بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد
هذه هي المغالطة الثالثة في سلسلة مقالات المغالطات، وهي مجموعة من المغالطات، لكن كلها ترجع لأصل واحد، لذا سأتكلم عن هذه المجموعة من المغالطات معًا، وهي المغالطات المتعلقة بالمرجعية أو المصدر.
مثل الاحتكام للسلطة أو الأغلبية او الاحتجاج بالمصدر، وهذه من اسمها هكذا يتم تسميتها بالمغالطات المرجعية، فهي كلها ترجع لأصل واحد، وهو الاحتكام لرأي معين من مصدر معين باعتباره حجة صحيحة، ولنتذكر أولا ما ذكرته في المقدمه من الفرق بين الأحكام الذاتية، والأحكام الواقعية، فهذا الفرق هو الأساس الذي منه تُعتبر كل هذه المجموعة من المغالطات مغالطات.
فالأحكام في الواقع هو الحكم المتحقق فعلًا في الواقع خارجًا عن الإنسان، لذا فيسمى أيضا الحكم في الخارج، أما الحكم الذاتي هو الحكم البشري على المسائل. من أهم الفروق بينهما: دخول الجهل كعامل في الحكم الذاتي؛ لكونه حكمًا بشريًا، وهذا الذي تكلمت عنه في مغالطة الاحتكام للجهل، وأيضًا إمكانية الاختلاف بين الحكم الذاتي والواقعي من أهم الفروق، والذي فيه يكون الخطأ في الحكم الذاتي لاعتماده على أدله خاطئة أو عدم اعتماده على أدلة أصلًا. وهذه النقطة هي ما سنتكلم عنه، وهو الأصل الذي منه تدخل مجموعة المغالطات هذه في إطار المغالطات المنطقية.
فهذه المغالطات من تعريفها مع اختلافه في كل مغالطة عن الأخرى، لكن ترجع كلها لأصل واحد، وهو الاحتكام إلى حكم ذاتي واعتباره كدليل، وهذا من الأصل الذي تقدم من إمكانية اختلاف الحكم الذاتي مع الحكم الواقعي نعرف أن هذا الاحتكام، إنما هو احتكام خاطئ، ولا يعتبر الحكم الذاتي كدليل بذاته إطلاقًا؛ لكونه قابلًا للخطأ، ومخالفة الحكم الفعلي الصحيح، لذا فالعبرة هي بالدليل الذي يقوم عليه هذا الحكم، وليس الحكم نفسه بدليل إطلاقًا. سواء كان حكم الأغلبية أو السلطة أو العادات التي هي تدخل ضمن إطار حكم الأغلبية أيضًا، ويدخل في هذا النوع أيضًا الحجج التي تقوم على التماس مشاعر المستمع لتؤثر في حكمه بتلك الطريقة، ولاحظ أن هذا النوع من الحجج قد يستخدم في النفي أو الإثبات، فكما يحتكم المثبت إلى مرجع القول احتجاجًا على صحته، قد يعترض على قول ما أيضًا وينفيه بناء على مصدره بدون النظر في أدلة هذا القول السليمة والحكم عليها.
فهذه كلها مجموعة من المغالطات راجعة في أصلها إلى الاحتجاج بالحكم الذاتي أو استخدام الحكم الذاتي في الإثبات، لو كان حكمًا لشخص مشهور مثلًا أو محبوب أو عالم كبير أو سياسي معروف … إلخ، أو النفي، لو صدر حكم صحيح مثلًا، لكن من شخص يبغضه من يستخدم المغالطة أو يعرف أنه يقع في أخطاء معينة، أو أن يكون الشخص فقيرًا مثلًا، فيقول كيف لفقير أن يحكم حكمًا صحيح؟ ويرفض كلامه دون النظر للأدلة، ويقبل كلام الآخر دون النظر في الأدلة باعتبار أن المصدر وحده دليل كاف، في حين أنه ليس بدليل أصلًا، لا منطقيًا ولا عقليًا ولا علميًا.
فمنطقيًا كما وضحت بلاعلى الحكم الذاتي يقبل مخالفة الحكم الفعلي لذا فالعبرة بالأدلة الصحيحة التي تقود إلى معرفتنا للحكم الفعلي، أما الحكم الذاتي فليس حجة بذاته، وهذه قاعدة معروفة، وكذا الأمر علميًا ففي المنهج العلمي آراء العلماء واتفاقهم في مسألة لا تدخل ضمن نطاق الحكم عليها، بل الحكم بلادلة المشاهدة الواقعية فقط.
– ملاحظة مهمة هنا، هذه القاعدة التي قررناها عامة لا شك في هذا، لكن لو وجد دليل صحيح يُخرج شخص بعينه من هذا العموم ببيان أن أحكامه كلها لا تقبل الخطأ؛ إذن – بناء على ذاك الدليل السليم – يمكننا أن نتحاكم لرأي هذا الشخص. وهذا تجده في مسألة الإيمان بالنبوة، ومن يحاول إسقاط ما تقدم عليها، ويقول مثلًا هي قاعدة عامة: أن الآراء ليست بدليل لذا كيف تحتكمون إلى آراء النبي؟
والجواب كما قلت: إننا استثنينا النبي من القاعده بالدليل الصحيح؛ فبالإثبات الصحيح بالدليل الصحيح أنه مرسل من الله – تعالى – وإثبات أن الله – تعالى – يصوب خطأه لو وقع، إذن نستنتج أنه يخرج من القاعدة السابقة التي تقول بعدم التحاكم إلى الأحكام الذاتية لأحد؛ لكونها تصيب وتخطئ، فأحكام الأنبياء تصيب ويصوب الله تعالى خطأها، فهي في الواقع احتكام لله تعالى الذي لا يخطئ، فلا إشكال فيها إذن، وبهذا الدليل السليم نخرج نحن الأنبياء من القاعدة السابقة.
ولاحظ أننا هنا نحن نتكلم من وجة نظرنا، نحن فنحن نقبل كل مقدمات هذا الدليل؛ لكونها صحيحة، لكن غيرنا قد يقول: أنا لا أقبلها، أو أنا لا أعرف دليلها. إذا هذا نناقشه في هذه المقدمات أولًا ونثبتها له، وهذا إنما ذكرته هنا، حتى لا يقع لبس عند البعض، ويتوهم تعارض ما تقدم من القواعد العامة، مع احتجاجنا كمسلمين إلى أحكام النبي محمد – صلى الله عليه وسلم – أو حتى الاحتكام إلى الإجماع في مسائل الدين. فنحن نستثنيهم من القاعدة السابقة بالدليل الصحيح لعدم انطباق العلّة الملزمة لتلك القاعدة عليهم.
لكن كقاعدة عامة لا يقبل من أي شخص كلامه، إلا بدليل، وهذه قاعدة عندنا حتى في الدين، ولا نعارضها، فمن أصول أهل السنة: الدليل أولًا ثم الاعتقاد، فلا يقبل كلام شخص لكونه عالمًا كبيرًا مثلًا لو خالف الصحيح، لكن يمكنك استفتاءه وسؤاله على دليله، فإن صح الدليل إذن فأنت تتبع الدليل لا الشخص بعينه. وهذا هو المقصود بقول الله: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ. فالسؤال لهم إنما لكونهم من أهل الذكر، وسؤالهم هو عن دليلهم من الذكر، لا عن رأيهم هم.
فالآن بعد أن قدمنا لهذه القاعدة المهمة، وأثبتنا أن مخالفتها أي شكل يقود إلى أنواع مختلفة من المغالطات المنطقية لنرى كيف يخالفها الملحدون، ويقعون في مغالطات الاحتكام إلى المصدر بمختلف أنواعها، مثلًا في الرؤية العلمية قديمًا قبل اكتشاف أن الكون يتوسَّع كان المجتمع العلمي كله تقريبًا مجمعًا على أن الكون أزلي، بدون دليل فعلي، وكان هذا من أحب الأشياء للملاحدة؛ فيحتجون ليل نهار بأن الكون أزلي على ادعائهم، وإذا سألتهم كيف عرفت أن الكون أزلي أصلًا؛ احتج مباشة بإجماع المجتمع العلمي، وبعد فترة تم اكتشاف توسع الكون، ولم يقدر المجتمع العلمي إلا على قبول حقيقة أن للكون بداية، وبدأوا بوضع النظريات لمعرفة طبيعة هذه البداية بالضبط، من أشهرها نظرية البيج بانج المعروفة.
وطبعا لم يكن الملحدون يقبلون بأي أحد يخبرهم أن احتجاجهم بمجرد رأي أو إجماع هو مغالطة منطقية، فهم في الواقع يقدسون آرأء العلماء؛ لأنها تقودهم إلى أغراضهم، ويتجاهلون حقيقة أن المنهج العلمي ذاته لا قيمة فيه لأي رأي، ولا إجماع. فهم يقدسون آراء أشخاص ويناقضون العلم ذاته أصلًا كما سبق وأشرت إلى تناقضهم مع العلم في إحيائهم للمذهب السفسطائي في صورة الفكر العلموي في مقال سابق،
وأضف إلى هذا تناقضهم مع المنهج العلمي في هذه النقطة أيضًا من تقديسهم لآراء العلماء واعتبارها الحقيقة المطلقة. وذكرى لهذا هنا هو لأنهم لازالوا على هذه الحاله إلى الآن، فقد يظن أحد أن بعد تلك الصفعة الشديدة التي حدثت لهم لاعتمادهم على المغالطات سيفيقون، ويتبعون المنهج السليم في المعرفة، ويتخلون عن التقديس الزائف ليصلوا لغرضهم، لكن مع هذا لا زالوا يقعون فيه إلى الآن.
وأشهر الأمثلة للمغالطات المختلفة من الاحتجاج للمصدر من كلامهم اليوم هو عندما ترى كلامهم عن نظرية التطور؛ فبغض النظر هل هي نظرية صحيحة فعلًا أم لا، وهل تعارض الدين فعلًا أم لا، مع العلم أن النظرية نفسها ظنية من الرؤية العلمية. تجدهم يقدمونها كأنها الحقيقة المطلقة، والدليل على هذا: قبول العلماء. وإذا أتيت لتناقش أدلة صحتها من عدمه من رؤية علمية؛ تجد أول وأكبر دليل عندهم هو: العلماء يقبلونها؛ إذا هي صحيحة. واقعين مباشرة في المغالطة التي نتكلم عنها.
ولو حاولت النقاش من منظور علمي، وأتيت بالأدلة للطرف الآخر وهي أدلة علمية؛ تجده لا يراها أصلًا ويقول لك مباشرة: هذا الكلام من شخص مخالف لما أعتقده؛ إذن فأنا لا أقبله، وهنا يقع أيضا في المغالطة التي نتكلم عنها. فهم لا يناقشون الأدلة السلمية على القبول أو الرفض، بل يقبلون أو يرفضون فقط اعتمادًا على آراء فلان أو علان، وكما قلنا: هذا خطأ منطقي، وغير علمي أصلًا، وسبق أن وقعوا في تناقض كبير؛ بسبب هذا، لكنهم لا يتوانون عن الاستمرار في الخطأ.
وملاحظة جيدة في هذه النقطة، إن قراءة الأبحاث العلمية عامة بطريقة علمية تقضي أولًا بالنظر في البيانات، مدى دقتها، وما خرجت به البيانات، ثم النظر لاستنتاج الباحث وما خرج به منها، فلو كان استنتاجه غير سليم يُرد عليه ولا يُقبل، ولو كان استنتاجه قفز من عنده، ولا تشير له النتائج نفسها، فهو أيضًا لا يقبل، فالعبرة أولًا وأخيرًا بالنتائج والبيانات، لا الآراء.
ومن أمثلة هذا المغالطة أيضًا أن تجدهم يقولون: هناك الكثير من العلماء ملحدون، إذن فلابد أن الإلحاد صحيح، علمًا بأن معظم هذه الإحصاءات تمت على نطاق صغير، ليست على النطاق الشامل لكل العلماء. وحتى لو صح، فهذا لا يدل على أي شيء إطلاقًا كما قلنا، فهو محض مغالطة منطقية، وقد وقعوا في شرها من قبل، وإعطاؤهم لنتائج هي أبعد ما تكون عن الصحة، ومع ذلك تجدهم متمسكين بها.
و من هذه الأمثلة يمكنك أن تعرف أن الأمر ليس مغالطة تستعمل مرة هنا أو هناك، بل هي طريقة عامة في التفكير وطريقة خاطئة تمامًا تقود إلى الخطأ وإنكار الحق في كثير من الأحيان، وللأسف، فهذه الطريقة في التفكير منتشرة بشكل عام، وليس فقط عند الملحدين، ولهذا تجب محاولة تجنبها، فلا تقبل كلام أحد إلا بدليل سليم، لا لمجرد حكمه الشخصي، وكما قلنا: فهذا الأصل مهم جدًا وثابت عندنا في الإسلام وكل شخص سيحاكم على فعله هو، ولو استغنى عن ما فضله الله به من عقل، واختار أن يتبع غيره اتباعًا أعمى؛ فسيحاسب على هذا، ولن يجد حجة تفيده بعد أن عطل عقله بنفسه، لذا تجد القرآن يحث على التفكر والتعقل وعدم الاتباع الأعمى للغير، سواء كان الآباء أو المجتمع أو أي رأي ذاتي لأحد. فانت ستحاكم على ما تفعله وحدك، ففكر بنفسك، وانظر في الأدلة السلمية لتعرف الحق، وهذا المعنى موجود كثيرًا في القرآن.
The post مغالطات منطقية في كلام الملحدين ج(3) – الاحتجاج بالمصادر الذاتية appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست