لقد أثارت زوبعة حصار قطر وتجريم الكثيرين من العلماء والفقهاء والناشطين والسياسين غبارًا لم ينجل بعد، وربما انجر البعض لما أريد من تبعات لقرار الحصار، مثل التغافل عن الكوليرا في اليمن، وحصار غزة، ومغامرات الأطفال الطائفيين في الموصل، وتدميرها وهدم معالمها التاريخية، دون أن ينتبه أحد، ذلك أن ردات الفعل في المنطقة تعتبر عاطفية نوعًا ما حتى عند المثقفين الذي ينظر إليهم في مثل هذه المواقف، وكما هي العادة فإنك إن أردت أن تغير في الشرق الأوسط فقم بإلقاء صخرة كبيرة على أي مكان فيه تحدث جلبة تسحب الأنظار إليها، ومن ثم افعل ما بدا لك، وهذا الداء يسمى عمى البصيرة.
غير أن غبار الزوبعة انجلى في أول تجلياته عن زمرة ممن اصطلح على تسميتهم بعلماء السلاطين الذين استثمر فيهم الحكام منذ قرون، وادخروهم لساعة ردح فقهية، كالتي مرت، والغريب أن الغباء كان في تبني جزء من مذهب فقهي ثوري بطبيعته لمن يحمل الإنصاف التاريخي، ولا تعميه لحظة السواد التي نحياها عن الحقيقة التاريخية، فالقوم في غالبهم ينسبون أنفسهم لأبي عبد الله الإمام أحمد بن حنبل – رحمه الله – وهو صاحب الموقف الأجرأ في فتنة خلق القرآن، وهو من قارع السلطان وعلماء البلاط حينها، ورفض أن يقول بقولهم، وهذه أول محطة يخالف فيها الخلف الحالي زعيم المذهب إن كانوا صادقين فيما يدعون، ومن ثم ينسبون أنفسهم للإمام ابن تيمية رحمه الله، ويكثرون من الاستدلال بأقواله وأفعاله، ولقد سجن ولم يسجنوا، وجاهد ولم يجاهدوا، وأمر الناس بقتله إن رأوه في صف الباطل، وهؤلاء يدعون الناس إلى الباطل، وكذلك يلصقون أنفسهم بتلميذ ابن تيمية النجيب الإمام ابن القيم، ويفعلون معه ما فعلوه مع شيخه، وفي باب التزكية ينهلون كما يدعون من معين حجة الإسلام الإمام الغزالي، وهم يرتكبون معظم الجرائم التي نهاهم عنها فيما يتعلق بالدخول على الحكام، وسخريته من العالم الذي ذكر الحاكم بالتنزه من البول، ومن ثم قال أمرته ونهيته.
أن تكون متدينًا أو فقيهًا أو عالمًا لا يعني بأن لك السلطة المطلقة على الناس، وأن تنشر كتابًا مختلطًا بين التنمية البشرية وشذرات الفقه لا يعني أن زمام الكون بيديك، وأن يكون صوتك نديًا، فلا يعني ذلك أم تستغل منبرًا له هيبته لتدعو على من أمرك سيدك بالدعاء عليه، وبكاؤك أمام الكاميرا متصنعًا لا يعني أن غيرك كافر.
لقد أثبتت الأيام المنصرمة أن الحكام قد أعدوا مجلسًا من طالبي الجاه والمناصب على شكل إكليروس كهنوتي يأتمر بأمره ويفعل بإشارته، وهذا ليس شيئًا سيئًا؛ لأن قادم الأيام فيه تمكين وتمحيص، فكيف سنصل إلى صف نقي موحد والفتوى تخرج من تحت كرسي الحاكم؟ وكيف سننزع حاكمًا لا يحكم بشرع الله ونحن نظن أن الخروج عليه من الموبقات بفعل تنظير خدم بلاطه من الفقهاء؟ وكيف ستكون هناك ثورة فقهية وعمائم علماء البلاط غير مكشوف زيفها؟
إن أصغر طالب للعلم إن خلصت نيته وصح فهمه يستطيع أن يقود أمة إلى الحق ويبين زيف البعض من علماء السلاطين وأصحاب الفتاوى المعلبة لذلك لا يهولنكم الأمر وانكشاف زيف من ظننتم بهم خيرًا، فإنهم أقل من أن يحرفوا أمة عن مسار نهضتها، وإن ملكوا المنابر والمحابر والجامعات، وهم أدنى من أن يقولوا فيسمع لهم، أو يوجهوا فيطاعوا، ذلك أن لحن قولهم بائن، وفلتات مواقفهم تكشف خبث قلوبهم.
وختامًا، يحاول الكهنوت التابع للأنظمة أن يكرس فتوى عدم الخروج على الحاكم، ويعتني كثيرًا بالروايات التي يراها دليلًا قويًا لرأيه الموجه؛ مما يدخلك في معمعان صحة الروايات والجمع بين المتعارض منها، ولو حققوا لك المناط لناقشوك أولًا في طبيعة الحاكم الذي يذودون عنه بالفتوى فهل هو مسلم من يقتل مسلمين أبرياء لترضى عنه أمريكا؟ وهل هو مسلم من يساهم في بيع مقدسات المسلمين للصهاينة؟ وهل هو مسلم من يتآمر على المسلمين ليقال إن له دورًا في السياسة الكونية؟ وأخيرًا هل هو مسلم من لا يحكم بما أنزل الله ويحارب دين الله في كل فج عميق؟
الإجابة التي دارت في خلدك، وأنت تقرأ الأسئلة كفيلة بأن تجعلك تميز بين الحق والباطل المتلبس بلبوس الحق، وأنت تعلم أنه لا كهنوت في الإسلام، ولا إكليروس من رجال الدين يطبع صكوك الغفران، وكل ما في الأمر أن شرذمة باعت دينها، ولاكت ألسنتها كالبقر، والله غالب على أمره.
The post الكهنوت appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست