ما أن دخل قاعة الاحتفال بعيد العمال حتى علت أصوات الحضور تهتف باسمه «الطيب، الطيب»، لقد تخيلت لسان حال العديدين من المهاجمين له من إعلاميين ودعاة إصلاح وتنوير، وقنوات وصحف أفردت لهم مساحات وساعات طويلة للنيل منه ومن المؤسسة التي يرأسها وهم يرون جهودهم تتبدد هباء مع حناجر أولئك الحضور، فبعد هذه الشهور الطويلة وبعد هذا الجهد الكبير الذي بدا وكأنه منظم وموجه ومدروس بدقة يبدو أن النتيجة جاءت على عكس ما يشتهي المخططون لها.
الإمام الطيب معروف بقلة حديثه لوسائل الإعلام، وزهده في الظهور، وربما كان لنشأته الصوفية تأثير على هذا العزوف الذي استغله خصومه للنيل منه ولقد أغراهم صمته حتى طالبوه بالاستقالة، بحجة أنه لم يعد قادرًا على المواجهة الفكرية للإرهاب، بل واتهامه بأنه يقود مؤسسة تفرخ الإرهابيين، ووصل الأمر أن رأينا بعض المعممين يمنون أنفسهم بأن يحلوا محله على كرسي المشيخة، والرجل زاهد حتى في أن يدفع عن نفسه سهامهم، مفضلًا أن يستغل كل لحظة للعمل، فهو منكر لذاته أمام مسؤولياته الكبيرة تجاه وطنه وأمته وإنسانيته.
الحملة الشرسة التي استهدفت الأزهر في الفترة الأخيرة كانت سببًا في توحد الشعب – كل الشعب – مع إمامه، ومن المفارقات ألا يظهر ذلك التوحد والتأييد للإمام الأكبر في احتفال ليلة القدر أو المولد النبوي أو ذكرى الهجرة وهي المناسبات التي يكون معظم حضورها من أبناء الأزهر، بل كان ذلك في احتفال عيد العمال الذين يمثلون الطبقة العريضة من أبناء الشعب من كل فئاته، ولئن كان هناك تيار مؤثر أكثر من غيره في التجمعات العمالية فليس هناك أكثر تأثيرًا من تيار اليسار.
هذا الموقف سبقه بساعات مشهد آخر يدل على فشل كل الجهود التي حاولت أن تنال من الإمام الأكبر، فهو مع رسوخ قدمه وانغماسها في طين مصر انغماس أشجار النخيل على ضفاف النيل، إلا أن المشاهد التي صحبت زيارة البابا فرنسيس الثاني له في مشيخة الأزهر ومشاركته في مؤتمر الأزهر العالمي للسلام وتقدم البابا لعناقه أمام مئات الملايين من البشر الذين يشاهدون ذلك حول العالم، يدل على أن أ. د/ أحمد الطيب أصبح أيقونة عالمية للسلام والإنسانية، لا تقل إشعاعًا وتوهجًا عن غاندي ومانديلا ومارتن لوثر كينج، بعد أن كان خصومه يتهمونه بالعجز والفشل في مواجهة الإرهاب، وأن النيل منه أصبح ضربًا من الخيال بل سيؤثر سلبًا على كل من يحاول فعله.
بعض هؤلاء الحاقدين على الأزهر أدرك ذلك فآثر الصمت مخفيًا حسرته على الجهد الذي ضاع هباء، بينما فضل آخرون «ركوب الموجة»، فها هو الإعلامي الذي كان قد أعلن في برنامجه منذ أيام فقط عن «وفاة الأزهر» ها هو ذاته يكيل عبارات المديح والتبجيل للإمام الأكبر واصفًا إياه بإمام السلام بعد أن كاد أن يتهمه هو وغيرَه بأنه من زود إرهابيي طنطا والإسكندرية بمفخخاتهم لقتل الأبرياء!
فشل الحملة على الأزهر في التأثير على قطاعات الشعب وقواعده العريضة له عدة أسباب، فسياسة الإمام الأكبر بتجاهل المهاجمين له وعدم الانشغال بالرد عليهم، والتفرغ للعمل والإنجاز على أرض الواقع وعدم استعجال النتائج التي تحقق خبطات إعلامية سريعة، سياسة أثبتت نجاعتها على المدى الطويل، على عكس سياسة بعض المسؤولين الذين انبهر بعض الناس بخططهم ومشاريعهم الإعلامية ثم اتضح بعد ذلك أنها مجرد أخبار وبيانات لا تمت للواقع بصلة، كذلك فإن احتكاك الإمام الأكبر بنفسه بالجماهير وعدم انفصاله عن المواطنين البسطاء واستقباله للجميع في بيته بالأقصر، وتحريك كل هيئات الأزهر وكوادره للاحتكاك المباشر بالشعب سواء من خلال القوافل الإغاثية والطبية أو من خلال القوافل الدعوية لتوعية الشباب وتحصينهم ضد أي فكر منحرف في القرى والنجوع والصحاري من مطروح غربًا إلى العريش شرقًا، ومن الإسكندرية شمالًا إلى حلايب وشلاتين جنوبًا، كل ذلك أحبط تلك المخططات وردها على أصحابها، ولا شك أن لعلاقة الرجل الزاهد المتصوف بربه في ذلك شأنًا آخر لا نعلمه، هو أوسع حيلة من حيل كل البشر.
ربما خبت نار الهجمة الشرسة على الأزهر وإمامه مؤقتًا فعاصفة الأزهر يصعب هذه المرة أن تصمد أمامها أية نار أيًا كان وقودها، لكن ما من شك أنهم سيعاودون الكرة بعد أن يستيقظوا من كابوسهم، فقطعًا هذه المشاهد المتوالية قد بعثرت أوراقهم، وقطعًا أيضًا أن من يدفع قد صب جام غضبه على من دفع له ولم ينجز مهمته، لكن المؤكد أن هذا الشعب المصري سيفاجئهم برد لن يتوقعوه، كما ستفاجئهم الإنسانية كلها بما تكنه للأزهر وإمامه الأكبر من مكانة في قمة هرمها الحضاري.
The post أحلام النيل من «الإمام» تتبخر بين هتاف العمال وعناق السلام appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست