الاثنين، 1 مايو 2017

ثقفني اون لاين : اختلاف الثقافات.. صدام أم التقاء؟

إذا سألت مواطنًا عربيًّا: ما هي الثقافة؟ ستسمعُ إجابات مختلفة ومتنوعة وكلها بعيدة كل البعد عن المعنى الحقيقي للثقافة، لأن العالم العربي لا يقرأ بل يقف في ذيل قائمة الأمم القارئة، ويكفي القول إن متوسط معدل القراءة فيه لا يتعدى ربع صفحة للفرد سنويًّا، وبدوري فضلت أن أتوجه بسؤالي إلى متخصصين للرد عليه، أو أن أبحث بنفسي عن المعنى الحقيقي للثقافة؛ فوجدت أحدهم يُعرف الثقافة على أنها مصطلح أو أسلوب للحياة أو هي نظام اجتماعي له معتقداته وعاداته، وللحفاظ على الثقافة فلا بد من تدشين التربية ونشر التعليم كوسيلة من وسائل المحافظة على الثقافة وإيراثها من السَّلف إلى الخَلَف، وهنا قد نصل إلى مفهوم أشمل لما سبق بمعنى أن الثقافة هي ملك مشترك، والتعليم ملك فردي.

بينما أرجع الدكتور منصور فهمي (1886 – 1959) شيوع استعمال كلمة ثقافة إلى رغبة في إيجاد مقابل في لغتنا للكلمة الألمانية الاصطلاحية «كولْتور»، ولكنه لم يقل إن هذه الكلمة لها معنى واضح محدود في اللغة الألمانية، وأن هذا المعنى قد انتقل مع الكلمة إلى عدد من اللغات الأوروبية لوجود شبه في الاشتقاق بينها!

ويقول الأستاذ عبد الله بن الشيخ المحفوظ بن بيّه إن الثقافة بالمعنى الحديث الذي يترجم كلمة Culture فإنه مصطلح قد عرف كما يقول «كوبر وكلايكون» بمائة وخمسين تعريفًا لعل أبرزها:

1- تعريف لاروس الفرنسي إذ يقول: «إن الثقافة هي مجموع النظم الاجتماعية والمظاهر الفنية والدينية والفكرية التي تتميز بها وتحدد بها مجموعة أو مجتمع بالنسبة للآخر».

2- تعريف موسوعة دار الشروق إذ جاء فيه: «إن مفهوم الثقافة يشير إلى كل ما يصدر عن الإنسان من إبداع أو إنجاز فكري أو أدبي أو فني أو علمي».

3- تعريف الدكتور عبد العزيز بن عثمان التويجري في كتابه «التنمية الثقافية من منظور إسلامي» إذ قال: «إنها مجمل النشاط الإنساني في حقول الإبداع الفكري والأدبي والفني».

4- ويرى البعض: «أنها حصيلة النشاط الاجتماعي في مجتمع وأساليب الحياة والسلوك وأنماط القيم السائدة فيه».

5- لكن التعريف الأنثروبولوجي الواسع للثقافة يشمل المعتقدات واللغة والمؤسسات والعوائد والتقاليد لكل مجتمع، وعلاقات الكائنات البشرية بعضها ببعض، وهو التعريف الأولى في نظري؛ لأن مصطلح الثقافة مصطلح مراوغ ويصعب الاستئثار بمدلوله، ولكن من المؤكد دخول الدين، والتقاليد، واللغة تحت مظلة هذا المصطلح.

إن الثقافة كما يُشار إليها هي الكل الجامع من لغة ودين وأعراف وفنون ومأثورات شعبية والأنظمة المنظمة للحياة، وكمٌّ كبيرٌ مترابط من الوشائج تجعل لكل أمة ثقافتها، والتي قد تتشابه وتختلف فيما بينها وبين الثقافات الأخرى، كما قد تتداخل وتؤثر في بعضها البعض.
وهنا تأتي المشكلة لأن عدم فهم الشعوب والدول لثقافات بعضها البعض يجعل هناك اختلافًا قد يؤدي للتصادم في الغالب، وأحيانًا قد يؤدي إلى الالتقاء، وعلى سبيل المثال اختلاف الثقافات بين الشرق والغرب، فمثلًا في الثقافات الشرقية، يمتلك القائد والزعيم والملهم مكانة عليا، ولديه تأثير كبير في عامة الناس، وهذا ينبع من أن الثقافة الشرقية غالبًا ما يكون القائد أو الملك أو الرئيس أو السلطان ظل الإله على الأرض، أو أنه شخص مُلهم يزوره الوحي اثنين وخميس، والبعض من المنافقين يرفعه إلى مقام الآلهة بغضّ النظر عن قيمته، بينما في الثقافات الغربية، فهناك مبدأ اسمه المساواة يُؤخذ بعين الاعتبار عند محاسبة المسؤولين، والقائد أو الرئيس هو مجرد شخص بين أفراد الجماعة يسعى لخدمة شعبه أو قومه، ولا ينظر إليه على أنّه أعلى أو فوق بقيّة الناس.

أما العلاقات في الثقافات الشرقية فتتمحور حول الأسرة، وغير مسموح بالعلاقات خارج إطار الزواج، والأزواج على سبيل المثال يحتاجون إلى موافقة العائلة قبل الانتقال إلى خطوة أكثر خصوصيّة وأهميّة مثل الزواج، ولهذا السبب نجد أنّ زواج الصالونات أو الأقارب المخطّط له ما زال شائعًا في المجتمعات الشرقيّة، أما في الحضارات الغربية، فإن العائلة لا تتدخل في حياة الأفراد بشكل كبير يؤثر في قراراتهم، ولهذا فإنّ القرارات والأولويّات ومدى شرعيّة العلاقات هي فرديّة بالأساس.

ولو نظرنا بعين الاعتبار إلى موضوع حب السفر مثلًا، فسنجد أن الغربيين يخصّصون وقتًا من أجل السفر بصورة دائمة واعتيادية باعتباره جزءًا لا يتجّزأ من حياتهم مقابل ما يبذلونه من جهد وكد في أعمالهم، بينما قد تكون أيام الإجازات منتظرةً بشوقٍ من قبل الشرقيّين، ولكن ظروف العمل القاسية وصعوبة الحصول على إجازات طويلة، مما يؤدي إلى أن الكثيرين من الشرقيين لا يتمتعون بعطلةٍ إلّا بعد مرور سنين عديدة.

ولا شك أن الفرد في المجتمع الغربي يُمنح قيمة وأهمية أكبر، بينما يتربع المجتمع والعائلة على قمة القائمة بما يتعلق بالمجتمع الشرقي، حيث إن الأهمية المعطاة للعائلة غالبًا ما تُشكل نظامًا داعمًا متوفرًا دائمًا عند الحاجة، ولربما لا يتوفر الأمر نفسه في الغرب.
أما الدين في المجتمع الشرقي يُعطى أهمية أكثر مما يحصل عليه في المجتمع الغربي. ويمكن ملاحظة ذلك من خلال الأحداث الدينية التي تحرك المجتمعات الشرقية، فإلى يومنا هذا توجد أعمال شغب وأعمال عنف وقتل تحت راية الدين وكثير من المنظمات الدينية التي تسعى للسلطة، وبالرغم من أن الدين عنصر موجود بقوة في الغرب إلا أنه لم يتحول باتجاه التعصب كما يحدث في الشرق، خصوصًا في الآونة الأخيرة.

فمثلًا نظرة الغرب للحجاب الإسلامي تغيرت كثيرًا بعد الحوادث الإرهابية الأخيرة في فرنسا وألمانيا والسويد وإسبانيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، مما شجع بعض الحكومات الغربية على منع الحجاب رغم أن هذه الدول كانت وما زالت تعتبر نفسها متقدمة وديمقراطية، كما أن الأمر قد يكون أسوأ عند الدول غير المتقدمة مثل بورما و صربيا، والأمثلة كثيرة على ذلك، ففي حين نشر التجار العرب المسلمون الإسلام في الشرق الأقصى، لم يتدخلوا لا بحياة ولا ثقافات الشعوب ولكنهم نشروا الإسلام عبر حسن المعاملة، والممارسة الإسلامية الحقة.

أما لو ناقشنا فكرة الاستقلالية في مضمونها الصحيح، فلن نجد لها أثرًا للأسف في مجتمعاتنا الشرقية، ولكنها توجد فقط في المجتمع الغربي، ففي الشرق، الاستقلالية تأتي ولكن بشروط وتحفظات أو مثقلة بظروف أخرى حيث لا يمكن لأي فرد أن يكون مستقلًا بصورة كاملة في الشرق لأن الرابط العائلي يفوق في أهميته ما يتعلق بالذات، وعلى سبيل المثال مغادرة الأبناء لمنزل العائلة بعد إتمامهم سن السادسة عشر من عمرهم شائع ومُجاز في الغرب، بينما يُعتبر إهانة للعائلة في المجتمع الشرقي ولا يستطيع شاب أو شابة فعل ذلك في المجتمعات الشرقية إلا وناله من النقد الجارح الكثير والكثير!

ناهيك أنه في الشرق ما زالت النساء تعتبر المضحيات بحياتهن المهنية والوظيفية لصالح تربية الأطفال ورعاية الزوج وأسرته وأحيانًا أسرتها، على عكس النساء في المجتمع الغربي تمامًا، فالأنثى في الغرب حرة لكي تقرر أولوياتها مثل الزواج أو الإنجاب!

وكلنا يعرف أن الغرب معروف بانفتاحه وتساهله مع عدد من المواضيع الحساسة التي يناقشها المواطنون الغربيون بكل حرية وصراحة مهما بلغت درجة وضوحها وصراحتها وجديتها وأحيانًا قسوتها، فالمناقشة شيء اساسي ومهم في المجتمعات الغربية مثل كيفية الولادة أو الإنجاب أو الجنس، بينما ما يزال ذلك من المحرمات في الشرق!

ويمكنني القول إن الغرب لا يفضل الشمولية في حل المشاكل إطلاقًا، ويسعى دائمًا إلى التحليل والتفصيل فيما يتعلق بالنظر نحو الأمور والمشاكل المختلفة مع ضرورة التركيز على المشكلة من ناحية، والوصول إلى نتيجة استنادًا إلى الإيجابيات والسلبيات المترتبة في تلك المشكلة، ولكن الشرق للأسف معروفٌ بنظرته الشمولية، فتجد الشرقيين يفضلون الحلول الشاملة المتكاملة ليتم تطبيقها على كافة الأمور والمشاكل متناسين أن هناك فروقات قد تفصل بين الأمور، وأن الوصول للسلبيات والإيجابيات لن يكون سهلًا في النظرية الشمولية!

ونأتي إلى أم الاختلافات، فالناس في الشرق يمتلكون معتقدات وأيديولوجيات راسخة، وهي بالنسبة لهم حقيقة مطلقة اكتسبت شرعيتها بمرور الزمن بغض النظر عن صحتها وإمكانية تجاوزها، بينما في الغرب فإن الأمور والأفعال واتخاذ القرارات ينظر لها من منظور عقلاني حسب المعطيات الآنية المتوافرة، وبعيدًا عن العاطفة أو المعتقدات والأيديولوجيات الراسخة!

ولا ننسى أن اللغة هي العامل الأول والرابط الكبير لثقافات المختلفة، واختلاف مفاهيم اللغة أو التعبيرات اللغوية تجعل المرء في كثير من الأحيان يقع في مشكلة لا يعرف كيف يخرج منها، وقد ينتج عن هذه المشكلة اتخاذ إجراءات حادة ومتعسفة!

أذكر مثالًا على موضوع اختلاف الثقافات أودى بحياة الكثيرين، ففي بدايات احتلال العراق، أجرت إحدى المحطات الفضائية مقابلة مع ضابط مرور عراقي، أفاد أن أغلب العراقيين يُقتلون في سياراتهم، لأن النظام عند العراقيين، عندما يوقفه ضابط المرور أو يخالفه، يترجل السائق من السيارة لمعرفة ماذا يريد الضابط؟ أو ما هي طبيعة المخالفة؟ أما في ثقافة المحتل الأمريكي، فإن السائق لا بد من أن يجلس في مكانه حتى يأتيه الشرطي أو الضابط، وترجل السائق يعني في ثقافته استعدادًا للمواجهة أو الهجوم، لذا كان الضباط والجنود الأمريكيون الذين لا يعرفون عن ثقافة البلد المحتل يحصدون الأسر في سياراتها.

وفي كثير من الأحيان تتعاقد بعض الدول التي تأخذ طريقها للنمو مع شركات ومؤسسات خارجية لتدريب مواطنيها على موضوع اختلاف الثقافات، فتقوم هذه الشركات بتقديم النصح لها فيما تعمل مستقبلًا وماذا تخطط، تمامًا كما تفعل دولة الصين التي تستأجر شركات ومؤسسات متخصصة في موضوع اختلاف الثقافات لكي تُصدر للدول الإسلامية مثلًا سجاجيد للصلاة وألعاب أطفال إسلامية بل وملابس إحرام!

ولا شك أن اختلاف الثقافات، في الغالب يؤدي إلى تصادم نتيجة التضارب في المفاهيم، وتصادم الأفكار، فالرموز الدينية والثقافية لدى شعب تختلف عن شعب آخر، وأذكر أني قرأت مرة في إحدى الجرائد العربية عن سائح عربي زار تايلاند ولما رأى الناس يسجدون لتمثال بوذا أخذ يعنفهم وينهرهم، مما عكر عليهم صلاتهم، وبالتالي تم ضربه؛ ومن ثم نقلته الشرطة للاحتجاز، ومن ثم المحاكمة بتهمة ازدراء الأديان!

وكلنا سبق ووقعنا في مواقف طريفة بسبب موضوع اختلاف الثقافات، فمثلًا تعودنا في بلادنا أن نُحيي الضيوف بالمشروبات الساخنة أو العصائر الباردة وربما ندعوهم بعد ذلك للغذاء، وهذا مُخالف للواقع الذي شهدته في نيجيريا، فعندما تزور أسرة نيجيرية في الجنوب مثلًا حيث يكثر المسيحيون، فإن مشروبًا يشبه العسل الأسود وبه نسبة لا بأس بها من الكحول، هو المشروب الرسمي للترحيب بالضيوف الأعزاء، ورفض شربه يعني الإهانة!
وكذلك تناول اللحوم جنبًا إلى جنب مع الحلويات شيء عادي في نيجيريا، ونحن نعتبر ذلك شيئًا غريبًا، والسلام باليد لا يكفي لمصافحة النساء، بل المصافحة تكون بتقبيلهم واحتضانهم كنوع من الاحترام!

وأخيرًا لا شك أن تلك الاختلافات قد تؤدي إلى تدمير الشعوب أو تلك القرارات التي قد تؤخذ بناءً على تصوراتنا وثقافاتنا ومنطقنا، إذا ما وضعنا خارج منطق وتصورات الآخرين، مما قد يضعنا في مأزق، لا نُحسد عليه!

المصادر

http://ift.tt/2pp9fOg

The post اختلاف الثقافات.. صدام أم التقاء؟ appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست