يحكى أن عندما غلا السعر في البصرة خلال فترة الخلافة العباسية، كان القصاص يقومون فيتكلمون ثم يدعون، فوثب رجل يدعى بشير الرحال فقال: شاهت الوجوه، ثلاثًا، عُصيَ الله في كل شيء، وانتهكت الحرم، وسفكت الدماء، واستؤثر بالفيء، فلم يجتمع منكم اثنان فيقولان: هل نغير هذا وهلم بنا ندع الله أن يكشف هذا، حتى إذا غلت أسعاركم في الدينار بكيلجةٍ جئتم على الصعب والذلول من كل فج عميق تصيحون إلى الله أن يرخص أسعاركم، لا أرخص الله أسعاركم، وفعل بكم وفعل!(1)
تكمن الكوميديا السوداء أن في ظل خلافة إسلامية مطبقة لشرع الله بصفة عامة، أنكر بشير الرحال على هؤلاء القوم اللجوء إلى الله فقط عندما غلت عليهم الأسعار مع تغاضيهم عن المنكرات العظيمة التي كانت ترتكب. فما بال أقوام غلت الأسعار عليهم ومع ذلك لم يهرعوا إلى الله بل يقضون أوقاتهم في السخرية والسب في من يظنون أنهم السبب في ضيق معيشتهم، تحت ظلال دولة ما أقامت دينًا بل حاربت شرع الله وأهله، وما أقامت دنيا بقوانينها الوضعية حتى!
يحضرنا هنا السؤال الأهم: كيف نلجأ إلى الله حق اللجوء؟
هل الطريق هو الصلاة والدعاء وقراءة القرآن… إلخ من الطاعات والبعد عن المحرمات؟
ظاهريًا نعم هذا يعتبر من وسائل اللجوء إلى الله لكن حقيقة الأمر أعمق من ذلك بكثير. هيا بنا نبدأ الموضوع من أوله.
ما هو الإسلام؟
الإسلام هو الاستسلام لأوامر الله ونواهيه.(6) لا يمكننا الاستسلام لأوامر الله ونواهيه إلا عندما نعرف أولًا ما هي أوامر الله ونواهيه وذلك عن طريق مصادر التشريع.
ما هي مصادر التشريع في الإسلام؟
قال الإمام الشافعي رحمه الله: «وليس لأحد أبدًا أن يقول في شيء: حَلَّ ولا حَرُم إلا من جهة العلم، وجهة العلم: الخبر في الكتاب أو السنة، أو الإجماع، أو القياس»(2).
معنى الكلام أن لا يحل لأحد أن يقول أن شيئًا حلال أو حرام إلا بدليل شرعي صحيح مناسب من القرآن والسنة أو الإجماع (خاصة إجماع الصحابة). إذا نفدت كل هذه الوسائل نستخدم القياس حلًّا أخيرًا. لا يهمنا كثيرًا موضوع القياس بما أن لا يقدر على الاشتغال به إلا العلماء بسبب كونه يأتي بعد الإحاطة بالقرآن والسنة والإجماع فلا يجد العالم فيهم مبتغاه فيلجأ إلى القياس. وللعلم بالشيء تعريف القياس هو: طريقة في الاستدلال، فيستدل المجتهد بعلة الحكم الثابت بالنص أو الإجماع على حكم أمر غير معلوم الحكم، فيلحق الأمر المسكوت عنه في الشرع بحكم المنصوص على حكمه إذا اشتركا في علة الحكم.(3) مثال بسيط على ذلك: أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: (لاَ يَقْضِينَّ حَكَمٌ بَيْنَ اثْنَين وَهُوَ غَضْبان)، فالنَّبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الصحيح نهى عن الحُكم في وقت الغضب، ولا يشك عاقل أنه خص وقت الغضب بالنهي دون وقت الرضا؛ لأن الغضب يشوِّش الفكر، فيمنع من استيفاء النظر في الحكم، فيكون ذلك سببًا لضياع حقوق المسلمين. فلو كان القاضي في حزن مفرط يؤثر عليه تأثيرًا أشد من تأثير الغضب بأضعاف، أو كان في جوع، أو عطش مفرط يؤثر عليه أعظم من تأثير الغضب فينطبق عليه نفس حكم الحديث في النهي عن الحكم.(4)
ما معنى قرآن وسنة بفهم سلف الأمة؟ ولماذا لا نستخرج حكم الله ورسوله بأنفسنا؟
المراد بفهم السلف للنصوص الشرعية هو (ما علمه وفقهه الصحابة والتابعون وأتباعهم من مجموع النصوص الشرعية أو آحادها مرادًا لله تعالى، ولرسوله صلى الله عليه وسلم مما يتعلق بمسائل الدين العلمية والعملية مما أثر عنهم من قول أو فعل أو تقرير).
ولولا هذا القيد على فهم سلف الأمة، لقال من شاء ما شاء في دين الله ودين الله واحد. هذا ما نراه قد شاع الآن والله المستعان. سنعطي مثالين على أهمية الالتزام بفهم السلف وإلا سينتج عن ذلك استنتاج خاطئ بعيد عن مراد الله ورسوله.
أ) حديث جنازة اليهودي الذي رواه الإمام البخاري: «إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّتْ بِهِ جِنَازَةٌ فَقَامَ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهَا جِنَازَةُ يَهُودِيٍّ، فَقَالَ: أَلَيْسَتْ نَفْسًا».
الفهم المنتشر لهذا الحديث هو أن الرسول عليه الصلاة والسلام قام لليهودي تكريمًا له مع أن الفهم الصحيح للحديث ليس كذلك إطلاقًا! بل الفهم الصحيح هو:
«لأن القيام للفزع من الموت فيه تعظيم لأمر الله، وتعظيم للقائمين بأمره في ذلك وهم الملائكة».
(منقول من فتح الباري شرح صحيح البخاري).(7)
ب) «استفتِ قلبك» جزء من حديث صحيح، رواه أحمد والدارميُّ عن وابصةَ الأسديِّ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا وابصةُ، اسْتَفْتِ قلبَك، واستفتِ نفْسَك ثلاث مرات؛ البِرُّ ما اطمأنتْ إليه النفسُ، والإثمُ ما حاكَ في النفْس، وتَرَدَّدَ في الصدر، وإنْ أفتاكَ الناسُ وأفتَوْكَ»، وحَسَّنه النوويُّ.
ولا يظن المستفتِي أن مجرد فتوى الفقيه تبيح له ما سأل عنه، إذا كان يعلم أن الأمر بخلافه في الباطن، سواء تردد أو حاكَ في صدره؛ لِعِلْمِه بالحال في الباطن، أو لشكِّه فيه، أو لجهله به، أو لعِلمه جهلَ المفتِي أو محاباته في فتواه، أو عدمِ تقييده بالكتاب والسنة، أو لأنه معروف بالفتوى بالحِيَل والرُّخَص المخالفة للسُّنة، وغير ذلك من الأسباب المانعة من الثقة بفتواه، وسكونِ النفس إليها، فإن كان عدم الثقة والطمأنينةِ لأجل المفتي، سَأَلَ ثانيًا وثالثًا؛ حتى تحصل له الطُّمأنينة، فإن لم يجد، فلا يكلفُ الله نفسًا إلا وُسْعَها والواجب تقوى الله بحسب الاستطاعة».(9)
ما هو الطريق لمعرفة أوامر الله ونواهيه بفهم السلف؟
هناك طريقان الاتباع والتقليد. قد قال ابن عبد البر رحمه الله في تعريفهما (التقليد عند جماعة العلماء غير الاتباع، لأن الاتباع: هو أن تتبع القائل على ما بان لك من فضل قوله وصحة مذهبه. والتقليد: أن تقول بقوله وأنت لا تعرفه ولا وجه القول ولامعناه).(5)
معنى الكلام ببساطة أن الاتباع هو معرفة حكم المسألة بناءً على معرفة الدليل الشرعي سواء كان من القرآن أو السنة أو الإجماع أو القياس. يستلزم على المرء قبل الخوض في اتباع الدليل أن يكون ملمًا بمبادئ العلم الشرعي بفروعه المختلفة من تفسير، أصول فقه، فقه، مصطلح حديث، علم الرجال… إلخ من العلوم الشرعية.
هذا ليس معناه أن متبع الدليل يصبح عالمًا فتراه يفتّش في كتب العلم الشرعي بمفرده ليستخرج منها ضالته في المسألة التي يريد حكم الله فيها! ذلك لعجزه عن الإلمام بقضايا أصولية مثل التفريق بين المطلق والمقيد، العام والخاص، الناسخ والمنسوخ، علوم اللغة العربية المختلفة، مراد الله ورسوله في القرآن والسنة… إلخ من القضايا.
أما التقليد فهو قبول قول عالم «معتبر» بدون معرفة الدليل الشرعي في المسألة المستفسر عنها. يعني يذهب الواحد منا إلى عالم يسأله: المسألة الفلانية حرام أم حلال؟ فالعالم يفتيه بكلمة واحدة سواء حلال أو حرام فيأخذ المقلد بقول العالم ويرجع.
الاتباع صعب فلنسلك طريق التقليد! لكن كيف نعرف العالم المعتبر لنقلده؟
الخيارات كثيرة ومتعددة بخصوص المسائل التي لا تعد من المصائب العصرية التي لم تحدث من قبل في تاريخ الأمة: هناك من اختار تقليد إمام من الأئمة الأربعة مثل الإمام أبي حنيفة، الإمام الشافعي، الإمام مالك، الإمام أحمد بن حنبل وشرط ذلك عدم التعصب للمذهب بحيث يحصل عليه الولاء والبراء، وعدم اعتقاد اتباع إمام معين دون غيره إذا تبين الحق في مذهب إمام آخر، ولا يجوز التشهِّي في التقليد بما يناسب الهوى وتتبع رخص العلماء. هناك من اختار تقليد قول جمهور العلماء في المسألة لضمان السلامة في دينه، أما إذا كانت المسألة بخصوص حلال وحرام وبها خلاف واسع فالأفضل الخروج من الخلاف واجتناب الشبهات. هناك من اختار معرفة الإجابة على أسئلته من مواقع عصرية مفيدة مثل إسلام ويب وإسلام سؤال وجواب.(8) (10) (11) (12)
أهم شيء بعد تعلم العلم هو العمل به وذلك مصداقًا لقول الله تعالى في كتابه الكريم: «الذين آمنوا وعملوا الصالحات…».
أما بخصوص المسائل التي تتعلق بالنوازل العصرية فالموضوع صعب لكن يكفي المرء – مبدئيًا – التبرؤ من الفجرة الظالمين وأعوانهم ممن يحاربون الدين وأهله.
هكذا وصلنا لنهاية الجزء الأول الذي يعد بمثابة تمهيد حيوي لفكرتنا الأصلية. نلقاكم على خير في الجزء الثاني الذي يمثل لب موضوعنا بإذن الله تعالى.
The post لا أرخص الله أسعاركم وفعل بكم و فعل! (1) appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست