بينما كان القائد العسكري في الجيش الوطني مهران القباطي، يُمنع من دخول عدن عبر مطارها، بواسطة قوات موالية للإمارات، أصدر الرئيس اليمني قرارات مفاجئة بإقالة وزير الدولة، وقائد الحزام الأمني الموالي للإمارات هاني بن بريك، وإحالته للتحقيق، كما صدر قرارًا بإقالة محافظ عدن عيدروس الزبيدي، والمعروف بولائه للإمارات، كانت تلك معادلة مختصرة للمعركة السياسية بين الإمارات وهادي، فضلًا عن كون تلك القرارات اختبارًا حقيقيًّا لفرض شرعية الدولة في مناطق محررة، قبل فرضها في مناطق سيطرة الميليشيات، عند تحريرها.
تتمتع الإمارات بعلاقة وثيقة مع المخلوع صالح، لم تزعزعها الحرب بشكل كبير كما يبدو، هذه العلاقة أسهمت بشكل كبير في إطالة أمد الحرب، وتوقف تحرير المدن بفعل النفوذ الإماراتي داخل التحالف العربي، المسكوت عنه سعوديًّا، في مقابل رئيس ضعيف أتاح المجال للعبث الإماراتي، ولم يكن حازمًا منذ أول لحظة، لمنع تغلغل هذا العبث إلى مفاصل الدولة، بحيث أصبح من الصعب التخلص من هذا العبث خلال فترة قصيرة.
لا أحد ينكر الدور الكبير الذي لعبته الإمارات، ضمن التحالف العربي لإعادة الشرعية في اليمن، والتضحيات التي قدمها الجيش الإماراتي في أكثر من جبهة، وبسالتهم في مواجهة ميليشيات الانقلاب، لكن ذلك لا يبرر للسلطات الإماراتية استغلال نفوذها ضمن التحالف العربي، لتحقيق أجندات خاصة، وأهداف توسعية، وتصفية حساباتها العابرة للحدود مع الإسلاميين.
عقب تحرير محافظة عدن تسلّمت السلطات الإماراتية الملف الأمني والعسكري في المدينة، وفشلت فشلًا ذريعًا في وقف الهجمات الانتحارية، وحماية أرواح المواطنين، وما ترتب على ذلك من اغتيالات ممنهجة بحق قيادات في المقاومة الشعبية، ودعاة السلفية الذين لم يكونوا في صف الإمارات، ولم يعلنوا ولاءهم، كحال الشيخ هاني بن بريك، الذي أصبح وكيلًا للإمارات في تنفيذ مخططاتها في المناطق المحررة، وعدن على وجه الخصوص.
لم تفوّت الإمارات عملية تحرير عدن كفرصة لابتزاز هادي، والتدخل في قرارات هي صلب شرعيته، ونجحت في إقالة المحافظ السابق نايف البكري الذي ينتمي للتجمع اليمني للإصلاح، الحزب الذي تراه الإمارات رجسًا من عمل الشيطان، وتعمل على استئصاله بكل السبل، كما نجحت في الضغط على هادي، لتعيين محافظ جديد موالٍ لها خلفًا للشهيد جعفر سعد، وأحكمت نفوذها أكثر من أي وقت مضى.
الإمارات غضبت كثيرًا عندما قرر الرئيس هادي إقالة خالد بحاح من منصبه كنائب للرئيس دون الرجوع إليها، في وقت نجحت فيه الإمارات في ضم الرجل إلى معسكرها، وعملت على تهيئته ليخلف هادي في رئاسة البلاد، لكن هادي أدرك تفاصيل اللعبة، فأقال الرجل، ودفع بالجنرال علي محسن لتولي المنصب، سدًّا لأي خطة سياسية تفضي لإطاحته، ومن لا يعرف الجنرال محسن، فإن الإمارات تعتبره الذراع العسكرية لحزب الإصلاح، وهذا ما تسبب في تصاعد وتيرة الخلاف على فترات متلاحقة، ليصل إلى المواجهة العسكرية، بين معسكر الشرعية، ومعسكر الإمارات، في مدينة عدن العاصمة المؤقتة.
عبر بوابة التنمية، وتقديم المساعدات، نجحت السلطات الإماراتية في تثبيت حضورها على الأرض، وعززته بإنشاء قوات عسكرية موالية فيما بعد، ففي الفترة التي أعقبت انتخاب هادي رئيسًا، ألغت الحكومة اليمنية اتفاقية تأجير ميناء عدن التاريخي للإمارات، وكان هذا القرار يشكل خطورةً على السلطات الإماراتية، فيما لو تحرر الميناء من قبضتها، وما سيعقبه من حسابات اقتصادية، قد تؤثر في الاقتصاد الإماراتي، ولو بنسبة ضئيلة، تحركت الإمارات صوب سقطری الجزيرة النائية المحرومة من الخدمات وعناية الجهات الرسمية، ونفذت عددًا من المشاريع التنموية، التي لاقت ارتياحًا في أوساط المواطنين، وكان من البديهي أن يزور الشيخ حمدان آل مكتوم ولي عهد دبي سقطری دون إذن مسبق في أبريل 2013، بدعوی السياحة، واكتفت حكومة هادي بالاحتجاج لا أكثر، ولم تلتفت لمطالب سكان الجزيرة، بينما استمر التوسع الإماراتي من خلال المشاريع التنموية، وأصبح نفوذها في سقطری كما لو أنها تابعة لسيادتها، في الوقت الراهن.
بعد بدء عاصفة الحزم بسنة وثلاثة أشهر – يونيو 2016 تحديدًا- أعلنت الإمارات انتهاء دورها في حرب اليمن، قبل أن تتراجع عن هذا التصريح، وتتحدث عن استمرارها في التحالف، ولم يكن ذلك سوی انعكاس للصراع بين السعودية والإمارات، كما يری مراقبون، غير أن ذلك كان بداية مرحلة جديدة من الصراع بين شرعية هادي، والنفوذ الإماراتي، سعت خلالها الإمارات لتحقيق أهدافها ضمن التحالف لا أكثر، فتفرغت لتعزيز قوة الحزام الأمني الموالي لها، على حساب ألوية الحماية الرئاسية الموالية للشرعية، ووسعت نفوذها في محافظة حضرموت بعد مساهمتها في تخليصها من العناصر المسلحة التابعة لتنظيم أنصار الشريعة، خلال معركة قصيرة لم تتجاوز 24 ساعة.
بلغت ذروة الخلاف بين هادي والإمارات في فبراير الماضي بعد منع طائرة الرئيس اليمني من الهبوط في مطار عدن، من قبل قوات حماية المطار الموالية للإمارات، الأمر الذي تطور إلى اشتباكات بين ألوية الحماية الرئاسية وقوات الحزام الأمني، للسيطرة على المطار، وساندت المروحيات الإماراتية حلفاءها في الحزام الأمني، بقصف مواقع للحماية الرئاسية، ليرضخ هادي للأمر الواقع ويلجأ للتفاوض عبر الرياض، منعًا لأي اقتتال، قد يفضي إلى مزيد من الدماء، لكن ذلك بكل الأحوال لم يكن استسلامًا، بقدر ما كان فرصة لإيجاد حلول للنفوذ الإماراتي المتنافي مع الشرعية، وقرارات التحالف العربي.
ما يزال لدى الإمارات أوراق كثيرة لتلعب بها مع هادي، كالورقة الأمنية، التي تحركها متى ما شاءت، إضافة إلى قدرتها على إثارة الشارع ضد الرئيس هادي، ولديها أيضًا ورقة المخلوع صالح ونجله أحمد، التي تلجأ إليها بعض الأحيان لتحقيق مآربها.
ويبقى الصراع بين هادي وعبث الإمارات جزءًا لا يتجزأ من مشروع استعادة الدولة، وفرض السيادة على التراب الوطني، بما في ذلك التراب الذي يخضع للنفوذ الإماراتي، إنها معركة ضمن سلسلة معارك فرضت على اليمنيين دون سابق إنذار، وأجبروا على التعاطي معها وفق ما يلزم، وفي إطار ما هو متاح.
منطقة المرفقات
The post خفايا الصراع بين الشرعية اليمنية والإمارات appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست