«عارفة اللي في المراحل الأخيرة من المرض والدكتور قاله قدامك شهر وتموت؟ أهو ده بقى أنا». وجدتني أقولها بتلقائية لصديقتي بحديقة الجامعة يومًا، عندما بوغِتُّ بحقيقة أنني بعد شهر ونصف تحديدًا، أتخرّج. كيف تحول كل شيء فجأة إلى مشهد أخير؟ شجيرات الحديقة، الورود الصغيرة القليلة، السماء من شرفة الطابق الثالث، صديقتي التي تخبرني أنها متعبة، صديقي الذي يطلب قلمًا لأنه نسي حقيبته، المزحة الثقيلة التي يلقيها أحدنا في منتصف المحاضرة لنضحك جميعًا من فرط الملل، رائحة الهواء على الباب الخارجي في الليل، الضحكات والبكاء المتشابكان بعد امتحان، كل الأشياء الصغيرة البسيطة أصبحت فجأة مشاهد أخيرة، أعيشها بتمعن وأودّعها بحزن.
«وكأن الأمر ليس سوى منافسة حول أي الأشياء تقتلك بألم أكبر، بجهد أقل». (أحمد الخطيب، من سجن العقرب)
أسير والخطوات تثقل كاهلي. كوريا الشمالية تلوّح بالسلاح النووي، أمريكا تهدد، روسيا تضرب الطائرات في سوريا، البلدان تنهار، العالم ينتهي. تتساقط النيازك واحدًا تلو الآخر على ساحة بيتنا. تقضي علينا. لا يهم. تتساقط النيازك واحدًا تلو الآخر على سجن العقرب، تقضي على المسجونين، يرتاح الجميع. لا يهم. تتساقط النيازك على أمريكا وروسيا وكوريا ومصر، تقضي عليهم، ينتهي شر العالم. لا يهم. كل النهايات سواسية. مهما حدث، مهما ازدادت ضجة المصائب خارجًا، لا تخرج أبدًا عن وسادتك. في كل مرة تشعر فيها أن العالم مخيف وأن جميعنا على وشك الفناء، اتّجه إليها.
الأطفال يُخطفون، العصابات، تجارة الأعضاء، الرجل الذي ذُبح في وسط الشارع، الشاب الذي صرخ ولم يغِثه أحد، العجوز الذي تحرش بصديقتي، السجن، الاختفاء القسري، الجثث التي تظهر فجأة، انعدام الأمان في كل شيء، فلسطين، سيناء، منكوبي سوريا، أمريكا وكوريا وروسيا، اضغط بالوسادة! أوقف شلال التفكير. شُل رأسك، حاصرها بالوسادة، اشغلها عن صوتها وصوت ما حولها. ربما ينتهي العالم، سيزداد الضجيج إذن، غَن، ارفع صوتك حتى يذيب أصواتهم. وظَلّ تُذكّر نفسك أن كل شيء سينتهي قريبًا. أن ذلك العالم الذي لا تتحمله لا يؤول إلى ما لا نهاية. أنت أيضًا لا تؤول إلى ما لا نهاية. سيرحل أحدكما قبل الآخر وينهي المأساة.
«يقال إنه عندما يغرق الإنسان تمر جميع مراحل حياته في فكره بلمحة قبل أن تغمر المياه جسمه وعقله معًا. الذاكرة هي آخر زفرة في الحياة إذن». (جين المقدسي، شتات بيروت).
ستنتهي الجامعة. ماذا سيحدث؟ ستختفي الحديقة والشجيرات والورود الصغيرة القليلة، ستندثر القاعات والمطعم والمكتبة، وسترحل الصحبة. سيحل محل كل ذلك قاعات وجدران وأوجه جديدة، وسيتعين علي التأقلم مع كل ذلك. سأمر خلال كل ذلك من جديد، الرهبة ثم التلامس ثم التأقلم، ولا أظن أن بقي بداخلي صبر لأي من ذلك. لِمَ لَم أمر بمثل هذا في أي مرحلة من قبل؟ ربما لم أكن ناضجة كفاية لأفكر في الخطوات التالية، ربما لم أكن قد فقدت الثقة في العالم لأتساءل برعب ماذا سيفعل بي. لكن الآن، الآن سيحدث، سأترك الجامعة.
سيُزج بي في الحياة رغمًا عني لأتخذ القرارات. لن يخطط لي أحدهم يومًا دراسيًا من السادسة إلى الثامنة. سأستيقظ من النوم، وسيكون علي أنا أن أخطط لليوم. أفكر في ذلك كله برعب ثم أتذكر أن العالم سينتهي عن قريب فأهدأ قليلًا. لم يخبرونا أن الحياة بأكملها عبء، وأننا نخرج من عبء مرحلة لنفسح المجال لعبء التي تليها. الوسادة لن تعمل طويلًا. أتمنى أن ينتهي العالم برفق، بسرعة أغفو بها عن ألم الفناء. أتمنى أن يزيح أحدهم ذلك العبء عن كواهلنا، لكن بلطف، بلا ألم. فأنا – برغم كل شيء – أخشى الموت، ولا أثق في مقولات الكتب بشكل كامل، ولا أعلم يقينًا إن كانت تلك مرحلة المخاض وسأنعم بعدها أم لا، والأهم من ذلك كله، أنني أريد بصدق أن أحظى بوقت كاف لأودع شجيرات الحديقة وأقبّل أصدقائي.
The post التخرّج ونهاية العالم appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست