المخرج الذي غير في نمط السينما في العصر الحديث ..
كوينتن تارانتينو – Quentin Tarantino
أحدهم يلهو ويصنع المجد في نفس التوقيت
كم وافر من الدماء على الأرضية وفي كل مكان، مجموعة من الأوغاد يديرون نقاشات طويلة، قد تبدو تافهة وطفولية، أو حتى سياسية مع بعض النكات البذيئة، وفي بعض الأحيان قد تنتهي أن يقتل أحدهم الآخر أو أن يتجهوا لقتل مجموعة أخرى أو شخص ما.
يعرف جيدًا كيف يسير الحوار بينهم، ربما لأنه أمضى 10 أيام في سجن مقاطعة لوس أنجلوس؛ عندما كان صانع أفلام طموحًا مفلسًا؛ لعدم دفعه مخالفات الاصطفاف الخاطئ، والتي وصلت إلى 7000 دولار ، استغل هذه الفترة البسيطة في تدوين الحوار الدائر بين المساجين على حد قوله، السيناريو وطريقة السرد غير الخطية، والتي غيرت في نمط السينما كثيرًا في العصر الحديث، وتحديدًا بعد فيلمه pulp fiction.
بعض الأغاني والموسيقي الكلاسيكية من عقدي الستينات وحتى الثمانينات وموسيقي البوب الأمريكية في الخلفية، قد يرجع ذلك لنشأته عليها؛ فهو ابن المُلحّن الموسيقي طوني تارانتينو، أقدام امرأة جميلة تظهر على الكاميرا تزيد من هوسه المعروف عنه، والذي اعترف به ولم ينكره يومًا ولا يجد خجلًا من ذلك؛ فعندما سئل : سيّد تارانتينو، مما لاحظته في أفلامك تشكّل لديّ هذا السؤال: هل لديك هوس بقدمي المرأة؟
أجاب: لا يخجلني ذلك. ولكن لو فكّرت بالمخرجين الذين اتُّهموا بأنّهم مهووسون بقدمي المرأة، فسيكون لديك ألفريد هيتشكوك، وبونيول، وصامويل فولر، ويسعدني أن أكون في هذه القائمة. هذا يدلّ كذلك على أنّهم مخرجون رائعون، لأنّهم كانوا يعرفون أين يضعون الكاميرا. وأعتقد أنّ الساقين والمؤخّرة ينالان نصيبًا متساويًا من الاهتمام في أفلامي.
نمط سبعيناتي في التصوير والإخراج – ما زال يستخدم الزووم إن السريع والزووم أوت في أفلامه – ولا غريب في هذا الأمر فهو عاشق للكبير سكورسيزي لطالما صرح بذلك، منوهًا بأن Taxi Driver أحد أفلامه المفضلة، ويعشق كذلك اختياره للممثلين؛ مما دفعه لأختيار أفراد من طاقم سكورسيزي التمثيلي في فيلم Mean Streets الذي يتحدث عن الجريمة المنظمة ، في نصف أفلامه: هارفي كايتل يقود العصابة في Reservoir Dogs عام 1992، ويلعب دور وولف في Pulp Fiction، وروبيرت دي نيرو يلعب دور ثانوي في Jackie Brown عام 1997، وديفيد كارادين لعب بطولة جزئي Kill Bill عامي 2003 و2004، وأخيرًاً ديفيد بروفال في Four Rooms عام 1995.
شخصيات قوية مكتوبة بطريقة فريدة لن تشاهدها إلا هنا وستبقي في عقلك للأبد ، وعندما سئل عنها وكيفية كتابتها أجاب : إنّ مهمّة الكاتب لا تقتصر على الكتابة عن نفسه بل عليه أن يعرف كيف يفكّر الآخرون، وأن يتأمّل في الكلمات والعبارات التي يستخدمونها. وأنا أمتلك دماغًا أشبه بالإسفنجة. أستمع إلى كل ما يقوله الآخرون، وألاحظ بعض التصرّفات الغريبة للنّاس، وأسمع مرّة طرفة من أحدهم فلا أنساها، ويخبرني آخرُ قصّة مثيرة حدثت معه فتعلق في ذاكرتي.
جميع ملامح السينما المختلفة قد تظهر على كاميرته في أي وقت، حيث إنه في بداية مشواره عاش حياة المُتسكعين بين الشوارع ودور السينما، وببداية الثمانينات عَمَل في إحدى محلات بيع أفلام الفيديو، وبشغف استثنائي شاهد وقتها – حسب كلامه – كل فيلم وقعت عليه يداه، من كل دول العالم وبكل صنوف الأفلام، أحب أفلام سيرجيو ليوني وسام بيكنباه ومارتن سكورسيزي وجلس أسبوعًا لا يفعل شيئًا سوى مشاهدة أفلام هوارد هوكس، تتبع كل شيء من أسيا إلى أوروبا ومن الآرت هاوس فيلمز لأرخص أفلام البي موفيز، وبنهاية عقد الثمانينات كانت ثقافته السينمائية قد أشبعت بكل ما شاهده .. لم يذهب إلى أي مؤسسة أكاديمية لتعلم السينما، بل إنه ذهب للأفلام، هو شخص قريب جدًا منا، بل هو أحدنا – نحن جمهور السينما – يقول في تصريح سابق: لم أذهب يومًا إلى معهد السينما، ولكني ذهبتُ إلى السينما.
كل هذه الملامح السابقة والومضات على كاميرا تارنتينو هو ما استطعت تخيله عما يدور أمامها وما يفعله تارنتينو ويقوم به من جهود من خلف الكاميرا لتظهر للجمهور في أفلامه المختلفة وتأثير نشأته ومواقف حياته على سينماه، كل هذه الملامح سيمكنك ايجادها بسهولة في كل أفلامه، ولكنك أبدًا لن تجده يصنع فيلمًا بتقنية الـ 3D، مخرج لا يطيق السينما الرقمية، ويفضل المؤثرات الفيزيائية الحية؛ هو مخرج طراز قديم بمعنى أصح، وله زوايا تصوير خاصة به كذلك، التسديد منخفض الزاوية، هو أشهر أساليب تارنتينو الشهيرة، وفيه يُكون الرجل لقطته من جعل الكاميرا في وضع منخفض مائلة على محورها الرأسي لأعلى، وهو ما يعرف بالـ Low Angle Shot.. في أي مكان تحت مستوى العين البشرية، ستجد كاميرا تارنتينو تنظر دائمًا لأعلى.
بدأ تارانتينو مسيرته المهنية في أواخر الثمانينات، عندما قام بكتابة وإخراج My Best Friend’s Birthday، وهو السيناريو الذي شَكل أساس فيلم True Romance. في بداية التسعينات بدأ تارانتينو مسيرته المهنية كصانع أفلام مستقل مع إصدار فيلم كلاب المستودع (1992)، والذي يعتبر الآن كلاسيكية وذو شعبية واسعة، حيث وصفته مجلة Empire بـأعظم فيلم مستقل على الإطلاق.
ازدادت شعبيته بفضل فيلمه الثاني: خيال رخيص (1994)، فيلم نوار جديد وجريمة، والذي أصبح نجاحً ساحق على الصعيدين النقدي والتجاري، حيث اعتبرته مجلة Entertainment Weekly أعظم فيلم في آخر 25 سنة (1983 –2008). في عام 1997، أصدر تارانتينو فيلم جاكي براون المقتبس عن رواية شراب الرم (Rum Punch)، في تكريمٍ له لأفلام استغلال السود التي كانت منتشرة في السبعينات.
بعد 6 سنوات، عاد تارانتينو بثنائية: اقتل بيل. ثنائية أكشن، نمطية جدًا، مستوحاة من فنون القتال اليابانية وسباغيتي الوسترن وأفلام الرعب الإيطالي. صدرت الئنائية على جزئين، الجزء 1 في 2003 والجزء 2 في 2004. في 2007، أخرج تارانتينو المضاد للموت كفيلم ثنائي مع صديقه المخرج روبرت رودريغيز. أوغاد مجهولون الذي تم تأجيله لفترةٍ طويلة واستمر العمل على نصه لأكثر من عقد، يتحدث عن تاريخ بديل خيالي وحول مخططَين من اجل اغتيال القيادة النازية، صَدر أخيرًا في 2009، حيث لاقى إشادة نقدية من مختلف النقاد. ثم بعد ذلك Django Unchained ، والذي لقى نجاح باهر جماهيريا ونقديا في عام 2012، وآخر أفلامه The Hateful Eight ،2015. ومازلنا ننتظر منه الكثير من الإبداع.
شَكلت جميع أفلام تارانتينو نجاحٍ كبير على الصعيدين النقدي والتجاري. وحاز أيضًا على العشرات من الجوائز، منها: جائزتي أوسكار، جائزتي غولدن غلوب، جائزتي بافتا وجائزة السعفة الذهبية، وترشح أيضًا لجائزة غرامي وجائزة إيمي.
تارنتينو هو الشخص الذي يلهو ويصنع المجد معًا، هو يقدم ما يحبه بطريقته الخاصة؛ لعشقه الأول – السينما – تارنتينو أفسد على استخدام الجملة المنتشرة حاليًا (بينما أنت .. تلهو أحدهم يصنع مجدًا، فهو تمكن من فعل الاثنين معًا).
أتم منذ 45 يوم تقريبًا المخرج الكبير، وأحد أهم مخرجي جيله، والذي اعتبرته مجلة Time أحد أكثر 1000 شخصية مؤثرة في العالم عام 2005، ووصفه صانع الأفلام والمؤرخ بيتر بوغدانوفيتش بـالمخرج الأكثر تأثيرً في جيله. كوينتن تارانتينو أتم عامه الـ54، وبقى على استمرار إبداعه 6 سنوات فقط، على حد قوله: إنه سيعتزل في الستين، وربما أكثر، وهذا ما نتمناه ويتمناه كل محب لسينما تارنتينو، ومحب للسينما عمومًا بكل تأكيد.
The post كوينتن تارانتينو: أحدهم يلهو ويصنع المجد في نفس التوقيت appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست