الاثنين، 1 مايو 2017

ثقفني اون لاين : التطور والجغرافيا الحيوية (2/3)‏ «ملاحظات داروين حول التوزيع الحيوي والرد عليها»

في المقال السابق استعرضنا مقدمة لازمة عن «مبادئ الجغرافيا الحيوية». وسنفرد الجزء الثاني من هذه السلسلة من المقالات لمناقشة ملاحظات داروين حول التوزيع ‏الجغرافي للأنواع الحية، والرد عليها.

يتساءل التطوري جيري كوين عن الطبيعة الغريبة للنباتات والحيوانات في الجزر المحيطية، وهي الجزر في قلب المحيطات، البعيدة عن القارات، فليس لها رصيف قاري. وجوهر تساؤله كان عن لماذا تغيب أنواع عديدة من الحيوانات منها؟ مثل جزر هاواي، التي تفتقد الثدييات والزواحف والبرمائيات، وكذلك جزيرة سانت هيلينا تفتقد تلك الأنواع إضافة إلى أسماك المياه العذبة.

ثم يتواقح في حق الله تعالى قائلًا: «يبدو أن المصمم الذكي نسي أن يضع مجموعة كافية من الحيوانات في الجزر المحيطية (ليست القارية)».

It seems that the intelligent designer forgot to stock oceanic (but not continental!) islands with a sufficient variety of animals.

منذ نشأة نظرية التطور كانت لداروين ملاحظات متعلقة بالجغرافيا الحيوية، سجّلها في كتابه «أصل الأنواع» في البابين «الثاني عشر» و«الثالث عشر»، ورغم أن تلك الملاحظات لم تكن متسقة بتاتًا، بل ويمكن وصفها بأنها متعاكسة ومتضاربة، ولا تصب كلها في اتجاه صحة نظرية التطور، إلا أن داروين حاول توظيفها لأجل هذا الهدف، واحتال في أسلوب العرض السردي غير المنظم ليمزج بين تسجيل الملاحظات التي قد تتوافق مع تفسير النظرية، ويُعلل في نفس الوقت لما يعاكسها.

باختصار يمكن وصف ما فعله داروين في هذين البابين أنه حاول أن يستخدم النظرية ذاتها لشرح لماذا لا يتوافق معها التوزيع في أحايين كثيرة!

وما زال يعتبر كثير من التطوريين التوزيع الجغرافي للأنواع الحية دليلًا دامغًا على صحة نظرية التطور.

أ- ملاحظات تتسق مع فرضيات النظرية

اعتبر داروين اختلاف الفونا والفلورا الخاصة بكل قارة وبكل منطقة دليلًا على صحة التطور. ومن الأمثلة التي ضربها وتتوافق مع هذا التصور:

  • لا يوجد اشتراك في الحيوانات الثديية بين أوروبا وأستراليا وأمريكا الجنوبية، والتي يدّعي داروين أن ظروف الحياة بها متطابقة تمامًا.
  • بينما يوجد في أمريكا نوعان من أنواع طيور الرية Rhea (النعام الأمريكي)، يوجد في إفريقيا طيور النعام الحقيقية، وفي أستراليا طيور الأمو Emu الشبيه بالنعامة، ولكنه أصغر حجمًا.
  • الحيوانات القاطنة في البحرين الخاصين بالشواطئ الشرقية والغربية لأمريكا الجنوبية متباينة، مع وجود القليل جدًّا من القواقع أو الحيوانات القشرية أو شوكيات الجلد المشتركة فيما بينها. كذلك 30% فقط من الأسماك الموجودة على جانبيّ قناة بنما هي نفس الأسماك.
  • توجد ثلاثة من التجمعات الحيوانية البحرية المتباينة بشكل كلي تقريبًا في اتجاه الغرب من الشواطئ الخاصة بأمريكا، بالقرب من الجزر الشرقية للمحيط الهادي. هذه التجمعات تتجول في خطوط متوازية ليست بعيدة عن بعضها البعض، تحت تأثير أجواء متطابقة.
  • ومن الحقائق العامة الخاصة بالتوزيع الحيوي: الاختلاف الضخم في التجمعات الحيوانية البحرية الموجودة على الجوانب المتضادة لجميع القارات تقريبًا.
  • الأنواع المستوطنة Endemic Kinds للجزر المحيطية، والتي لا توجد في أي مكان آخر في العالم، غالبًا نسبتها كبيرة، رغم قلة أعداد الأنواع الموجودة على تلك الجزر. جزر الماديرا على سبيل المثال يسكنها عدد مدهش من القواقع الأرضية الخاصة بها، بل وحتى أكثر الجزر المحيطية انعزالًا وصغرًا مسكونة بقواقع أرضية، وعادة بأنواع مستوطنة منها. كما يوجد 26 من طيور اليابسة على جزر جالاباجوس، منها 21 (أو ربما 23) هي طيور خاصة بها.
  • بعض الجزر المحيطية تنقصها حيوانات تابعة لطوائف كاملة، بينما تكثر فيها أنواع تابعة لطوائف أخرى. مثال ذلك: كثرة الحيوانات الزاحفة والطيور في جزر جالاباجوس، والطيور العملاقة التي لا تطير في نيوزيلندا، بينما تكاد تختفي الثدييات. والحيوانات البرمائية (الضفادع والعلجومات وسمندلات الماء) لا يمكن العثور عليها على أغلب الجزر التي تمتلئ بها المحيطات، باستثناء قليل من الجزر كنيوزيلندا، ونيوكاليدونيا، وجزر أندامان، وجزر سولومون، وسيشل. علمًا بأن داروين يرجح تصنيف نيوزيلندا ونيو كاليدونيا كجزيرتين قاريتين تابعتين لأستراليا، ويُشكك بدرجة أقل في جزر أندامان وسولومون وسيشيل.

ب- ملاحظات لا تتسق مع فرضيات النظرية

من المشهود حول العالم انتشار أنواع كثيرة من النباتات على مساحات شاسعة من اليابسة، وهذه ملاحظة لا تتوافق مع الفرضية التفسيرية لنظرية التطور مطلقًا؛ ففرضيات التطوريين غالبًا تبدأ بحدوث هجرة للنوع الحي ثم انعزال له، وفي النهاية يحدث نشوء نوع جديد نتيجة التعديلات التي يُدخلها الانتخاب الطبيعي على النوع القديم؛ وبالتالي فالمفترض وجود تباين تام بين الفلورا النباتية للقارات والجزر المنعزلة.

يقول داروين: «إنه لمن المعترف به عالميًّا، أن تكون المساحة المقطونة بواسطة أحد الأنواع الحية مساحة متصلة في معظم الحالات، وأنه عندما يستوطن نبات أو حيوان بقعتين متباعدتين جدًّا عن بعضهما الآخر، أو بفاصل ذي طبيعة تجعل المسافة لا يمكن قطعها بمثل هذه الدرجة من السهولة عن طريق الارتحال، فإن الحقيقة التي نحن بصددها تبدو وكأنها شيء ملفت للأنظار واستثنائي». وادّعى داروين أن هذا الانتشار الواسع ينطبق بالأساس على النباتات، لكن من الممكن تقديم القليل من الحقائق المماثلة التي تتعلق بالحيوانات الأرضية.

وأقول: لكن الحقيقة أن هذا الوضع ليس استثنائيًّا، كما سنرى من مراجعة الأمثلة، فكما تنتشر كثير من الأنواع النباتية على مساحات شاسعة من العالم، توجد أنواع حيوانية كثيرة لها نفس القدر من الانتشار الواسع.

من أمثلة ذلك:

  • ذكر داروين أنه تتواجد الكثير من النباتات على جبال الهيمالايا، وعلى سلاسل الجبال المنعزلة الخاصة بشبه القارة الهندية، وعلى مرتفعات جزيرة سيلان، وعلى المخاريط البركانية الخاصة بجزيرة جاوه، وهذه النباتات تكون إما متطابقة تمامًا، أو أنها تماثل بعضها الآخر، وهي تمثل في نفس الوقت نباتات خاصة بالقارة الأوروبية. هذه الأنواع النباتية توجد على القمم الخاصة بسلاسل من الجبال المتباعدة للغاية. فقط لاحظ داروين أن تلك النباتات لا يمكن العثور عليها في الأراضي الحارة المنخفضة الفاصلة بين الجبال.
  • بالمثل، فنباتات من نفس النوع تعيش على المناطق الثلجية الخاصة بجبال الألب، أو جبال البرانس وفي أقصى الأجزاء الشمالية من أوروبا. والنباتات الموجودة على الجبال البيضاء في الولايات المتحدة جميعها متطابقة مع تلك الخاصة باللابرادور شرقي كندا، وهي تقريبًا متطابقة مع تلك الموجودة على أعلى الجبال شموخًا في أوروبا.
  • بعض الأنواع الحية التي تتواجد على منحدرات الجبال السفلى وعلى السهول الخاصة بأمريكا الشمالية وأوروبا متطابقة.
  • بعض من النباتات الأرومية متطابقة مع بعضها بالضبط في بقاع متباعدة موجودة في كل من نصفيّ الكرة الأرضية الشمالي والجنوبي، وتحديدًا في أوروبا وأستراليا وأمريكا الجنوبية.
  • توجد ما يتراوح بين الأربعين والخمسين نوعًا من النباتات المزهرة الخاصة بجزيرة أرض النار، والتي تكون جزءًا لا يُستهان به من تجمعاتها النباتية الضئيلة، شائعة أيضًا في قارتيّ أمريكا الشمالية وأوروبا البعيدة بشكل هائل، مثل بُعد تلك المناطق التي توجد في النصفين المتعاكسين للكرة الأرضية عن بعضهما بعضًا.
  • يوجد على الجبال الشاهقة الارتفاع الخاصة بأمريكا الاستوائية الجنوبية حشد من الأنواع الحية الغريبة التابعة إلى الأنواع الحية الأوروبية، وتحديدًا المناطق المعتدلة المناخ من أوروبا، مثل تلك الأنواع الموجودة على جبال الأورجان بالبرازيل. وكذلك توجد بعض الأنواع بها التابعة إلى مناطق القطب الجنوبي، والبعض التابع إلى مناطق جبال الإنديز على الساحل الغربي لأمريكا الجنوبية.
  • وفي إفريقيا، نجد على جبال الحبشة العديد من الأنواع المميزة لقارة أوروبا، وبعض التجمعات الخاصة بمنطقة رأس الرجاء الصالح. ويوجد عند رأس الرجاء الصالح عدد قليل جدًّا من الأنواع الحية الأوروبية، التي يُعتقد أنه لم يتم إدخالها إلى المنطقة بواسطة الإنسان. ويوجد على الجبال العديد من الأنواع النموذجية الأوروبية، والتي لم يتم اكتشافها في الأجزاء شبه الاستوائية من إفريقيا. وهناك أمثلة كثيرة لتشابه الأنواع في مناطق إفريقيا الاستوائية، وما تحتها – وليس شمال إفريقيا- مع مناطق أوروبا المعتدلة المناخ.
  • توجد بعض الأنواع الأسترالية الحية تنتشر على طول المرتفعات الخاصة بشبه جزيرة مالاقة، وتوجد كذلك في الهند، وتمتد حتى تصل اليابان.
  • توجد على الجبال الجنوبية الخاصة بأستراليا العديد من الأنواع الأوروبية الحية، لم يتم إدخالها عن طريق الإنسان، وهي موجودة أيضًا على الأراضي المنخفضة.
  • نباتات نيوزيلندا – وتوجد في النصف الجنوبي من الكرة الأرضية- قريبة للغاية من نباتات أستراليا، ولكنها أيضًا قريبة مع نباتات أمريكا الجنوبية رغم البعد الشاسع بينهما، ولا يظهر تأثير الانعزال المفترض فيها.
  • ذكر داروين أيضًا أن هناك 25 نوعًا من الطحالب البحرية شائعة في نيوزيلندا وفي أوروبا، ولكن لم يتم العثور عليها في البحار الاستوائية الواقعة بينهما.
  • بالنسبة للحيوانات البحرية؛ هناك حقيقة ذكرها داروين، وهي أن نيوزيلندا تحظى بتشابه أقرب في حيواناتها القشرية مع بريطانيا. وكذلك فإن الحيوانات القشرية وبعض الأسماك والحيوانات البحرية الأخرى شديدة القربى، تستوطن البحر الأبيض المتوسط والبحار الخاصة باليابان، رغم كونهما منفصلين تمامًا بقارة آسيا كاملة ومساحات واسعة من المحيط. كذلك توجد علاقات قربى في الأنواع البحرية الواقعة على الشواطئ الشرقية والغربية لأمريكا الشمالية.
  • يوجد تشابه، بل تماثل، في حيوانات المناطق القطبية في العالم القديم والعالم الجديد.
  • أنواع حيوانات الكهوف العمياء هي ذاتها دون اختلاف في أمريكا وأوروبا.
  • حتى الجزر التي بشكل عام توجد في كثير منها أنواع خاصة بها، لا يمكن أن نُسلِّم بأن هذه قاعدة. توجد جزر بها نفس أنواع الطيور القادمة من القارات المجاورة، ولا يوجد فيها أي طائر مستوطن، وأشهرها جزيرة برمودا، والتي تقع على نفس المسافة من أمريكا الشمالية، التي تفصل جزر جالاباجوس عن أمريكا الجنوبية، وتتمتع برمودا بتربة خاصة جدًّا، ولا يوجد بها أي طائر مستوطن، رغم أن عددًا كبيرًا جدًّا من طيور أمريكا الشمالية تزور هذه الجزيرة. ونفس الشيء يُقال بالنسبة لجزر الماديرا، التي يقطنها 99 نوعًا من الطيور، منها نوع واحد خاص بها، بالرغم من أنه قريب النوع من الطيور الأوروبية.
  • ومن أشهر أمثلة انتشار الأنواع الحية: الانتشار الواسع لأنواع المياه العذبة. يعترف داروين بأنه: «بما أن البحيرات وشبكات الأنهار منفصلة عن بعضها الآخر بواسطة حواجز من اليابسة، فإنه قد كان من المحتمل أن يتطرق إلى الذهن أن منتجات المياه العذبة لن تستطيع أن تألف بشكل واسع في النطاق الخاص بنفس القُطر، وبما أنه من الواضح أن البحر يمثل حاجزًا أشد مناعة، فإن ذلك كان من شأنه أن يمنعها من الامتداد إلى الأقطار البعيدة، ولكن الأمر على العكس من ذلك تمامًا. فإن الأمر لا يقتصر فقط على أن العديد من الأنواع الحية التي تعيش في المياه العذبة، والتابعة لطوائف مختلفة، تتمتع بمآلف شاسعة، ولكن هناك أنواعًا متقاربة منها تنتشر بشكل ملحوظ في جميع أنحاء العالم».

i. نفس الأنواع من الأسماك الخاصة بالمياه العذبة تتواجد في قارات متباعدة عن بعضها البعض، على سبيل المثال: يستوطن سمك الجالاكسي الهزيل تسمانيا ونيوزيلندا وجزر الفوكلاند والأرض القارية الخاصة بأمريكا الجنوبية. كما أنه كثيرًا ما تنتشر أسماك المياه العذبة بشكل واسع في نفس القارة، ومن الممكن أن يوجد في اثنين من الأنهار المتجاورة بعض الأنواع المتطابقة، علاوة على البعض الآخر المختلف بشكل كامل. كما اعترف داروين أن بعض أسماك المياه العذبة تابعة إلى أشكال حية ضاربة في القدم.

أي أنها قديمة بما يكفي، ومنعزلة في أنهار العالم بما يكفي لحدوث انتواع إن كان حقًّا يوجد مثل هذا الانتواع، ولكنها باقية على حالها.

ii. قواقع المياه العذبة أكثر تشابهًا من الأسماك، فهي سائدة في جميع أنحاء العالم. يعترف داروين بأنه: «قد سبّب لي انتشارها الكثير من الارتباك في أول الأمر، وذلك لأنه من غير الوارد أن بويضاتها قد تم نقلها عن طريق الطيور. كما أن البويضات، علاوة على الأشكال البالغة، يتم قتلها على الفور بواسطة مياه البحر».

iii. نفس الشيء فيما يتعلق بنباتات المياه العذبة التي تنتشر أنواعها بشكل واسع فوق كل القارات وإلى أقصى الجزر المحيطية بعدًا.

  • بوجه عام يوجد الكثير جدًّا من أنواع الطيور التي تطوف حول العالم، وكذلك الكثير من أنواع الحيوانات الثديية، وأنواع من الفراشات والخنافس وغيرها، حتى مع تغير السلالات أحيانًا.

تفسير داروين لملاحظاته حول التوزيع الجغرافي.. وتعقيبات عليه

بسبب كل هذه الملاحظات المتعاكسة، فقد ادّعى داروين ادّعاءات أيضًا غير متسقة لتفسيرها.

أثر الانعزال:

يذكر داروين أن التوزيع الحالي للأنواع الحية لا يمكن تفسيره على أساس الاختلافات الموجودة في الظروف المادية التي تعيش فيها الأنواع الحية. تعد أشهر أمثلة ضربها داروين على هذا هي:

  • رغم التنوع الشديد في الظروف المادية في أمريكا الجنوبية ما بين مقاطعات رطبة، وصحار قاحلة، وجبال شامخة، وسهول مُعشبة، وغابات، ومستنقعات، وبحيرات، وأنهار عظيمة، في ظل جميع درجات الحرارة تقريبًا، لكن هذه المناطق تتشابه التجمعات الحيوانية بها مع المناطق المحيطة بها.
  • بمقارنة الأنواع الحية التي تحيا في ثلاث قارات مختلفة فيما بين خطوط العرض من 25º إلى 35º. يقول داروين: «في نصف الكرة الأرضية الجنوبي، إذا ما قمنا بمقارنة قطع كبيرة من الأراضي الموجودة في أستراليا وجنوب إفريقيا والجزء الغربي من أمريكا الجنوبية، تقع ما بين خطوط العرض من 25º إلى 35º، فإننا سوف نجد أجزاءً متماثلةً إلى حد كبير في جميع الظروف الخاصة بها، إلا أنه من غير الممكن أن نشير إلى وجود ثلاثة من التجمعات الحيوانية أو النباتية المختلفة عن بعضها بصورة أكبر من الموجود فيها. أو مرة أخرى، فقد يعنّ لنا أن نقارن بين الأنواع الخاصة بأمريكا الجنوبية جنوبيّ خط العرض 35º مع تلك الموجودة شماليّ خط العرض 25º، والتي هي بالتالي مفصولة عن بعضها بمسافة عشر درجات عرض، وهي بالتالي تكون معرّضة لظروف مختلفة بشكل أكبر، إلا أننا نجدها متقاربةً مع بعضها بشكل أكبر بالمقارنة إلى تقاربها مع الأنواع الخاصة بأستراليا وإفريقيا التي تقع تقريبًا تحت تأثير نفس المناخ».

i. وداروين هنا يشير إلى تأثير الانعزال إلى أقصى حد ممكن في اختلاف الأنواع الحية؛ إذ فسر اختلاف الحيوانات في بيئات يراها متشابهة مناخيًّا – دون أخذ أي عوامل بيئية أخرى في الاعتبار- بالانتشار لأسلاف قديمة لها، ثم الانعزال مما أتاح لها أن تتطور في مجاميع كل منها على انفراد نتيجة حدوث تعديل بسبب التنافس على البيئة، ويفترض وفقًا لنظريته أن الهجرة والانعزال كانا بداية لنشوء أنواع جديدة سببت تلك الاختلافات الملحوظة بين الفونا والفلورا في القارات الثلاث.

ii. وما زال التطوريون يفسرون ذلك الاختلاف بين فونا الإقليم المداري في القارات، وأي اختلاف مماثل، بانعزال العشائر، هذا التفسير يبدو غير مفهوم؛ فالغريب أن يُفترض أن البيئة في القارات الثلاث واحدة ومع ذلك ستكون نتيجة محاولة تكيف العشائر المتشابهة معها مختلفة مما سيخلق فونات مختلفة! فمن أين أتى الاختلاف؟!

iii. يذكر داروين في بدايات الباب الثاني عشر أن الكمية الخاصة بالتعديل الذي يحدث في الأنواع المختلفة لن تكون متماثلة في المقدار، متحدثًا عن دور الانتخاب الطبيعي في إطار مدى نفع التعديلات لكل فرد أثناء الصراع من أجل البقاء. ثم يضيف: «إذا كان من المقدر لعدد من الأنواع الحية، بعد حدوث تنافس بين بعضها الآخر لمدة طويلة في موطنها القديم، أن تهاجر على نحو جماعي إلى قطر جديد، وتصبح بعد ذلك معزولةً، فإنها سوف تكون معرضة لحدوث تعديل فيها». مرة أخرى يؤكد داروين أن الهجرة والعزلة أيًّا منهما بمفرده لن يحدث أي شيء، ويركز على جذب الكائنات الحية إلى إقامة علاقات جديدة مع بعضها البعض، والتنافس بينها على البيئة.

iv. ادّعى داروين أن الأنواع التي لم تحدث عليها تعديلات قد تمت هجرتها على نحو جماعي، وبالتالي لم يحدث اضطراب كبير في علاقاتها المتبادلة. الاختلاف يعتمد على الوصول المتكرر لمهاجرين غير معدلين من موطن الأسلاف، التي قد تم التهاجن المتبادل بينها وبين الأنواع القاطنة في المنطقة. هنا يشير داروين إلى دور التهجين أو ما يُعرف بالانتخاب الصناعي في حدوث التطور، وهو خلط معروف عنه، فتحسين سلالة أي نوع حي بالتهجين لا علاقة له بنشأة نوع جديد. والسلالة الجديدة من النوع ليست نوعًا جديدًا. ورغم أن داروين يشير إلى أثر التهجين في تحسين سلالة جياد السباق البريطانية لتوضيح الفرق بين الحالتين، إلا أن الخلط ما زال قائمًا.

  • وضع داروين قاعدة عامة عندما قال: «إنه لمن الواضح أن الأفراد التابعة لنفس الأنواع الحية، بالرغم من أنها تستوطن حاليًا مناطق بعيدة ومنعزلة، إلا أنه من المحتم أنها قد انبثقت من بقعة واحدة، وهي التي قد تم فيها نشوء آبائها في أول الأمر، وذلك لأنه من الأشياء غير القابلة للتصديق أن تكون الأفراد المتماثلة قد تم إنتاجها من آباء متباينة عن بعضها بشكل نوعي». ولكنه هنا كان يتحدث عن التشابه المورفولوجي (الظاهري) بين الأنواع لتحديد درجة القرابة المفترضة، لأنه في عصره لم تكن قد صيغت مبادئ علم الوراثة، ولم يكن لديه أدنى معرفة بالجينات ودرجة التشابه الجيني بين الأنواع.

i. وهنا لنا وقفة كبيرة؛ فإن كان داروين قد اعتبر اقتصار وجود الثدييات الجرابية (الكيسية) كالكنغر على أستراليا من أقوى ما يستدل به على التأثير المفترض للانعزال، وما زال التطوريون من بعده يفعلون؛ إذ يفترض التطوريون أن السلف المشترك الذي أتت منه الأنواع الثديية المشيمية التي تسكن قارات العالم، والأنواع الجرابية التي تسكن أستراليا، قد عاش قبل أزمان سحيقة قبل زحزحة القارات، فما ليس مفسرًا في ضوء نظرية التطور، بل ويضربها بعمق، ما أظهرته دراسات DNA الحديثة من نتائج تظهر التقارب الجيني بين المشيميات والجرابيات، وبالتالي لا تتوافق إطلاقًا مع ما اقترحه داروين في شجرة التطور بخصوص الجرابيات وانعزال سلفها القديم في أستراليا منذ زمن زحزحة القارات.

ii. ونظرًا للتقارب الجيني بين الجرابيات والمشيميات، ولأن التطوريين لا يملكون فرضية أخرى غير الانعزال الذي سبق حدوث التعديلات المفترضة؛ اضطر التطوريون الجدد لاقتراح فرضية عجيبة وهي: أنه رغم أن هذين القسمين من الثدييات قد تفرعا قديمًا عن سلفهما المشترك، إلا أنهما سلكا مسلكًا تطوريًّا متشابهًا! ومن هنا يوجد تشابه جيني بينهما رغم الانعزال البعيد لكل منهما! تم تسمية هذا الشكل المفترض من التطور، الذي يعبر عن تقارب جيني لأنواع بعيدة تمامًا على شجرة التطور بـ «التطور التقاربي»!

iii. أما الأشد غرابة هو الإيحاء بوجود ظروف بيئية مختلفة في قارة أستراليا جعلت انعزال ذلك السلف المشترك فيها يتطور إلى ‏الثدييات الكيسية، والمفترض في حالات كتلك أن يوضع نموذج تفسيري من خلال الملاحظات العلمية المتجمعة عن ماهية ‏تلك الظروف المدّعاة، ولكن هذا النموذج التفسيري غائب، وسيظل غائبًا لأنه ببساطة لا توجد أدنى ملاحظات لأي عامل قديم أو حديث يمكن أن يؤدي لذلك التغير المزعوم.

ولكن داروين الذي أسرف في الحديث عن الانعزال عجز بكل معنى الكلمة أن يُفسِّر حقائق يُظهرها التوزيع الجغرافي لتباين واضح في الأنواع بين مناطق متصلة، بل شديدة الاتصال، على سبيل المثال:

  • الركن الجنوبي الشرقي والركن الجنوبي الغربي من قارة أستراليا بهما نفس الظروف المادية ‏تقريبًا، إضافة إلى أنهما متحدان عن طريق أرض متصلة، فكلا الركنين هما جزء من قارة ‏أستراليا، ومع ذلك فالفونا الحيوانية والفلورا النباتية متباينة تمامًا بينهما! فأعداد هائلة من ‏الحيوانات الثديية والطيور والنباتات تستوطن هذين الركنين. ونفس الشيء يُقال عن الفونا ‏الحيوانية التي تقطن الوادي العظيم والمفتوح والمتصل الخاص بالأمازون!‏
  • فسّر داروين وجود ثلاثة من التجمعات الحيوانية البحرية المتباينة بشكل كلي تقريبًا في اتجاه الغرب من ‏الشواطئ الخاصة بأمريكا، بالقرب من الجزر الشرقية للمحيط الهادي رغم أنها تعيش تحت تأثير أجواء متطابقة، بأنها مفصولة عن بعضها البعض بواسطة حواجز لا سبيل إلى اجتيازها سواء عن طريق اليابسة أو عن طريق البحر، بينما عند مزيد من التقدم في اتجاه الغرب من المحيط الهادي رأى داروين أنه لا توجد أي عوائق غير قابلة للاختراق، وكان هذا تفسيره لعدم وجود تجمعات حيوانية بحرية محددة ومتباينة عن بعضها. إن مجرد التفكير في تطبيق مفهومه عن الانعزال في حالة حيوانات البحر أجده عجيبًا! هل يتكرم أحد التطوريين فيفهمني كيف تنعزل حيوانات البحر؟

حالات استثنائية!

  • بالرغم من توسع داروين في الحديث عن الانعزال إلا أنه قد اعترف أيضًا بأن هناك أنواعًا تستوطن مناطق بعيدة ومنعزلة – بل ولأكثر أرجاء العالم بعدًا-، وتتوزع عليها على تباعدها، ولا يخلو السياق من أن يعترف داروين أن بعض الأنواع الحية قد احتفظت بنفس الطابع منذ عهد ‏جيولوجي بعيد بدرجة هائلة، كما أن هناك بعض الأنواع الحية قد ارتحلت على مدى مسافات ‏شاسعة، ولم تُعدل بشكل كبير، أو بأي شكل من الأشكال، ومع ذلك فهو يتبجح كثيرًا بأنه من المتعذر أن يُفسر الخلق الخاص هذا الانتشار!
  • ويتهرب داروين من المناقشة التفصيلية لتلك الحالات التي أسماها استثنائية في التوزيع – على كثرتها- قائلًا: ‏‏«إنه لسوف يكون شيئًا مملًا بشكل لا أمل فيه أن نناقش جميع الحالات الاستثنائية الخاصة ‏بالأنواع الحية نفسها، التي تعيش حاليًا في بقاع متباعدة ومنعزلة عن بعضها، وأنا لا أدعي للحظة ‏واحدة أنه من الممكن تقديم أي تفسير خاص بحالات عديدة».‏
  • ولكنه يؤكد – دون دليل، ولمجرد أن نظريته تفترض هذا- أن هذه الأنواع قد انبثقت من بقعة واحدة، ومن سلف واحد، بالرغم من تأكيده أن الحواجز الطبيعية تلعب دورًا كبيرًا في كبح الهجرة، ولمحاولة تفسير ذلك التعاكس في المشاهدات ادّعى داروين أنه لا الهجرة ولا العُزلة قد تؤدي أي منها بمفردها إلى إحداث أي شيء. واحتج داروين بأن الوراثة هي السبب الذي بمفرده، على المدى الزمني الطويل، يستطيع إنتاج أنواع حية متشابهة، أو متشابهة تقريبًا، ويعزو التعديل الحادث إلى الانتخاب الطبيعي، وبدرجة أقل إلى ما أسماه التأثير المؤكد للظروف المادية المختلفة!
  • ورغم أن داروين يعترف أن الانتشار في أنحاء العالم نراه باديًا للعيان في كثير من الأنواع الحية، لكن داروين يعود ليفترض أن المدى الذي وصلت إليه عملية التعديل التي يتخيلها يكون مؤثرًا، ويمكن أن يحدث تمايز للسلالات من نفس النوع، وبالتالي مع الزمن سوف يتم تصنيف سلالتين من نوع واحد مستوطن في أمريكا وأوروبا على أساس أنهما نوعان متباينان.

i. وهنا يبدو كلام داروين أقرب إلى العبث، فهو لم يفسر لنا تفسيرًا حقيقيًّا السبب في عدم تأثير الانعزال في كثير من الأنواع، وبقائها على حالها، والذي سبق أن افترض أنه يؤثر ويكون بداية لاختلافات تصل إلى حد الانتواع! وعلى أي أساس قد تُحدث أو لا تُحدث الطبيعة – وفقًا لنظريته- تعديلات في الأنواع الحية بعد الانعزال إن لم يكن للظروف المادية أثر قوي؟ وهل علاقات التنافس التي افترضها بين الأنواع كافية لتحديد إن كان سيحدث تطور؟ ولم لا يفترض أن أثرها في تغير التوزيع الحيوي سيكون في اختفاء بعض الأنواع من بعض المناطق، وليس في ظهور أنواع جديدة.

ii. كما عبث داروين كثيرًا بمصطلحيّ الهجرة وكبح الهجرة، فعندما يكون مطلوبًا تفسير الانتشار الواسع للأنواع رغم الحواجز الطبيعية يتوسع في محاولات إيجاد سبل لتفسير الانتشار، رغم أن الانتشار الواسع يتطلب بالضرورة وفقًا لنظريته ضعف الحواجز الطبيعية. ورغم أن البحيرات وشبكات الأنهار منفصلة عن بعضها بواسطة حواجز من اليابسة، كما أن البحر يمثل حاجزًا أشد مناعة، فلتبرير وجود نفس الأنواع من أسماك المياه العذبة في قارات مختلفة وأراضٍ بعيدة، حاول أن يعزو انتشارها بشكل أساسي إلى التغيرات التي قد حدثت في مستوى اليابسة في العصر الحديث، والتي قد تسببت في فيضان الأنهار الواحد منها تلو الآخر. كما ذهب داروين إلى أن أسماك الأنهار تلك انتقلت إليها عبر البحار؛ كون كثير من أنواع المياه المالحة يمكن أن تعتاد المعيشة في الماء العذب، وتحديدًا ذكر أنها «ترتحل إلى مسافة طويلة على طول السواحل الخاصة بالبحر». وهذا يخالف أبسط قواعد علم التصنيف التي تُصنف تلك الأنواع واسعة الانتشار في أنهار العالم على أنها بالأساس أسماك مياه عذبة، كما أن انتقالها – إن حدث- على طول السواحل لن ينقلها إلى قارة بعيدة!

iii. ولكن بينما تغاضى داروين عن كون البحر حاجزًا طبيعيًّا يقف أمام انتشار أسماك المياه العذبة، لم يستطع أن يدّعي ذلك في حالة القواقع التي تعيش في المياه العذبة فقط وتقتلها مياه البحار. داروين المتمسك بنظريته – والذي حدد الاستنتاج قبل استقراء المعطيات- حاول أن يبرر نقل القواقع وبويضاتها عن طريق الطيور، مع علمه أن ذلك غير ممكن سوى في حالة الانتقال مباشرة من ماء عذب إلى ماء عذب آخر، دون وجود ماء مالح أو يابسة كحلقة وسيطة.

iv. أمر آخر سجّله داروين، واعتبره غريبًا، ويُعاكس الدور الذي اجتهد أن يتوسع فيه لوسائل انتشار النباتات تحديدًا. لاحظ داروين أن جلودًا حيوانية وصوفًا وأغراضًا أخرى، كان من المحتمل أنها تحمل بذورًا، قد تم استيرادها بشكل كبير إلى أوروبا في غضون القرون الأخيرة من منطقة لاباتا ومن أستراليا، وكان هذا تعقيبًا منه على ملاحظته عدم قدرة الأنواع في النصف الجنوبي على التأقلم والانتشار في النصف الشمالي من الكرة الأرضية. ومع أن هذا المثال يوضح فشل وسائل الانتشار العفوية للنباتات في التوسع إلى الحدود التي افترضها، فإنه فقط سجّل تعجبه من الأمر، ولم يُفسره.

أثر الظروف المادية

  • بالرغم من محاولات داروين التقليل من شأن الظروف المادية، ومن تأثيرها في توزيع الأنواع الحية، فقد اعترف بوجود تأثيرات خاصة بالتغيرات العظيمة للمناخ في جميع أرجاء العالم على التوزيع الجغرافي، وحاول تطويعه، وبناء افتراضات عليه لخدمة نظريته! مثلًا:

i. فسر داروين تماثل النباتات على قمم جبال أمريكا الشمالية وأوروبا الوسطى بأنه في زمن جيولوجي حديث جدًّا عاشت تلكما المنطقتان تحت تأثير مناخ قطبي.

ii. كما زاد داروين عاملًا آخر لتفسير تشابه الأنواع الخاصة بقارتيّ أمريكا الشمالية وأوروبا، فذكر أنه في خلال مراحل الحقبة الجيولوجية الثالثة كانت الأنواع بأوروبا وأمريكا حميمة التقارب؛ لأن الأجزاء الشمالية الخاصة بالعوالم القديمة والجديدة، كانت متحدة بشكل متصل تقريبًا عن طريق اليابسة التي تم استخدامها كجسور، مما أتاح الارتحال المتبادل للأنواع الحية.

iii. وركز كذلك على أهمية دور العصر الجليدي الأخير، والذي سمح من وجهة نظره للأنواع الخاصة بنصفيّ الكرة الأرضية الشمالي والجنوبي بالاختلاط والارتحال ليفسر الانتشار الواسع لكثير من الأنواع الحية خاصة النباتية. وذكر تحديدًا «وبهذا الشكل، فإنه يجب أن يكون لدينا البعض القليل من الأنواع المتطابقة تمامًا في النطاقات المعتدلة المناخ الشمالية والجنوبية، وعلى الجبال الخاصة بالمناطق الاستوائية الوسيطة بينهما». لكن هناك مشكلتين تظهران؛ وهما أن الأنواع المتطابقة في الشمال والجنوب ليست قليلة عددًا ونوعًا، كما أنها تختفي في الغالب في المناطق الوسيطة!، وكالعادة كانت فرضية حدوث تعديلات غيّرتها حاضرة.

iv. كرّر داروين أكثر من مرة خلال إدراجه تفسيراته وجود جزر في أزمان سابقة كانت موجودة كأماكن للتوقف أثناء الارتحال المفترض للأنواع.

v. إن كان داروين يرى أن عدم تطابق أنواع الحيوانات الثديية في أوروبا وأستراليا وأمريكا الجنوبية ‏هو دليل على صحة التطور، لكن المشكلة أن العدد الأكبر من الأنواع الحية المتطابقة في بقاع متباعدة موجودة في كل من نصفيّ العالم الشمالي والجنوبي، وتحديدًا في ‏أوروبا وأستراليا وأمريكا الجنوبية هي أنواع نباتية، بينما لا يوجد اشتراك في الحيوانات الثديية بين القارات الثلاث، والتي يدّعي داروين أن ظروف الحياة بها متطابقة تمامًا. حاول داروين هنا أن يعزو الأمر إلى أن الثدييات لا يمكنها الارتحال ومن هنا نشأ التباين، بينما النباتات لها وسائلها المتنوعة التي تساعدها على الانتشار. علمًا بأن الثدييات بإمكانها المشي فوق الجليد! إن كان الاختلاط قد حدث في العصر الجليدي، كما أنه باعتراف داروين فإن كثيرًا من الأماكن التي تمتد فيها مياه البحر حاليًا، من المحتمل أن تكون قد شغلتها اليابسة في فترة سابقة لتربط فيما بين جزر أو بين قارات، وتسمح بالتالي للأنواع الأرضية أن تمر من واحدة للأخرى، وقد سبق وادّعى داروين أن أوروبا وأمريكا الشمالية كانتا متصلتين عن طريق اليابس، لكن داروين يفترض أنه عندما ارتحلت أنواع العالم القديم – الحيوانية بشكل خاص- اختلطت مع الأنواع الأمريكية، وحدثت تعديلات عليها. داروين يتلاعب بالارتحال والانعزال لتفسير ما قد قرره أصلًا، وتوفيق التوزيع مع نظريته.

تفسير توزيع الأنواع الحية على الجزر

  • اعترف داروين بوجود صعوبات تفسيرية فيما يتعلق بالأنواع الحية التي تقطن الجزر.

i. الأنواع الحية التي تقطن الجزر المحيطية قليلة في العدد بالمقارنة مع تلك الموجودة على مساحة قارية مساوية سواء أخذنا في الاعتبار أنواع النباتات، أو الحشرات. عند عرضه أمثلة عن هذا الأمر، مثل جزيرة سانت هيلينا يذكر داروين أن «النباتات والحيوانات المتأقلمة قد أبادت تقريبًا أو أبادت تمامًا العديد من الأنواع المحلية». وداروين هنا كان يعني تحديدًا أن هناك أنواعًا كثيرة قد جلبها الإنسان إلى بيئة تلك الجزر، فالنباتات المستوطنة توجد حاليًا في مناطق قليلة فقط من جزيرة سانت هيلينا، بسبب وصول البشر إلى الجزيرة في بداية القرن السادس عشر. ولكن السؤال المهم: ما علاقة هذا بالانتواع؟ إلا أن كان إشارة لأن الظروف المادية في تلك الجزر تناسب أنواعًا أخرى غير موجودة على تلك الجزر، وذلك من أجل مزيد من تهميش الظروف المادية وتأثيرها في التوزيع الجغرافي للأنواع.

ii. فسّر داروين وجود كثير من الأشجار على الجزر المحيطية بأنها تطورت غالبًا من أشكال عشبية، بدون أدنى دليل!

iii. فسر داروين انتشار أنواع القواقع الأرضية المستوطنة حتى على أكثر الجزر المحيطية انعزالًا وصغرًا رغم أنه من المعروف أن مياه البحار تقتلها، وبالتالي يستحيل نقلها عبر البحر، بأنه لا بد أن يكون هناك بعض الوسائل غير المعروفة الفعّالة الخاصة بانتقالها. واقترح منها الطيور وأخشاب الأشجار المنجرفة في البحر.

iv. معروف أن البرمائيات تقتلها مياه البحار، وبالتالي يستحيل نقلها عبر البحر، وأغلب الجزر المحيطية تخلو من البرمائيات، ونظرًا لأنه قد تم إدخال الضفادع إلى بعض الجزر المحيطية كجزر الماديرا، واستطاعت التكيف مع الظروف البيئية، بل وتضاعفت أعدادها إلى درجة أن أصبحت مزعجة، فقد استبعد داروين فرضية أن الظروف البيئية المادية في الجزر المحيطية لا تناسب تلك الأنواع. وهي فرضية بالفعل مستبعدة.

v. اعتبر داروين استيطان ثعلب يشبه الذئب لجزر الفوكلاند استثناء من القاعدة، كما يشكك في أن هذه الجزر لا يمكن اعتبارها محيطية رغم بعدها ‏عن الأرض القارية، كذلك ذكر احتمال نقل ذلك النوع من الثعالب إليها عن طريق الصخور ‏المحملة على الجبال الجليدية، علمًا بأنه منذ سنوات قلائل، تحديدًا عام 2006، تم اكتشاف حفرية لنوع صغير من الثدييات الأرضية على جزر نيوزيلندا، التي كان يُعتقد أنها لم تمتلك أبدًا أي ثدييات أرضية. كان ذلك الاكتشاف ضربة قوية لفرضية خلو فونا الجزر المحيطية من الثدييات.

vi. ولكن لا يوجد دليل في المقابل يجعلنا نستبعد إحدى الفرضيتين بأن:

  1. الجزر المحيطية، يكاد يجمع الجيولوجيون أنها لم تكن يومًا ما جزءًا من أقرب قارة لها، ولكونها جزرًا بركانية؛ تكونت في قلب المحيطات بتأثير اندفاع الحمم، فلا إمكانية من الأساس لانتقال الثدييات الأرضية أو البرمائيات إليها بعد تكونها، إلا بتدخل البشر. وبالتالي فخلو الجزر المحيطية من تلك الطائفتين شيء بديهي ومفهوم.
  2. في حال كانت تلك الجزر المحيطية هي حطام متبقي لقارات تم غمرها، وإن كان هذا هو الاحتمال الأضعف والفحص الجيولوجي لصخور قممها لا يؤيده، فهناك افتراض أن البرمائيات والثدييات الأرضية قد عاشت على تلك الجزر المحيطية في حقب جيولوجية سابقة، ثم اختفت من عليها، خاصة وأن الجزر المحيطية بركانية، كجزر جالاباجوس، وحمم البراكين كافية لقتل كل الأنواع التي لا تستطيع الفرار، وعلى رأسها الثدييات الأرضية والبرمائيات، بل وأغلب الأنواع الخاصة بالمياه العذبة؛ لأنها لن تفر إلى البحر أو الهواء.

واعتبر داروين عدم وجود البرمائيات والثدييات على أغلب تلك الجزر المحيطية غير مفسر بواسطة نظرية الخلق. أما أنا فأرى العكس صحيحًا، فهذه الجزر ارتفعت من قلب المحيط في أزمان جيولوجية لاحقة لأزمان تكون اليابسة والجزر القارية المنفصلة عنها، وما عليها من الأنواع الحية، والتطوريون يؤكدون أن الجزر المحيطية، إضافة لانعزالها، صالحة وملائمة للغاية لمعيشة البرمائيات والثدييات، وهذه الجزر في قلب المحيط تحيطها الأسماك من كل جانب.

فلِم لم تتطور بعض الأسماك لتصير برمائيات؟! ولِم لم تتطور بعض الزواحف لتصير ثدييات؟! ومن أين أتت الزواحف على بعض تلك الجزر؟! أليس المفترض أنها نشأت من برمائيات؟ ومن أين أتت الطيور المستوطنة على بعض الجزر المحيطية التي تخلو من الزواحف إن كان التطور صحيحًا؟! ولِم لا نرى أي حلقات وسيطة على الأقل تشير من قريب أو بعيد إلى صحة التطور طالما توجد طوائف كاملة مفقودة؟!

vii. بالرغم من اعتراف داروين في مواضع بتشابه الأنواع الأرضية التي تقطن الجزر، وتلك التي تقطن أقرب أرض قارية، فإنه أحيانًا يقول إنها ليست هي نفس الأنواع، ولكنه يفترض صلة عرقية بينها، وأشهر مثال على ذلك هو جزر جالاباجوس البركانية التي تحمل الطابع الخاص بالقارة الأمريكية، ولكن أغلبها مصنفة على أنها أنواع متباينة. كذلك الأنواع التي تعيش في أرخبيل الرأس الأخضر ترتبط بالأنواع الحية في قارة إفريقيا. يفترض داروين أن انعزال الأنواع الحية في تلك الجزر القريبة من القارات قد ساعدها على الانتواع، وأصبحت تُصنف كأنواع جديدة لها صلة بسلف قديم في القارة المجاورة.

وقد اهتم داروين كذلك بتسجيل ملاحظاته عن العمق الخاص بالبحر الذي يفصل الجزر عن بعضها أو عن أقرب قارة، وعلاقته كمحدد جزئي بدرجة الصلة العرقية بين الحيوانات الثديية التي تقطنها، كونه اعتبره مؤشرًا على زمن انفصال الجزيرة.

مرة أخرى رأى داروين أن الخلق الخاص للثدييات لا يفسر تلك الصلات! وأعتقد أن استقراء داروين للمعطيات الخاصة بالأنواع الحية على الجزر، كان متوسعًا فيه للغاية لإظهار اتساق التوزيع مع النظرية، ولا يصلح لتفسير كثير من الحالات، ومعلوم ‏أن موطنه إنجلترا ما هو إلا مجموعة جزر قريبة من أوروبا، يفصلها عنها ‏القنال الإنجليزي، والثدييات الأرضية بإنجلترا متطابقة مع ثدييات أوروبا، فالانعزال ‏لم يؤثر في الحيوانات بإنجلترا، ولا نشأ عنه أنواع جديدة!‏؛ ولأجل ذلك اقترح داروين أنه من المحتمل بشكل كبير أن تلك الأراضي – يعني الجزر القارية والقارات- كانت متحدة ومتصلة منذ فترة قريبة.

viii. عندما أتى داروين على ذكر توزيع الأنواع الحيوانية تحديدًا على أرخبيل جزر جالاباجوس، لم يستطع أن يبرر لنا تبريرًا ذا معنى سبب تباين الفونا الحيوانية للجزر المختلفة التي يتكون منها الأرخبيل. بمعنى آخر، يفترض داروين أن العديد من الأنواع المهاجرة قد حدث لها تعديل بشكل مختلف، ولو بدرجة صغيرة، على كل جزيرة من هذه الجزر؛ علمًا بأن هذه الجزر متقاربة للغاية للدرجة التي تكون فيها على مسافة مرئية من بعضها البعض، وتتمتع بنفس الطبيعة الجيولوجية، ونفس الارتفاع، ونفس المناخ، وخلافه. حاول داروين تعليل الاختلافات بعلاقات التنافس المختلفة على الجزر رغم تقاربها! وبأن تلك الجزر مفصولة عن بعضها بأذرع عميقة من البحر، كما لا يرى داروين أن هناك سببًا لافتراض أن هذه الجزر شديدة القرب من بعضها كانت في أي مرحلة جيولوجية سابقة متحدة مع بعضها بشكل متصل! ولكن هل تلك الأذرع البحرية تمنع الطيور أو الزواحف البحرية من العبور؟!

فداروين الذي أحيانًا يبرر لحدوث الانتشار، وأن أساليبه قد تنقل أنواعًا حية إلى أقاصي الدنيا ليفسر انتشار بعض الأنواع، يدّعي أن أنواعًا حية مستوطنة قد عجزت عن الانتشار في جزر جالاباجوس المجاورة لبعضها على مرمى البصر، فلم تنتشر الأنواع من جزيرة إلى جزيرة أخرى، أو ما أسماه «كبح الامتزاج الخاص بالأنواع التي تقطن المناطق المختلفة المتمتعة بنفس الظروف المادية تقريبًا»!

خاتمة

  • الاستقراء الصحيح للبيانات المتاحة يوضح وجود نباتات واسعة الانتشار، وحيوانات أيضًا واسعة الانتشار، ووجود نباتات مستوطنة، وحيوانات أيضًا تستوطن مناطق بعينها؛ فتوزيع الأنواع الحية على ظهر الأرض يظهر التشابه أحيانًا، ويُظهر الاختلاف في أحيان أخرى.
  • استخدم داروين تأثير آليات الانتشار وأحيانًا المناخ لتفسير التشابه، بينما استخدم الهجرة والانعزال والتعديل لتفسير الاختلاف. فإن كان يمكن للتطوريين تقديم استدلال بالاختلافات، فمن غير المقبول وغير المفهوم أن يحاولوا الاستدلال بالتشابه مع وجود انعزال!
  • يعتبر الانقراض من أهم العوامل التي تُوضح أسباب اختلاف التوزيع، وانحصار أنواع معينة في مناطق بعينها، ولكن داروين تجاهله تمامًا أثناء تفسيره لملاحظاته.
  • لكن رغم إفراط داروين في تكييف الملاحظات حول التوزيع الجغرافي لتتناسب مع نظريته، إلى الدرجة التي استخدم فيها فرضيات النظرية ليفسر بها لماذا لا يتوافق معها التوزيع في أحيان كثيرة! وما الذي يُفترض أن يحدث مستقبلًا ويُحوِّل التوزيع إلى الشكل الأكثر اتساقًا مع النظرية، فداروين مع ذلك يُسلِّم بجهل البشر بالتأثيرات الكاملة للتغيرات في المناخ، وفي المستوى الخاص بالأرض، وبأي تغيرات أخرى من المحتمل أنها حدثت، كما يُسلِّم بالجهل بالعديد من الوسائل التي تسمح بانتقال الأنواع، خاصةً تلك التي تجعل أنواعًا منتشرة على مساحات واسعة مترامية بينما تكون مختفية في مسافات متوسطة بينها.
  • إن محاولات التطوريين تصوير التنوع على أنه ضد الخلق الخاص هو مناقضة لجوهر نظرية الخلق ونظرية التصميم الذكي من ‏أساسهما اللتين تتفقان على أن كل نوع خُلِق خلقًا خاصًا منفردًا عن كل نوع آخر، بل ‏خلق كل فرد خلقًا خاصًا متفردًا لا يشابهه فيه أحد.‏
  • ما يصر التطوريون على إسقاطه، وفي مقدمتهم داروين، هو وجود التفاعل بين الأنواع الحية وعناصر البيئة الإقليمية التي تعيش فيها، وأنه بتغير عناصر البيئة من الطبيعي أن تهاجر إليها ومنها أنواع حية مختلفة، ويتغير من ثم التوزيع الحيوي. فهم يتجاهلون وجود هذا التفاعل بين العوامل التي قد تتسبب في استيطان نباتات أو حيوانات لأقاليم معينة، وكذا اختفاء أنواع من أقاليم أخرى بعدما عاشت فيها.
  • وأخيرًا فإن الفرضية المعاكسة لفرضية التطوريين، والقائلة بأن النوع قد اختفى من مناطق نتيجة تغير ظروف البيئة، بينما بقي في مناطق أخرى لتلاؤمه مع ظروفها البيئية، هي الفرضية الأكثر علمية؛ لأن هذه الفرضية الأخيرة تحديدًا يمكن أن نجد مشاهدات ملموسة مسجلة عنها.

سنتابع في الجزء الثالث من سلسلة المقالات ما حول نظرية التطور والاستدلال عليها بالجغرافيا ‏الحيوية، لمعرفة لماذا يُنقب التطوريون عمّ يعتبرونه أسلافًا للإنسان في إثيوبيا والصومال!‏

The post التطور والجغرافيا الحيوية (2/3)‏ «ملاحظات داروين حول التوزيع الحيوي والرد عليها» appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست