كنت صغيرًا عندما علمت أن رأي شيخنا الشافعي هو تكفير المعتزلة – هكذا قال لي رجل كنا نظنه شيخًا، وكان يتبع المنهج الوهابي – حينها ظننت أن كلامه مصدق وأن المعتزلة كفرة، العجيب أنني عندما كبرت علمت أننا نحن الشافعية، بل شيوخنا من المالكية، وأيضًا رفاقنا من الحنابلة لا يكفرون المعتزلة، بل عرفت أن الشافعي، وهو أول من ناظر المعتزلة وهزمهم شر هزيمة، قد كفر من قال إن كتاب الله مخلوق، ولكنه لم يكفر عموم المعتزلة، بل إننا نحن أهل السنة والجماعة نخالف المعتزلة، ولكننا نعترف بمجهودهم، ونفرق بين معتزلة البصرة ومعتزلة بغداد.
المعتزلة فرقة كلامية ظهرت في بداية القرن الثاني الهجري في البصرة وقد لعبت دورًا رئيسًا، سواء على المستوى الديني، أو السياسي.
غلبت على المعتزلة النزعة العقلية؛ فاعتمدوا على العقل في تأسيس عقائدهم وقدموه على النقل، وقالوا بالفكر قبل السمع، ورفضوا الأحاديث التي لا يقرها العقل، وقالوا بوجوب معرفة الله بالعقل ولو لم يرد شرع بذلك، وإذا تعارض النص مع العقل قدموا العقل؛ لأنه أصل النص، ولا يتقدم الفرع على الأصل، والحسن والقبح يجب معرفتهما بالعقل، فالعقل بذلك موجب وآمر وناه، لذلك فإنهم قد تطرفوا وغالوا في استخدام العقل وجعلوه حاكمًا على النص، بعكسنا نحن أهل السنة الذين نستخدم العقل وسيلة لفهم النص، وليس حاكمًا عليه.
بدأت المعتزلة بفكرة أو بعقيدة واحدة، ثم تطور خلافها فيما بعد.
تمتلك منظومة من العقائد والأفكار، والتي في مقدمتها الأصول الخمسة الشهيرة التي كان يعتقدها أغلب المعتزلة قديمًا وهي التوحيد، العدل، الوعد والوعيد، المنزلة بين المنزلتين، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الأصول الخمسة تمثل الخط العام لفكر المعتزلة، وهم قد اتفقوا عليها، ولا يعني هذا انعدام الخلاف بينهم، فلقد كان هناك بعض الخلافيات في الفروع التي أنبنت على تلك الأصول، لكن هذه الأصول الخمسة تمثل الأساس العام لفكر المعتزلة، وهذه الأصول لم تتكون دفعة واحدة، بل مرت بمراحل نشأة المعتزلة وتطورها، وأولها من الناحية التاريخية هو أصل المنزلة بين المنزلتين.
وقد تكون أهم مشكلاتنا نحن أهل السنة مع المعتزلة، مشكلتان:
أولاهما، خلق القرآن، ولا خلاف بين المعتزلة وخصومهم من الفرق الإسلامية على أن الله تعالى متكلم، وأن له كلامًا، وأن القرآن كلامه، لكن الخلاف حول معنى الكلام، وحقيقة المتكلم، وهل القرآن مخلوق حادث أم غير مخلوق؟
أولى المعتزلة مشكلة الكلام الإلهي وخلق القرآن عناية خاصة، بالرغم من أنها لا تعدو إلا أن تكون ضمن مشكلة الصفات والتي نفوا قِدَمها، ولقد كان السبب في ذلك، هو خوفهم من أن القول بقدم الكلام الإلهي أن يشبه قول النصارى في قِدَم المسيح وألوهيته وهو كلمة الله، لذلك اهتم المعتزلة بهذه المشكلة اهتمامًا خاصًا، وأخذت طابعًا سياسيًا حين أوعز أحمد بن داوود وثمامة بن الأشرس إلى الخليفة المأمون بأن يجعل القول بخلق القرآن عقيدة رسمية للدولة يتتبع كل معارض لها بالقتل والحبس والجلد وقطع الأرزاق، ومحنة الإمام أحمد بن حنبل في ذلك مشهورة ومعروفة وقدر رد عليهم الإمام الشافعي ومن بعده الإمام أحمد وغيرهما الكثير من العلماء.
والثانية نفي رؤية الله في الآخرة، ولقد كانت مسألة رؤية الله تعالى في الآخرة من المسائل التي ثار حولها الخلاف بين المعتزلة النافين لها وبين خصومهم من المتكلمين المثبتين لها، وهم أهل السنة من الأشاعرة والماتريدية.
رؤية الله في الآخرة ثابتة عند أهل السنة والجماعة من أنكرها عالمًا عاقلًا؛ فقد خالف صريح القرآن الكريم والسنة النبوية، يراه المؤمنون يوم القيامة ويرونه في الجنة كما يشاء بإجماع أهل السنة كما قال عز وجل: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23).
وقال سبحانه: لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ.
فسر النبي – صلى الله عليه وسلم – الزيادة بأنها النظر إلى وجه الله، وتواترت الأحاديث عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بأن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة وفي الجنة، أما في الدنيا، فلا يرى في الدنيا كما قال سبحانه وتعالى: لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ.
وقال لموسى: لَن تَرَانِي.
وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: واعلموا أنه لن يرى أحد ربه حتى يموت.
ومن المعلوم أن الخوارج والمعتزلة عصاة وليسوا بكفار؛ لأنهم داخلون في مسمى الأمة في حديث النبي صلى الله عليه وسلم تفترق أمتى على ثلاث وسبعين فرقة.
فنسبة الفرق إلى الأمة دليل على عدم كفرهم، قال وقد قال الخطابي مما نقله البيهقى تعليقًا على الحديث، وبهذا هو ليسوا بخارجين عن الدين، بل هم من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهو ما يؤكده العدوى والنووي وابن عابدين وغيرهم من كبار العلماء.
وحتى لا يخرج علينا من يكفر كل مسلم يصلى وقبلته البيت الحرام مستحلًا بذلك دماء قد خلقها الله وحرم سفكها، دون سبب شرعي، فبالأمس البعيد كفروا المعتزلة والأمس القريب كفروا أهل السنة، واليوم يكفرون كل مسلم، حتى وإن كان عند الله أعلى مكانة وأعظم وأقرب، فلعن الله من خلط علينا ديننا.
The post المعتزلة في الميزان appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست