يسرنا أن نقدم لكم عرضنا الصيفي المميز، الفرصة لاكتشاف مواهب أبنائك، فقط احرص على انضمامهم إلينا في المعسكر التدريبي الفلاني، أو ورشة عمل كذا وكذا… إلخ هذه بعض الدعاية التي ستمطرنا بها وسائل الإعلانات المختلفة، خلال الفترة القادمة، وأنا هنا أهمس في أذن كل مربٍ ومربية: لا تكتشفوا هوايات أبنائكم.
في الخلفية شاب أو فتاة يواجه والديه – أو أحدهما- بعدما انسحب من مواجهة أو منافسة فنية أو إبداعية ما. يسأله الأب أو الأم: لماذا تتخلى عن حلمك يا بني؟ فيكون الرد الصادم: هذا لم يكن حلمي يومًا ما، بل هو حلمك أنت. تكرر هذا المشهد الدرامي في عدة أفلام وبوضوح شديد يصف حال الآباء مع أبنائهم ذوي المواهب، ويطرح سؤالًا مهمًا: أين أخطأ المربون؟
حسنًا، دعنا نبدأ من لحظة اكتشافهم لمواهب الأبناء.
طفل صغير يعبث بعلبة الألوان، فتاة صغيرة ترقص بتنورة منتفخة، طفلة تردد آيات من القرآن حفظتها بسرعة، طفل يدندن بضع أغنيات بصوت جميل، فتتلقف أيادي الآباء والأمهات هذه الفرص، ويحاولون بكل طاقتهم أن يوفروا البيئة الإبداعية لهؤلاء الأطفال من تدريبات ومعسكرات ومسابقات وضغط لتحقيق أعلى معدلات النجاح. ولكن هل يتوقف أحدهم ليسأل هل هذا ما يريده الطفل حقًّا؟ وهل يستطيع الأطفال في هذه السن الصغيرة تحديد ما يريدونه لأنفسهم؟
كيف لنا أن نمنع الطفل من النمو السليم، والمرور بمراحل النضج التي تتطلبها مرحلته العمرية؟ فالأطفال يتعلمون ويكتشفون الحياة في كل لحظة، ومن الخطأ الشديد معاملتهم كالبالغين.
في عمر مبكر بدأ ابني في الرسم، أذكر جيدًا رسمته الأولى، رسمنا أنا ووالده نمسك بيديه، كان في الثانية والنصف من عمره، وكان يجيد الرسم فعلًا. وعندما كنت أجلس لأكتب كان يمسك بالأقلام ويقلدني، ثم تمكن في عمر الخامسة من كتابة قصيدته الأولى. ثم ترك الرسم والكتابة وقرر أنه يريد أن يصبح رائد فضاء ولاعب كرة قدم في الوقت نفسه، أي يذهب إلى زحل في الصباح ويدور بين حلقاته، ثم ينضم مساء إلى فريقه حيث يلعب.
لم أدخر جهدًا في مجاراته في كل ما سبق، فعندما أحب الرسم أحضرت له الألوان والأوراق واصطحبته إلى تدريبات يتعلم منها كيف يتقن الرسم. ولما قرر أنه لن يصبح رسامًا اتجه للكتابة فهيأت له ما يساعده، ثم أحضرنا مجسمًا للكرة الأرضية، ونشاهد معًا البرامج والأفلام الوثائقية عن الفضاء. وعندما يمل صغيري من هواية أو مهارة، ننتقل إلى ما يرغب فيه، دون لوم أو تقريع. هكذا أساعده في معرفة ما يريد لنفسه دون ضغط أو تقييد.
لو تعمقنا بعض الشيء في سبب تركيز الآباء على نقاط المواهب لدى أطفالهم لوجدنا أن أغلب هذا التركيز ينبع من شيئين رئيسين أولهما شعور الآباء الفطري المتمثل في واجبهم نحو أطفالهم بالرعاية والعناية بهم، حتى وإن تسبب ذلك بكثير من الضغط النفسي للطفل. والثاني وهو سبب دفين ينبع منه أغلب المشاكل التربوية – ويعقد علاقة الأطفال بوالديهم- وهو شعور الوالدين بالامتداد في أولادهم، حيث يرى كل أب أن ابنه هو امتداده الطبيعي، ولذا ينبغي أن يحقق أحسن النتائج، وأفضل التوقعات، مهما كلفه الأمر. وهذا الشعور بالامتداد – بل والتملك أحيانًا كثيرة- يقضي تمامًا على هوية الطفل، ويجعله يدور في فلك من مسئولية تحقيق أحلام الأبوين، والتي غالبًا ما يكون الآباء قد فشلوا في تحقيقها بأنفسهم.
اسأل نفسك عزيزي المربي وأجب عن هذه الأسئلة بصدق:
هل أنا أدعم مواهب ومهارات أبنائي، أم أدفعهم دفعًا لتحقيق النجاح والتفوق؟ هل أوفر لهم ما يحتاجونه من الرعاية النفسية للوصول إلى أهدافهم، أم لا يهمني كثيرًا ما يواجهونه من ضغوط؛ لأنهم سوف يكبرون ويعرفون أن كل هذا الضغط هو من أجل مصلحتهم؟ هل يصارحني أبنائي برغباتهم وهواياتهم، أم أنني أتفاجأ كل مرة بأنهم لم يعودوا يرغبون في هذه الهواية أو تلك؟ هل أدعم مهارات أبنائي وهواياتهم بغض النظر عن اقتناعي بها أو بجدواها على المدى البعيد، أم أنني أصر على تعلمهم مهارة أو هواية كنت أرغب في تعلمها وأنا صغير، أو هواية لها بريقها وفوائدها التي سيجنون ثمارها؟
إن أجبت على الشق الأول من كل سؤال بنعم فهنيئًا لك، فأنت تسير حقًّا في طريق صحيح. وتوفر بيئة صحية داعمة لنمو أبنائك.
وإن أجبت عن الشق الثاني من السؤال بنعم، فراجع نفسك. فأبناؤك يعانون في بيئة ضاغطة لا تدعم مهارة، ولا توفر أمنًا، وتذكر جيدًا أن أفضل ما تقدمه لأبنائك هو الشعور بالأمان والتقبل على أية حال.
The post من فضلك لا تكتشف موهبة ابنك appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست