الثلاثاء، 2 مايو 2017

ثقفني اون لاين :  الإنسانية.. أهي ملمحٌ من ملامح الحضارة أم شرٌّ يسطره التاريخ؟

من الوحوش التي تراودني أثناء الليل مانعة عني النوم، مسببةً لي نوبة من نوبات الأرق التي اعتدتها، أو هي التي اعتادتني أنا، فكرة الإنسانية إحدى هذه الوحوش، لماذا قد يضحي البعض بسعادتهم، أو راحتهم أو حتى حياتهم من أجل الإنسانية، أو حتى يعانون من الاكتئاب بسببها، أترى هم بالفعل يحبونها، أم فقط يريدون إنهاء وعيهم كرهًا لها ولسذاجتها، هذا التنازع بين الأفكار الذي يدور فجأة في رأسي، فجانب بداخلي يتبنى فكرة ويدافع عنها، ويوجد كافة المبررات لها، وجانب مقابل يهاجمها، يفتش عن أي نقطة ضعف تدفعنا للتخلي عنها، وأخيرًا هذا الجانب المستسلم، الحائر، ما دخلي أنا بصراعات التاريخ، وما علاقتي بهذه المعارك الفكرية الطاحنة.

ما قد تكون تلك الإضافة أو التغيير الذي سأسهم في طرحه في هذا الميدان، مجرد هامش عبثي، لحظة خاطفة مرت خلال مئات القرون، وما كان لهذا الجانب سوى الاستسلام للوضع الجاري، والعجز عن مجاراة الجدال القائم، كل ما بوسعه هو أن ينطوي في ركن بعيد ويتألم في صمت، وفي بدء ليلتي المؤرقة، أحاول تعيين مفهوم الإنسانية بالنسبة لي، وعقلي المتهالك يرتمي على وسادتي، أهي تلك الضحكات الطفولية البريئة، والقبلات التي يتبادلها العشاق وتبث الحياة في كل منهما، أهي ذلك الدفء الذي يعتري الوالدين عندما يحيط ذراعيهما لأول مرة بطفلهما الأول منذ بدء الخليقة وحتى يومنا هذا، أهي شعاع الشمس الذي يلفحنا بدفء لطيف في نهار شتاء بارد، أو نسمة رياح تداعب وجوهنا وتراقص لهيب الحياة في قلوبنا، أهي تلك الثقافات التي قامت منذ أن اكتشف الإنسان النار، وحتى تمكن من دراسة الكواكب والأقمار، وأن يهيم خياله بالفضاء حتى أمسى واقعًا ولامست القمر أقدامه، أهي تلك الجموع من المؤمنين الثابتين، والمصلين الداعين، وأولئك الرحيمين المتآخين، أولئك الذين ينهضون بإخوانهم في الإنسانية دون اعتبار لمعتقداتهم وعروقهم، أم أنها تلك الابتسامة الصفراء، والتراقص على دموع الضعفاء والمنكسرين، أهي الحب والسعادة أمام سجيني الوحدة والاكتئاب، أهي المال أمام الفقراء المهمشين والرفاهية أمام الكادحين المعدمين، بل هي دخان حرب أغشى أعيننا وحجب عنا الضوء فأُغرقنا جميعًا في ظلامٍ من الدم والموت! هي المجد الزائف الذي تنشده الجيوش، والعزيمة الواهية التي تدفع إنسانًا لقتل إنسان بغرض نيل العظمة والشرف، أو في سبيل حصى وتراب وأراض سخرها الله لا لنتنازع فيها بل لنعيش معًا عليها، هي تلك الإمبراطوريات المتناحرة والدماء المتناثرة وجثث وكتب تلقى في محرقة.

وفي كل ليلة تعترض نومي تلك التساؤلات الثائرة، أقف شاردًا وحائرًا عن أي إجابة لها، جلّ ما أعلمه هو أني برغم شرودي في هذه الحياة وتساؤلاتي المتعددة، فأنا مستعد أن أضحي في سبيل ذلك الجانب الخيرِّ من الإنسانية ولو كان قدري منها أن أكون مجرد حبة رمل تتناقلها الرياح حتى تؤول إلى زوالها وفنائها، أو شعلة خافتة تكافح خفوتها المستمر حتى الانطفاء، فليكن ذلك، وإن كانت أمنياتي أن تصير حبة الرمل تلك كثبانًا، والشعلة منارةً.

فإني وإن تاه عني تعريف الإنسانية، فإنني أحب بحرارة ما أظنه خيرًا فيها، وما هو شرٌّ فإني أعجز سوى عن الاعتراف بكونها واقع يعتريها.

ورغم كوني أحب تلك الإنسانية، وأرجو السلام دائمًا للمجتمع الإنساني، إلا أني أكره الفرد منها رغمًا عني وطبيعةً مني، فإني أتقبل أن أهلك إن كان في ذلك نجاة الجماعة، ولا يروقني ذلك الفرد فلا أتحمل جداله، وقناعاته المطلقة، وكبرياءه المصطنع.

وأختم باقتباس من فيودور دوستويفسكي، أعظم العقول الدرامية بعد شكسبير كما قال عنه الروائي الفرنسي جورج ستاينر، كلماته في روايته الشهيرة «الإخوة كارمازوف»: «إنني أحب الإنسانية، غير أن هناك شيئًا في نفسي يدهشني: كلما ازداد حبي للإنسانية جملة واحدة، نقص حبي للبشر أفرادًا، إنه ليتفق لي كثيرًا أثناء اندفاعي في الأحلام أن تستبد بي حماسة شديدة ورغبة عارمة جامحة في خدمة الإنسانية، حتى لقد أرتضي أن أصلب في سبيلها إذا بدا هذا ضروريًا في لحظة من اللحظات. ومع ذلك لو أريد لي أن أعيش يومين متتاليين في غرفة واحدة مع إنسان، لما استطعت أن أحتمل ذلك، إنني أعرف هذا بتجربة، فمتى وجدت نفسي على صلة وثيقة بإنسان آخر أحسست بأن شخصيته تصدم ذاتي وتجور على حريتي، إنني قادر في مدى أربع وعشرين ساعة أن أكره أحسن إنسان. فهذا في نظري يصبح إنسانًا لا يطاق لأنه مسرف في البطء في تناوله الطعام على المائدة، وهذا يصبح في نظري إنسانًا لا يطاق لأنه مصاب بالزكام فهو لا ينفك يمخط، إنني أصبح عدوًا للبشر متى اقتربت منهم، ولكنني لاحظت في كل مرة أنني كلما ازددت كرهًا للبشر أفرادًا، ازدادت حرارة حبي للإنسانية جملة».

The post  الإنسانية.. أهي ملمحٌ من ملامح الحضارة أم شرٌّ يسطره التاريخ؟ appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست