الأربعاء، 3 مايو 2017

ثقفني اون لاين : ما بين تاركوفسكي والحاضر.. إلى أين ذهب الفن؟ 

«الفن هو صلاة أبسط بكثير من تلك التي نصليها بالكنيسة» – تاركوفسكي.

لم أجد أفضل من تلك الجملة لكي أبدأ بها هذا المقال عن المخرج الكبير أندريه تاركوفسكي المخرج الروسي أستاذ السينما الشاعرية والحالة السيريالية، والتي عجز الكثيرون عن تفسيرها، وكيف يتلاعب بالأزمنة في أفلامه من حالة الحلم إلى الواقع، والأزمنة المعروفة لدينا الماضي والحاضر والمستقبل، لكن في الفن هناك أزمنة أخرى كزمن الحلم وزمن الموت والزمن النفسي، ويعد أبرز من ناقش في أفلامه زمن الموت كان المخرج السويدي الكبير بيرجمان، والذي يقول عنه تاركوفسكي إنه يعد مرجعية له وأستاذًا يتعلم منه، وأيضًا أكيرا كوروساوا والذي ناقش الزمن النفسي في أفلامه وعبر عنه من خلال الطبيعة في الكثير من أفلامه، وأمثلة أخرى كأنطونيوني وآخرين كان لهم التأثير الأكبر على تاركوفسكي، الذي يعده البعض المخرج الأبرز عبر التاريخ، لم يخجل من إبداء إعجابه بمن سبقوه أو حتى من عاصروه.

ويحضرني هنا موقف حدث حينما تم سؤال بيرجمان عن فيلم التضحية الذي أخرجه تاركوفسكي في السويد وأنتجه بيرجمان، والسؤال كان «لماذا لم تخرج هذا الفيلم؟». وكان الرد بسيطًا من بيرجمان حيث قال «الوحيد الذي يستطيع إخراج هذا الفيلم هو تاركوفسكي، أما أنا فلا أستطيع»، بالرغم من دور بيرجمان الكبير في تاريخ السينما وتأثيره على مخرجين كثر فيما بعد، لم يخجل أيضًا من قول ذلك، وهذا يوضح تعامل المخرجين الكبار مع بعضهم البعض، بالطبع هذا لا يلغي الغيرة الفنية وغير الفنية أيضًا لبعض المخرجين، ولكن لنعد إلى تاركوفسكي وإيقاع أفلامه غير التقليدي بالنسبة للمتفرج، أقابل الكثير من الناس ويتم سؤالي عما إذا كان هذا الفيلم أو ذاك لتاركوفسكي يجذبك ويشد انتباهك، وردي يكون صادمًا لهم، لأن تاركوفسكي بالنسبة لي هو أكثر المخرجين جذبًا للانتباه، فمثلًا فيلم «نوستالجيا» الذي أعتبره هو الأفضل والأكثر شاعرية في أفلام تاركوفسكي، لا يعرف الكثير أنه في هذا الفيلم يتحدث عن مأساته وحنينه للوطن، فكما هو معروف أن تاركوفسكي غادر الاتحاد السوفيتي هربًا من بطش السلطة إلى إيطاليا وتم تصوير الفيلم في إيطاليا، وبالطبع لا أقصد هنا أن الفيلم بأكمله يتحدث عن مأساته الشخصية ولكن في جزء كبير من الفيلم مرتبط بالقصة النهائية لما يريد أن يقوله.

فمثلًا في هذا الفيلم يتحدث عن مأساة باقي شخصيات الفيلم، وكل منهم له قصته وحياته وآلامه، وكيف عبر تاركوفسكي عن ذلك بإيقاعه البطيء. وتكوين كل كادر بانسيابية، أيضًا أداء الممثلين في الفيلم والسيناريو… إلخ، تحدث تاركوفسكي عن الوطن والسياسات المتبعة من الدول والدين والجنس، عن كل شيء تقريبًا، ولا أقصد هنا أن أفلامًا مثل سولاريس أو ستالكر أقل روعة، ولكن نوستالجيا أكاد أجزم أن تاركوفسكي نفسه يعده الفيلم الأعظم له.

لماذا أتحدث عن تاركوفسكي في هذا الوقت بالتحديد؟ الإجابة ببساطة أن السينما في هذا الوقت أصبحت أسهل بكثير من الماضي وعلى الرغم من ذلك لم يقترب أحد من تاركوفسكي وبيرجمان وكوروساوا وفيلليني، ومع هذا فهنالك أفلام المستوى الفني لديها ممتاز ولكن أصبحت قليلة جدًا، فلنقف هنا وقفة ونربط ذلك بالعالم العربي. أعتقد أننا قمنا بإهانة هذه الصلاة، عندما تقدم أفلامًا بهذا الإيقاع لا أحد وابتكرنا لها مصطلح السينما المستقلة التي أصبحت ترعب كل من يسمع هذا المصطلح وكأن الفيلم لأشخاص معينين فقط، ولا يوجد منتج عربي يشجع هذا النوع خوفًا من عدم تحقيق العائد منه مع استثناء القليل منهم، والذين لا يتعدون أصابع اليد الواحدة، وأصبحت الساحة لأشباه الأفلام. نحن انحدرنا كثيرًا، لم نقترب حتى من إيران، التي أصبحت كل عام تمثل في المهرجانات الدولية بالأفلام وأصبح لها وضع كبير يحتذى به على مستوى العالم رغم قلة الإمكانيات المادية والأفكار البسيطة، نحن نتشبث بالماضي والتاريخ، وهم في الطريق إلى غزو سينمات العالم. يجب أن نواجه الحقيقة وهي ببساطة: نحن لا نقدم فنًّا، مع بعض الاستثناءات القليلة.

وفي الختام سلامًا على الباحث عن السلام والوطن؛ سلامًا على تاركوفسكي.

The post ما بين تاركوفسكي والحاضر.. إلى أين ذهب الفن؟  appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست