص ومصالح تتغير حسب الظروف والزمان وقوانين تطبّق على الجميع، دون النظر إلى خلفياته الدينية، لكن قوانينه تصاغ بإذن وإرادة الشعب، وله الحق في تغييرها متى شاء، كما أن المسلمين لم يعرفوا معنى الدولة، ولا نظام الحكم، بل حتى الإمبراطوريات التي أنشأها المسلمون التي اكتسحت العالم، أخذت نظم حكمها من الساسانيين والفرس، فسلف المسلمين لم يهتموا بالسياسة والدولة قدر اهتمامهم بالعلم والأخلاق.
الحاجة الماسة إلى العلمانية
لا يستطيع أحد أن ينكر أن الإرهاب المتفشي في العالم الإسلامي، والاحتراب الطائفي الحاصل في المجتمعات الإسلامية، والذي يتم تبريره بالدين، وهو نتيجة لغياب الفكر العلماني والدولة العلمانية التي تمنع استغلال الدين لأغراض سياسية أو لأغراض سلطوية، إن العلمانية تمنع تسييس الدين، وتدنيس المقدّس، وتقديس المدنّس، والانتهازية المقدّسة التي تحوّل الظلم إلى شعيرة دينية، وتعارض منح ونزع المواطنة والجنسية على حسب الانتماء الديني، وليس على حساب الانتماء للأرض، وإلا أدى ذلك إلى تقسيم المجتمع الواحد وتناحره، أما الدين فهو علاقة بين الإنسان وربه، لا وسيط فيها، ويتفرع منها علاقة الإنسان بنفسه وبالآخرين، وفصل الدين عن الدولة ضروري يحقق صالح الدين وصالح الدولة، فلا الدين يصبح عامل تفريق بين أبناء الوطن الواحد، ولا الدولة وسيلة لقمع المخالفين في الدين.
The post العلمانية والدين appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست