يا أبنائي «النملة» حشرة اجتماعية خير مثال للعمل الدؤوب، كائن لا يعرف اللهو ويدرك دوره جيدًا، ليتكم جميعًا تصبحون في قدرته على العمل وصبره على الجهد.
سئمت من هذه العبارة التي كان يصدّر أستاذ اللغة العربية حصته بها يوميًا، ويخصّني بكم وافر من النصائح ويقارن بيني وبين النمل دائمًا فيراني مهملًا كسولًا غير فاعل في المجتمع، حتى كرهت النمل وتمنيت زواله من الدنيا كلها إذ يذكّرني بفشلي الدراسي وبخيبة يراها الآخرون رفيقة لحياتي.
عُدت ذات يوم من المدرسة حانقًا على اللغة العربية وعلى المدرس والنمل، صعدت السُلّم قفزًا دون حذر من إحدى درجاته المكسورة، فزلّت قدمي وارتطمت رأسي بسواره الحجري، حاولت النهوض لاعنًا ساخطًا صارخًا من الألم، كان وجهي ملاصقًا للأرض، فإذا بنملة تنظر إليّ مندهشة من هذا الكائن الفوضوي، أظن كانت تحمل على رأسها قطعة من ورق شجر لا تزال الخضرة تطل من حوافها.
تذكرت حديث المدرس المستمر عن دأب النمل وحُبه للعمل وأمنيته أن يراني مثله، فهويت عليها بغضب بكف يدي رغبة في قتلها ففرت بسرعة غريبة بحملها بعيدًا فثنيت باليد الأخرى فهربت للناحية الثانية بخفة أغاظتني كثيرًا. صراع غير متكافئ استمر بيننا فترةً أيقنت بنهايته بفشلي في التخلص من النملة، ليتراكم الفشل بداخلي ليصبح سلمًا ارتقيته وتربعت بأعلاه لألتقط أنفاسي، والنملة تمعن النظر وعلى وجهها علامات أظن كانت أقرب للسخرية الممزوجة بالشفقة.
سألتني فجأة: ما بك؟ ولمَ هذا العداء ناحيتي وليس بيني وبينك سابقة كراهية أو خلاف؟
فحكيت لها مأساتي وما سببه النمل من شُرخ بداخلي يتسع يومًا بعد يوم. قالت: أنت مسكين؟
= مسكين؟ وصلت لدرجة أن نملة مثلك تُشفق عليّ؟
– لا تحنق عليّ هكذا فما أردت سخرية منك لكنك وغيرك من البشر تتوهمون ما لا يعقل وتتصورون ما لا ينبغي.
= وكيف؟
– نعم نحن مجتمع النمل نعمل بجد وباستمرار لكنه عمل جُبلنا عليه ولا نملك منه فرارًا ولا مهربًا ومن يتوقف يكن مصيره القتل، والحق أنيّ وبضع نملات نجتمع يوميًا في مكان ناء بعيدًا عن مسكننا، ونتشاور في أمرنا وقد أحزننا حالنا فلا علاقة لنا بالحياة سوى أننا نأكل ونشرب ونتفنس مثلكم عدا ذلك فحياتنا رتيبة كئيبة، نعمل لخدمة فرد واحد في «الخليّة» ونتخذك مثلًا لنا ونأمل أن نكون مثله يومًا. تأسرنا فوضويتك هذه ونرقبك دائمًا.
= أنا مثل لكم؟ قدوة للنمل؟ قلتها وقد انتشيت سرورًا من عبارة النملة رغم يقيني أنها مؤكد تجاملني أو تتحامق معي لا أكثر لكنها عبارة هيّجت بداخلي حب النفاق، أن يمدحني الغير بما ليس فيّ ثم أستمتع بحديثهم بإطرائهم هذا.
وتخيّلت نفسي زعيمًا يقود مجاميع وأسرابًا كبيرة من النمل لا حصر لها والجميع يهتف باسمي ويسبح بحمد أفضالي عليهم، رأيت نفسي أترأس مجتمعًا فوضويًا أصنعه على عيني وأرعاه لحظة بلحظة. زعيمًا مُلهمًا، يُجلّه الجميع وبين الصفوف أرى مدرس اللغة العربية يتوارى خوفًا وهلعًا.
أفقت من شرودي على صوت رقيق يقول لي: «إيه يا بني الهبل اللي أنت عامله ده نايم على السلم؟ مش هاتكبر أبدًا؟».
The post أنا والنملة appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست