يقول الله عز وجل: كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين.
لم يفتأ أعداء الله يهاجمون الإسلام منذ أن جاء به النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإلى يومنا هذا. يثيرون حوله الشبهات في محاولات لرد المؤمنين عن إيمانهم أو في أقل الأحوال تشكيكهم في الدين، فلا يتحفزون لتبليغه، والدعوة إليه، ونشره بين الناس، كما أمرهم الله عز وجل بذلك: ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون.
فتارة أعداء الله يشككون في المنهج وتارة يشككون في رب المنهج، وتارة يشككون في النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذي أرسل إليه المنهج، وتارة يشككون فيمن نقلوا لنا هذا المنهج. وفي حين أنهم يريدون بإثارتهم تلك الشبهات زعزعة الإيمان في قلوب المسلمين. فإنهم بصورة عكسية لأتباعهم يجعلون من هذا الأمر محفزًا لهم، يشعلون به حماستهم، ويذكون به إيمانهم بمعتقداتهم وبأفكارهم، فينتشرون يبشرون بعقيدتهم، ويظن البعض من السذج أنهم إنما لفرط إيمانهم بدينهم وعقيدتهم يريدون أن يجعلوا الناس كلهم على نفس منهجهم، ويدينون بنفس ديانتهم، ولو كان ذلك كذلك لما رأينا الاضطهاد الذي يسود جميع أنحاء العالم والحروب التي قادوها والدماء التي سفكوها، وإنما هي معركة هيمنة وسيطرة وسيادة اقتصادية واستيلاء على مقدرات العالم وخزائن الشعوب وأراضيهم، والدين ليس إلا فكرة محفزة لأتباعهم لكي يسهل عليهم قيادهم وإثارة مشاعرهم.
نعود إلى الشبهات وإثارتها، رجعت إلى ما يسر الله لي من مراجع وتفاسير لأقف على تفسير هذه الآية التي صدرت بها مقالي، وهي الآية الثانية في سورة الأعراف، وآية سورة هود: فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل. وبعض الآيات التي كان في تبليغها ثقلًا وحملًا على النبي صلى الله عليه وسلم كآية التبني وآية الإسراء.
ولكني لم أجد ما يطيب خاطري مما جال في صدري من معان، فكلها دارت حول رد شبهة عدم التبليغ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهذا أصلًا محال في حقه ـ صلى الله عليه وسلم ـ وبيان ما جاء في الآيات من معانٍ، وفيها من الفوائد الكثير والكثير.
ثم ذهبت أفكر في حال الناس من أبناء الدعوات والحركات الإسلامية.
فتبين لي أنهم ينقسمون حال إثارة الشبهات إلى ثلاثة أقسام:
قسم منهم دعاة على الحقيقة فهم قد بذلوا أوقاتهم في العلم وحلقاته وقضوا الساعات بين الكتب عاكفين عليها.. ليتثبتوا قبل أن يبينوا ويتعلموا قبل أن يعلموا.. ولعل ذلك ما أشار إليه علماؤنا فهم في كتبهم يشيرون إلى العلم قبل القول والعمل والعلم، قبل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
والقسمان الآخران لم يعلموا ولم يتعلموا ولم يكلفوا أنفسهم مشقة البحث ولا عناءه، فإن شئت أن تسميهم أدعياء وليسوا دعاة فسمهم فهم كذلك. وهؤلاء هم من قصدتهم بكلامي، وبياني فهم ينقسمون إلى قسمين. قسم منهم يذهب مذهب النعامة، فيدفن رأسه في التراب ظنًا منه أن هذه الشبهات حقيقة، وأقل تقدير يظن كذبها، ولكنه ليس عنده رد على ما فيها فعلمه هذا لا يغنه ولا يغن الحق شيئًا؛ إذ كيف يكون متصدر للدعوة، ولا يستطيع الرد عنها الشبه.
وهو مع ذلك لا يستطيع أن يغير عقيدته، ويتبع مثيرو الشبهات، وهذا أمر محال، وخاصة في مجتمعنا الذي نحيا فيه، والحمد لله أنه كذلك، وإلا نظرًا لما نحياه من جهل مطبق قد عم عموم الناس فكنت ستقف على الكثير والكثير من حالات الردة بسبب ما يثيره هؤلاء في وسائل الإعلام وغيرها من شبهات وحملات على الدين. فهذا هو حال النوع الأول نعام يدخل رأسه في الرمال ويترك بقية جسده خارجه تنهشه السباع والحيات والثعالب.
والقسم الثاني قسم تشدد على غير بينة، لم يؤت من الدين إلا القشور، أخذ العناوين دون شروح، فضل وأضل. وهذا النوع تجده سريع الغضب للدين، قوي على من خالفه فيه، سليط اللسان، وهو سرعان ما يذهب إلى التكفير، والدعوة للقتل والتهجير، فيظن أنه يفيد، وهو بذا يُزَيّل الشبه بالأدلة، ويكون مثالًا للمشككين على صدق دعواهم وإنفاذها لقلوب المتشككين وأفئدتهم.
فهؤلاء كان الأولى بهم أن يذهبوا إلى قرآن ربهم وسنة حبيبهم ليتثبتوا، وإذا لم يكن لهم القدرة على القراءة، وليس عندهم صبر على التعلم، فليذهبوا بما أثير من شبهات إلى أهل الذكر والبيان ممن يثقون في دينهم وعلمهم، ثم ليسألوهم. فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون. فيتبينوا منهم ويبينوا بعد ذلك، ويجلوا عن صدورهم وعقولهم ما علق بها من شوائب.
نعود إلى القسم الأول. وهو مع تثبته وتبينه إلا أنهم قد يعتريهم ما يعتري البشر من الضيق للتكذيب لأنهم على نور ويقين من رب العالمين، فيحزنون لفوات اليقين عن بني قومهم، ويتمنون أن لو كانوا جميعًا على درجة إيمانهم وتصديقهم، ولكنها سنة الله أن ينقسم الناس إلى مراتب على حسب دينه، وهؤلاء لا خوف عليهم في الدنيا ولا يحزنون في الآخرة، جعلنا الله وإياكم منهم.
وليعلم الدعاة أن..
الشبهات أثيرت مع أول يوم للدعوة ولن تتوقف إلى قيام الساعة. ودحضها والتغلب عليها وتفنيدها يكون بالعلم والتثبت قبل القول والتصدر.
العلم سلاح الدعاة ومن كان بلا سلاح فهزيمته مؤكدة، وهو وبال على الدعوة قبل أن يكون أداة ردع وصد عنها.
الفتن والشبهات أداة في أيدي المشككين لتحفيز أتباعهم فلا تعطهم الفرصة ليتغلبوا عليك ولا تمهد لهم بجهلك الطريق.
ولا تقتصر في تفسير النصوص على قول واحد فربما يكون صاحبه قد رأى الأمر من زاوية واحدة أو ضيقة أو فسر الأمر نظرًا للظروف التي تحيط به فيكون قد خالفه الحق في التأويل فيكون سببًا في زللك وهلاكك. وكلٌ يؤخذ من كلامه ويرد إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم.
ولا تتحرج من بيان الحق فديننا ليس فيه شبهات، وما من أمر إلا وله بيان وحكمة، علمها من علمها وجهلها من جهلها. فاحرص على أن تحصن نفسك بالعلم، ومن أعظم ما يدل على ذلك آيات إبطال التبني فهي مع فيها من حرج في تبليغها، إلا أنها كانت بعد ذلك دليل على صدق النبي فيما يبلغ به عن ربه تبارك وتعالى، كما قالت عائشة: لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتمًا شيئًا من الدين لكتم هذه.
وأخيرًا إذا كنت من الذين لا يطيقون القراءة فلا تتحرج من السؤال فكما ورد عن ابن عباس وغيره من الصحابة والتابعين أنهم كانوا يسألون في المسألة الواحدة ثلاثين من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، وقول ابن عباسٍ رضي الله عنهما: لما سأله الرجل، كَيْفَ أَصَبْتَ هَذَا الْعِلْمَ؟ قَالَ: بِلِسَانٍ سَؤُولٍ، وَقَلْبٍ عَقُولٍ.
The post الناس والشبهات appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست