السبت، 1 أبريل 2017

ثقفني اون لاين : نظرية الانشطار الجهادي

تُعرف كلمةُ الجهاد في اللغةِ هي المبالغة واستفراغ ما في الوسع والطاقة من قولٍ أو فعل، وهذا مشابهٍ لما أورده ابن تيمية في مجموع الفتاوى، أمّا معناه الخاص اصطلاحًا، كما يَرد في الكتب والرسائل الفقهية فيطلق على جهاد ومحاربة الكفار والمرتدين، ومقارعة البغاة والخوارج والمفسدين، وقد شكلت فريضة الجهاد منذ انطلاق الدعوة للدين الإسلامي مرورًا بتعاقب الدول والمماليك حجر أساس وعمادٍ صلب لبناء الدولة الإسلامية.

وبعيدًا عن قراءة التاريخ ونتائج الأحداث السابقة، فإن ظهور الجماعات الجهادية بقوةٍ في ثورات الربيع العربي أسست لمرحلة جديدة من عمر هذه الجماعات وطبعت بالضرورة صورة مغايرة لبعض توجهات الشعوب التي نادت بالحرية والخلاص من الاستبداد والعبودية، فافترقت هذه الجماعات عن حواضنها الشعبية في الكثير من الساحات التي تواجدت بها، ويعود الأصل المسبب في ذلك هو اختلاف الأهداف أو موعد تحقيقها على أقل تقدير، يضاف إليها ضبابية العلاقة بين الطرفين وتحولها في الحقبة الزمنية الحديثة إلى وظيفية مؤقتة أكثر من التبني المتبادل، وزاد الأمر في بعض حالاته إلى التنافر والصراع ثم الافتراق، ولابد من القول هنا إنّ الانشطار الذي يحدث في الجماعات الجهادية يختلف من حيث البنية والجوهر بمنظوره العام عن الأسباب التي تدفع إلى نبذ ورفض الجماعات الجهادية في المجتمعات المسلمة في القرن الحالي.

فالحداثة الفكرية التي ولّدها تطور العلم والمعرفة، وأُنيطت بالدول المتقدمة ذات السيادة الدولية المتسلطة على مقدرات وقرارات أنظمة العالم الثالث ذات الأغلبية المسلمة، والتي هي الأخرى تعاني من تصدعات جسام مع شعوبها التي تحكمها بمنطق القوة والأمن المعادي، ساعدت على زيادة الشحن وتفجير المكنونات الداخلية لحقيقة الصراع بدوافع دينة، وأخرى مظلومية عامة، ومع الصعود السريع القلق للجماعات الجهادية في البلدان التي شهدت تحركات عسكرية وشعبية ضد أنظمة الحكم، تزايدت حالات الانشطار والتفريخ الجديد لتعود بنا إلى إشكالية الولادة مع تعزيز الممارسة الهجينة، وتعود أسباب الانشطار في الجماعات الجهادية لعدة عوامل:

أولًا: الخلاف العقدي الذي يرفع شعاره قادة هذه الجماعات ورجال الدعوة وتطبيق الشريعة، فاختلاف المدارس الشرعية أمر محمود في دين الإسلام والاختلاف بحد ذاته واجب أحيانًا للولوج إلى أس القضايا ومعرفة حيثياتها وترك الفسحة للناس في اختيار مذاهبهم وعدم الزامهم إلا بالنص الواضح الأصيل المؤسس لعقيدة الدين والنهج المتبع، وقد ساعد استجلاب النصوص الدينية واستحضار الأحداث التاريخية في إنزال الأحكام الشرعية على تيارات فكرية داخل الجماعة الواحدة، بما يخدم الأهواء والعصبية وليس بما حدث بين تنظيم الدولة الإسلامية وجبهة النصرة سابقًا ببعيد عن هذا المثال، حيث افترقت الجماعة الواحدة إلى خوارج ومرتدين بحسب تصنيفات كل جهة، وألبسوها أحكامًا شرعية معتمدين على أمثلة تاريخية وممارسات واقعية.

مع استدراكٍ واضح لذات الأصول التي رتبت قوة النصوص والأحكام بين الراجح والمرجوح أو المحبب والمكروه وغيرها من المصطلحات النمطية، لتدور كل فئة نتجت عن الانشطار في فلك النقاء واتباع السلف، وتنسب إلى ذاتها شرف حمل راية الدين والذود عنها من العوالق التي سببت نفور الأمة بشبابها وحواضنها عن الدفع بالجهاد، ولكي لا نجحف حق القواعد في اختلاف تأسيسها أو مناط تطبيقها، إلا أنّ الحتمي هو استخدام الشعار الديني بغير مواضعه لإقناع الشباب واستعطاف الشعوب.

ثانيًا: السباق إلى السلطة والصراع على النفوذ كان واضحًا في تداخلات العلاقة بين تيارات الفصيل الواحد، فمن دون شوكة يُصعب تنفيذ الواجبات، وبوجود المال الكافي تذلل العقبات، مستشهدين بكلام المحدث عطية الله الليبي، حين قال المال عصب الجهاد، ولم يجد المتسابقون للسلطة أو النفوذ مشكلة كبيرة في كسب المال الذي يساعدهم في توطيد ملكهم، كون النص الشرعي قد قدم جهاد المال على جهاد النفس، وكل ما يحتاجه هو خطاب شعوبي محمول على روافع دينية عقدية قادر على الإقناع والتجييش.

ثالثًا: النزعات الشخصية وحظوظ النفس عامل مهم في تسريع عملية الانشطار، وهو فلسفي بتعريفه مقترن بهواجس نفسية عاطفية لدى منتسبي الجماعات الجهادية، فمعظم السلوك الظاهر ينتج عن ردات أفعال، وبإمكانك التحكم بأفعالهم عن طريق إدارة الفعل المطبق عليهم، أو محاورة أفكارهم لتنتظر حدوث توقعاتك بنسب عالية أحيانًا، وفي قراءة بسيطة لبعض الحالات الفردية التي عايشت مراحل انشطار بعض الجماعات الجهادية تجد واضحًا دور النزعة الشخصية في إتمام الأمر وتصييره إلى واقع.

رابعًا: الأذرع الخارجية المتمثلة غالبًا بأجهزة الأمن والمخابرات، فمما لا شك فيه أنّ الجماعات الجهادية تُشكل تهديدًا حقيقيًا لمصالح الدول وتقلق أمنهم، فالحركية ونمط العمل المتبع بلامركزية على الأرض يساعدهم على ضرب مواقع حساسة بأقل التكاليف مقارنة مع الهدف المحقق، ودائمًا بالعلم العسكري، فإن أخطر ما يهدد الجيوش وأنظمة الأمن هو حرب العصابات التي تواجهها وهي الطريقة المثلى التي مازالت الجماعات الجهادية تستخدمها، والتي عُرفت حديثًا باسم الذئاب المنفردة، فتعمد هذه الأجهزة إلى ضرب الجماعات من داخلها عبر دسّ العملاء أو خلق الأدوات وحذفها بما يناسبها، فتكاد تصل إلى درجة اليقين أنّ بعض هذه الجماعات مرتبطة إداريًا بأجهزة أمن تُديرها والحقيقة قد تكون غير كاملة هنا، لكن المؤكد أنّ أجهزة الأمن استطاعت توظيفها وشلّ حركتها.

خامسًا: الغموض والانطواء والابتعاد عن النسيج الاجتماعي شكل افتراقًا ملموسًا بين الواقع والطموح، حيث العزلة المفروضة نتيجة الاستهداف الخارجي أو الذي وُضعوا أنفسهم به في بعض الأحيان ساعد أيضًا في انفصالهم عن الواقع الذي يتطلب تجديدًا في الأسلوب وتوضيحًا للخيارات الحركية المتبعة إذا كان للاستدامة والمرحلية في الإنجاز هدفًا تقصده الجماعات الجهادية، فكم من حالة تغيرت و وجهات نظر تبدلت نتيجة مرحلة من المراجعات اعترف بها شخوص هذه الجماعات، وخصوصًا في فترة اعتقالهم داخل السجون، وبعد الخروج إلى الفضاء الجهادي.

ولا يقتصر الأمر على انشطار واحد لكل جماعة، بل يتعدى الى سلسلة من الانشطارات البنيوية والفكرية تتجدد كلما حصل اتحاد أو اقتراب، لتعيد كرتها من جديد مع اختلافٍ في الأسماء والأسلوب الحركي للولادات الجديدة.

The post نظرية الانشطار الجهادي appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست