الجمعة، 28 أبريل 2017

ثقفني اون لاين : لماذا خلق الله الاكتئاب؟

البعض يتساءل هل كان من الضروري أن يخلق الله هذه المشاعر؟ ولماذا إذًا بعض هذه المشاعر مؤلم وموجع كالذي تشعر به عندما تواجهك مشكلة كبيرة أو تفقد شخصًا عزيزًا على قلبك؟ لماذا هذا النوع من العذاب؟ الاكتئاب الحزن الندم الخوف الوحدة. في وسط هذا التضارب الهائل من المشاعر المختلطة نتساءل: لماذا علينا أن نختبر هذه المشاعر؟ هل كان ضروريًا؟ أم هو محض صدفة بيولوجية مصاحبة لتكوين الإنسان المعقد؟

السؤال هنا ليس اعتراضًا على خلق الله سبحانه وتعالى فأنا شخصيًا أرى أنه قمة الإبداع والكمال، ولكنه سؤال من يريد أن يصل لجوهر الجمال. فلنبحث سويًا علنا نصل إلى قبس من نور الحقيقة.

الإنسان كائن معقد بحق. لقد تبارى آلاف العلماء على مدى التاريخ محاولين فك طلاسم ذلك الكيان المعقد؛ الإنسان وتكوينه الدقيق، أجهزته وأعضائه التي تعمل في انسجام وتوافق لا يمكن لبشر أن يتوقع أن تصل إليه أكثر الآلات تطورًا.

 «إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ».

في كل ذرة  من جسد كل منا هناك معجزات. آلاف من الأنظمة تعمل بلا توقف لكي تحيا. ولم يستطع عالم أو طبيب أن يخرج ليعلن أن الاكتشافات الجديدة قد انتهت فيما يتعلق بجسم الإنسان. كل يوم هناك جديد، كل يوم.

كل ما سبق لا يختلف عليه اثنان. ولكن هناك شيئًا آخر ما زال العلم أيضًا يبحث فيه بدأب، ليجد فيه الجديد والعجيب يوميًا؛ إنه التكوين النفسي للإنسان.

لقد خُلق الإنسان من تركيب نفسي دقيق فيه الكثير من المشاعر والأحاسيس، تكوين دقيق هش، ربما هو أكثر دقة من أدق أعضاء جسم الإنسان. بعض أعضاء جسم الإنسان من الممكن أن يتحمل الضربات القوية والصدمات العنيفة.

ولكن مشاعر الإنسان لا تتحمل أقل الضربات الحسية. لا تحتاج لشيء مادي لكي تجرح شخصًا ما نفسيًا. فقط بكلمة أو بنظرة تستطيع أن توثر في من أمامك، تستطيع أن تجعله يعشقك أو يكرهك، أن يحزن أو يفرح.

حديثًا اكتشف العلماء أن كل ما نشعر به من مشاعر، وكل التجارب النفسية التي تمر بنا، مرتبطة ارتباطًا تامًا بتكويننا الجسدي. وهنا كانت معجزة أخرى؛ لقد اكتشف العلماء أن هرمون السيرتونين الذي يفرزه العقل يزيد شعورنا بالسعادة وهو أمر معنوي، وكذلك العكس أيضًا. فقوة الإرادة والتفاؤل والإيجابية تقوي خلايا الدم البيضاء وتقوي مناعة الجسم في مواجهة الأمراض. وكذلك الحزن الشديد يُنشط ظهور الأمراض ويضعف المناعة. التمارين الرياضية تحث الجسم على إفراز الإندورفين والذي يقلل القلق والشعور بالألم. إذًا هو تركيب دقيق وأوركيسترا كوني يدور بداخلك في كل لحظة لا يمكنك أن تجد مصدره، إنها موسيقى من كل اتجاه.

تبدأ بحالة نفسية لا تستطيع أن تراها في الواقع وتنتهي بشيء عضوي تستطيع أن تقيسه أو العكس.

قال الله تعالى: «هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ».

أولًا المشاعر هي من أهم مقومات النجاة على الأرض

لقد خلقنا الله وحبانا هذه النعمة لكي تساعدنا على البقاء طوال هذه السنين فالخوف والقلق هما وسيلتان دفاعيتان عن الإنسان، فطوال الوقت تعمل تلك المشاعر كمنبهات لك تقيك مواضع الخطر عن طريق الخوف والقلق، كما أن الشعور بالحزن من موقف ما يُخزن تلقائيًا ويجعلك تبتعد عن تلك الأماكن والمواقف التي من الممكن أن تحزنك. وهكذا، فهي وسيلة هامة للحفاظ على حياتك وتعزز إدراكك للمخاطر المختلفة.

ثانيًا المشاعر هي أساس كل العلاقات الاجتماعية

الإنسان كائن اجتماعي بطبعه. ولقد خلق الله الإنسان لا يستطيع أن يعيش فردًا منعزلًا طوال حياته. ولذلك خلق الله المشاعر لكي تكون مرجعنا للاختلاط بمن حولنا. فالمشاعر فقط ليس أي عضو آخر في الجسد بما في ذلك العقل، هو ما يوجهنا. دائمًا ما تعطيك معلومات دقيقة عن علاقتك بصديق ما أو شريك حياتك أو حتى جيرانك. فكثير من الأحيان عندما تقابل شخصًا لأول مرة تبدأ المشاعر المُخزنة من التجارب الاجتماعية السابقة بالتحرك ودراسته. وفي النهاية تعطيك تقريرًا عن ما إذا كنت سوف تحاول التقرب منه وتطوير علاقتكم الاجتماعية، أو أنه ربما لن يكون ملائمًا لك فعليك الابتعاد عنه وعدم الشعور بالارتياح له.

ثالثًا مشاعرنا هي ما تدفعنا للتطور وتحسين حياتنا

مشاعرنا هي ما تستطيع أن تحكم على كل خطوة تخطوها في الحياة هل هي خطوة جيدة أم سيئة. مشاعرك هي ما تنير أمامك الطريق، هي ما تقول لك إن أمامك فرصة وإن استغللتها وتحركت وتعبت من أجلها فستشعر بالسعادة والرضا، أو أن ما أمامك هو اختيار سيء لو اتخذته فستشعر بالحزن والفقد والوحدة. كما أسلفنا فكل تجربة تمر بالإنسان منذ الطفولة تُخزن لتكون كتيبًا إرشاديًا لنا في التجارب التي تليها.

لذا كلما مر بك من أمور حزينة أو كئيبة أو مررت بحالة نفسية سيئة بسبب أمر ما فعليك أن تعلم أن ما تشعر به هو ضرورة لكي تتطور. فعندما تفقد شخصًا عزيزًا عليك تجد نفسك تلقائيًا تقدر علاقتك بمن حولك وتسعى لاستغلال كل لحظة ثمينة معهم. وعندما تشعر بالألم من علاقتك بشخص ما لا يقدرك، فاعلم أن هذا ضروري لينبهك عندما تتقرب من شخص ما في المستقبل من أن يصيبك ما أصابك من الشخص الأول، فيساعدك أن تدقق في علاقاتك وتحسن الاختيار.

فطوال الوقت حاول أن تتساءل هل مشاعري تحاول أن تنبهني لشيء ما أو تساعدني على تخطي عقبة ما في حياتي. كلما فهمت أكثر عن دورها في حياتك رأيت الجانب الإيجابي لمشاعرك، وجعلك أكثر مصالحة مع نفسك ومع حياتك.

الإنسان قد يجد في حياته الكثير من الآلام والمصائب والحزن، فيظن أنها نهاية حياته وآماله، ويجزع ويحزن ويبتعد عن الناس. ولكن مع مرور الوقت يكتشف أنها كانت منحة لا محنة، وأنها نعمة، وأن شعوره بالألم هو ما ساعده على التطور والنجاح. وكم أتت إلينا فوائد ونجاحات من حيث لم نحتسب.

المشاعر على اختلافها وتنوعها وتضاربها، ذلك الخليط العجيب من التكوين النفسي والعضوي لهو أمر عظيم، يخبرنا بعظمة الخالق وحكمته.

وأختتم بخير الكلام بقول الله تعالى «وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ».

The post لماذا خلق الله الاكتئاب؟ appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست