يعتبر مالك بن نبي من أعظم المفكرين الذين عرفهم الفكر الإسلامي المعاصر، وتعد المدرسة التي تزعمها من أبرز المدارس الفكرية التي كان لها الدور الكبير في تجديد الرؤيا للفكر الإسلامي؛ خاصة أن هذه المدرسة اهتمت بالدراسة الشمولية والمتكاملة للحضارة الإسلامية وبحثت عن مشكلاتها ومعيقاتها وذلك بالاعتماد على مواضع وعناصر كان يرى أنها المسعى الأول والمنطلق الذي ينبغي أن يتناول بالتحليل أولًا فصاغ عدة مصطلحات لمفاهيم حضارية متعددة شكلت أهم العناصر التي يجب الوقوف عندها وفهمها من أجل إعادة الروح المفقودة إلى الحضارة الإسلامية لتعود إلى الساحة الفكرية من جديد. فكان أول ما بدأ به مفهوم الحضارة والفكرة الدينية حيث رأى أن الدين هو أساس قيام المجتمعات والسبب الرئيسي في رقيها وتقدمها، وهو النواة الأولى لقيام الحضارة والمنظم للأفراد وهو الذي يثير فيهم الحركة والنشاط بحيث يجعل الفرد يتحرر شيئًا فشيئًا من قيود الغريزة والشهوة لكي يرتقي إلى مرحلة الروح، فيبدأ حينئذ بتأسيس حضارته وتقوية علاقته مع أعضاء مجتمعه فيصبح المجتمع كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا.
وخير مثال على هذا كله الحضارة الإسلامية في بداياتها الأولى مع النموذج النبوي ومرحلة الخلافة الراشدة بعده. وتبعًا لهذا فإنه يرى أيضًا أن تطور الإنسانية ناتج عن الحمولة الدينية التي تحملها الأحداث الاجتماعية فتضع بصمتها على حياة الإنسان .لذلك فإنه من أهم الأشياء التي ينبغي للإنسان المسلم فهمها هو ضرورة الدورة الحضارية ومعنى ذلك أن الحضارة تخضع لقانون الدورة الذي يحتم عليها الانتقال من مكان فقدت فيه شروطها إلى مكان توفرت فيه تلك الشروط وهذه سنة الله في خلقه؛ فكل حضارة لا بد لها وأن تمر من ثلاث مراحل: مرحلة التأسيس ثم مرحلة القوة والازدهار ثم أخيرًا مرحلة الضعف والانهيار، وعندما تصل الحضارة إلى هذه المرحلة الأخيرة تصير تحت حكم وقيادة الغريزة وتكون بذلك غير قادرة على النهوض من جديد، فتكتفي بدور المتفرج الباكي على الأطلال وزيادة على هذا فإن للثقافة دورًا هامًا في بناء الحضارة لأن الثقافة هي عبارة عن مجموع المبادئ والقيم الخلقية التي تؤطر سلوك الفرد داخل المجتمع الذي يعيش داخله.
وتبقى أهم فكرة ركز عليها في مشروعه الإصلاحي هي فكرة القابلية للاستعمار عند المستعمر، حيث يرى أن السبب الرئيسي في تخلفنا واندثار حضارتنا هو وجود قابلية للاستعمار في أنفسنا تجعلنا مستهلكين لما يقدمه الغرب لنا دون أي محاولة أو مبادرة منا لتحليل ومعرفة ما يقدم لنا، لهذا فإن النهوض بالحضارة الإسلامية من جديد يستلزم الرجوع إلى أنفسنا ومحاولة الإصلاح الذاتي أولًا وجعل ذلك هو بداية المسير مصداقًا لقول الحق سبحانه (إنّ الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)، ولا بد من احترام مبدأ القيام بالواجبات قبل المطالبة بالحقوق والانخراط في الفعالية الحضارية عن طريق تحرك الإنسان وفك قيود العقل من أجل الإنتاج الفكري وترك ذهان الاستهانة واستسهال الأمور وذهان الاستحالة وتعقيد الحلول ونبذ الأفكار الميتة والمميتة التي خذلت أصولها وفقدت هويتها فصارت بذلك لا قيمة لها. فكان مالك بن نبي رحمه الله بهذا التحليل للوضعية الإسلامية قد حاول المزواجة – في تقديم الحلول للنهوض – بين النموذج الأصيل والنموذج الحديث فلم يدع إلى ترك كل جديد والاعتماد على المبادئ الإسلامية الأولى لأنه كان يؤمن باستحالة ذلك، لهذا حاول أخذ مبادئ التجربة الإسلامية الأصيلة الأولى وبلورتها مع القيم المعاصرة التي لا يمكننا الاستغناء عنها أيضًا. فوقف مالك بهذه الرؤية الجديدة وسطًا بين التيارات الإصلاحية الأخرى، وهذا أهم ما ميز مدرسته.
وخلاصة القول إن تجربة هذا المفكر الفذ كانت نابعة عن دراسة شاملة ملموسة للحضارة الغربية فكان مشروعه مشروعًا حضاريًّا سننيًا واقعيًا أبدع فيه في تحليل أسباب أزمتنا الحضارية فكان بذلك مساهمًا بشكل كبير في تصحيح النظرة للنهوض بالأزمة الحضارية التي يعيشها العالم الإسلامي.
The post سؤال النهضة في فكر مالك بن نبي appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست