الأربعاء، 3 مايو 2017

ثقفني اون لاين : سِحرُ الكَافِ فـي زينَةِ العَفافِ

مُنذُ قديم الأزل كان للعَفَيفاتِ من النساءِ زينةٌ لا يُجاريها في الكَمالِ أعظَمُها زينة. حتَّى إنَّ الواحدة منهن إن استأنفت خُطاها على أرض جَدباء بُورٍ مُقفَرَةٍ بلا ماءٍ ولا زرعٍ لحَسِبْتُ أن وُرودًا ذات بهجةِ ستَنْبُتُ من أسفَلِها. وليسَ في ذلكَ مَحض غَرابةٍ حينَما يُدرَك أنَّ للعفافِ سِحرًا يَفتِنُ كل من يَحسَبُ أنَّ الهَوى ليس له عليهِ من سُلطَان. حتَّى إنَّ سِحرَهُ يكادُ يطرحُ سِحرَ هاروت وماروتَ أرضًا من عظيمِ عَليائهِ البَاهي.

ولعلَّ في عديد من الأحيان قد تتباين مَظاهرُ العَفافِ وإن اتفقت في مُجْمَلها، فتُلمَح تارةً في حُسنِ الخُلقِ ولكنَةِ الحديثِ غيرِ الخاضِعَة. وتارةً أخرى قد يُستَبانُ جميلُ مَحَاسنها من عفيفِ حيائها أو من العينينِ اللتين تَنْطقان خَجلًا مُنَعَّمًَا فلا يكادُ المرء يكفُّ عن النَظَر إليها بعين المَحبَّة وفي سَريرَتهُ دعوات وابتهالات بأن يجمعهُ اللَّه بها تحت ظِلٍ ممدود وفي وُدٍ لا تَعوقُهُ أدنَى حُدود.

وعلى ضفةٍ موازيةٍ ليست ببعيدة هنالك من لا يُعيرُ انتباهًا لصفاتٍ مثلَ العفاف ولا الاستحياء بل لا يَضعُها في الحُسبان من الأساس. فقط كلُّ ما يريدُ تمَلُّكَهُ هو مَظْهرٌ وغَنَجٌ وكَفى بذلك غايةً. فإن كُنت من مولعي المَظاهِر وكانت نَظْرَتكَ سطحيةً، ضَحلةً، هامشيةً في تقدير الجمال المُتنازع عليه سِرًا. إذَن، دعني أخبرك أمرًا ما.

ليسَ من بابِ الفِطنَةِ وسِعَة التَقَبُّلِ أن تَحتَكِم وِفقًا للمَظَاهِر فقط في أمرٍ هكذا. فعَلَى مَدَارِ فُصولٍ مريرةٍ يُستوجِب بأن يُعلَم أنَّ إقحَام صِفَة المَظْهَر في تَشكيلِ رَأيٍ حَولَ شَخصٍ بعَينِهِ كصفَةٍ دَخِيلَة ما هي إلا صَنِيعُ خُلاصَة من بَلاَدَةٍ غَامِرة وجفاوَةٍ في القَلبِ عَامِرة. وأنَّ زِينة الجَسَدِ مُنذُ قديمِ العَهْدِ دومًا ما كانَت تنبُضُ في رَوحٍ عفيفةٍ. فإيَّاكَ ثم إيَّاك بالمُعاجَلَةِ في الحُكمِ وكُن حليِمًا. فكَم من مَظهَرٍ كان للعَينِِ مُخادعًا وكَم من قَلبٍ سِيقَ على أثرِ عينِهِ نحوَ سرابٍ كاذبِ. ورُبَّ امرأةٍ ميراثُها من الدُنيا كان عِفَّةً خيرٌ من ألف من نِسْوَةٍ كلّ واحدةٍ منُهنَّ يَقدِرنَ على أنْ يَفتَرشنَ لكَ مِلْءَ الأرضِ ذَهَبًا.

وجدير بالذِكـْر أن هُنالكَ آيات من القُرآن الكريم قد لمَّحت تجاه العِفَّة والاستحياء. ومنها ما ذُكِرَ في قصة سيدنا موسى – عليه السلام – الشهيرة في «مَديَنَ» وكما ورد في القرآن الكريم عن سيدنا موسى: «وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِم امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِير».

فهُنا المرأتان من شدة فرط حيائهما لم يختلطا بالرجال كي يأخُذا لأغنامهما نصيبهم من الماء عِفّّةً وتَكرُّمَـًا. حتَّى مع وجودِ عِلَّة كبيرة وهي أنَّ أباهم شيخٌ كبير. فالأَوْلَىٰ هُنا الدخول من بابِ الضرورات تُبيح المَحظورات. ولكنَّهُ الحياء وكَفى به نِعمة.

ولمَّا سَقى موسى – عليه السلام – الأغنام للمرأتين كان الرد القُرآني «فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا». فكان الوصفُ «تمشي على استحياءٍ» آية في الحُسن وزينة في العفاف تمامًا كسِحرِ الكاف في زينةِ العفاف.

فكانَت العفيفاتُ من النساء في بهائهنَّ كـالقمر وهو يسطو على السماء الدُنيا في ليلة بدرية فيجتازُها جلالًا ودلالًا. كـفَلْقَة القَمر في ابتسامَة ثغرِهنَّ. كـالزُمُرُّدِ في حُمْرة وِجْنتيهن. كـاللؤلؤ المكنون في الخَجَلِ الذي يسكُن في جَوفِ أعيُنهنَّ. كـقصيدةٍ مطلعُ بيتِها مالُكِ ومَالُ الفِردوس في عينيكِ. كـفواحِ العَنْبَر بين المجالسِ إن جاء عَبق ذِكرِهَا. كـالنورِ الحاَلمِ وهو يتسلل من بين ثنايا الظلام المُدقَع. كاستهلال بداية جديدة كُنا على ظنٍ أنها نهايةٌ خَالصة. كـالشمسِ الربيعية وهي تتربع كَبدَ السماء في صَبيحةِ النَهار. كـسراجِ شمسٍ يتوهجُ من خلف سحابةٍ ثقيلة. كـلَيلةٍ دافئةٍ تحت زَخَّات مَطر الشتاء. كـالغَيمٍ المُظلمِ حينما يتبَعُهُ غَيثٌ كثير. كِـستَار أواخر المسرحيات المُبهجة. كـوردةٍ حمراء تَخَلَّقَتْ من رَحِم الحُب. كـالحُلم الذي لا يُشْتَهَى نِهايَتُه قط. كعِناقٍ بعد فِراقٍ دام طويلًا من الأمَد. كقُبلةٍ دافئة من أمٍ على جَبيِنِ صغيرهَا. كـفرحَةٍ وإن أخذ منها أهل الأرض جميعًا فـاضت. كـفرحَةِ يَعقوب حينما احتضنَ يوسُفَ في كَنَفِهِ مُجددًا. كـجمالِ يقينهِ وهو يقول فصبرٌ جميل واللَّه المستعان على ما تصفون. كـوداعٍ أبديِ مرَّت معهُ الأيَّام والسُنون إلى أن حدثت المُعجزة وحدث لقاء غيرُ متوقع. كـجمالِ صُدفة قَدَريَةٍ بلا ترتيب بَشَريٍ. كــرَوحٍ عفيفةٍ يَفوحُ من سَنَا طَيفِها ريحَانُ. تراهَا تَحسَبُها كـأنَّها مَلاكٌ مُردَف مِن الفِردَوسِ يتَنَزَّلُ.

The post سِحرُ الكَافِ فـي زينَةِ العَفافِ appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست