الحمار والفيل رمزان لأقوى حزبين فى بلد الديموقراطية والحريات. لم يختر الحزبين حقًا هذه الرموز، ولكن اختارها لهم راسم الكاريكاتير توماس ناست – وبالمناسبة هو أيضًا صانع صورة العم سام وسانتا كلوز بصورته الحديثة – قوة ناست وسخريه الكارتونية كان لها آثار عظمى في التاريخ الأمريكي، ولكن هذا ليس الموضوع في هذا المقال. الموضوع أنه بالرغم من كون هذه الرموز مادة خصبة للسخرية الرخيصة، لا نجد الأمريكان يقسمون أنفسهم إلى حمير وفيلة!
البرامج الكوميدية السياسية الأمريكية أكثر من برامج التوك شو المصرية، وتصل السخرية فيها من الرئيس والحكومة والأحزاب إلى حدود لا تتخيلها ممكنة. مثال بسيط على ذلك بيل ماهر – كوميديان أمريكى شهير – طلب من ترامب إثبات أن والده ليس إنسان غاب؛ بسبب لون شعره المشابه للون شعر إنسان الغاب. وبيل ماهر مازال حيًا، وخارج السجن، ويكمل سخريته من الرئيس ترامب وشعره. فقرات يومية من السخرية من الحكومة والرئيس والوزراء وكل الجهات التنفيذية في البلد.
لكن لا ترى برنامج يدعو مؤيديه بالخرفان، أو المعرضين، ولا يتهم ناخبية بقلة الذكاء أو بالتخلف. المواطن الناخب خارج نطاق السخرية! ببساطة لأنه حر في اختيار التوجه الذى يراه مناسبًا له ولمصلحته! ولا يحق للكوميديان أو لأى شخص آخر اتهامه بالغباء بسبب اختياره هذا أو ذاك. مؤيدو هيلاري كانوا من النخبة، كُتّاب وصحافيون وممثلون ومغنون ومنتجون ومقدمو برامج وغيرهم ممن تراهم دائمًا في الشاشة، وناخبو ترامب أغلبهم كانوا من حزب الكنبة، من سائقي الشاحنات ومالكي الأراضي الزراعية، وتجار البقالة، ومربي المواشي وغيرهم ممن لا تراهم في الشاشة إلا للسخرية منهم ومن أسلوب كلامهم وملبسهم.
حينما انتصر ترامب قامت المظاهرات وبكى الديمقراطيون أشد البكاء، ولكن هنأت هيلارى ترامب وتقبل أوباما الأمر ومضت أمريكا للأمام. ببساطة لأن الجميع يعلم أن هناك انتخابات جديدة بعد أربع سنوات فقط لا أكثر، وهي فرصة لتبديل النتيجة الحالية. سيعمل الديمقراطيون في اتجاه جديد، وسيحاول الجمهوريون الحفاظ على ما حققوا من انتصارات، وسيكون هناك انتخابات جديدة، ورئيس جديد خلال أربع سنوات بالضبط، لا أكثر ولا أقل.
ما يبهرنى حقًا هو المواطن الأمريكي الذي لا يسأل البقال عن توجهاته السياسية ويعامله على أساسها! ولا نرى على وسائل التواصل الاجتماعي: مجموعة محبي الرئيس ترامب. ينظمون هجمات على صفحات الديموقراطين ولا العكس. لا نرى من يلومون الطرف الآخر في أية كارثة أو مصيبة تقع في البلد، لم تقع مصائب بعد فى هذة الفترة الرئاسية، ولكن من سابقة الخبرة في أمريكا. لم يخن طرف الطرف الآخر، ويتهمه بأنه عميل لإيران أو روسيا – بالرغم من إثبات أن بعضهم فعلًا تعامل مع روسيا – ولكن لم يستغل الطرف الآخر هذا الاتهام الرخيص. تقبل رأى الأغلبية واحترمه مهما بدا غير منطقي بالنسبة لك؛ فمنطقك أنت غير منطقي بالنسبة لهم، ويظنون أنك غبي بنفس القدر الذي تظنهم أنت أغبياء. إذن لا فائدة من تبادل السباب، والأفضل هو محاولة كل طرف الظهور بأفضل ما لديه لإقناع الطرف الآخر بتغير رأيه أو الأفضل تغير طريقة تفكيره ونظرته للأمور.
أظن أن هذا النضج السياسى هو ما يدفع أمريكا للأمام دائمًا. ودائمًا عند الحديث عن الديمقراطية تحضرني معضلة القبطان والسفينة. تخيل لو سفينة يركبها مائة شخص، وفيهم واحد فقط يستطيع القيادة، ولكنه ليس لبقًا، ولا يمتلك حس الخطابة. وقررنا تطبيق الديموقراطية بصورتها الحالية على السفينة. بالطبع لن يفوز القبطان الحقيقي، إلا إذا كان واحدًا وخمسين من الركاب على قدر من الوعي بالحقائق! إذن ماذا يفعل القبطان الحقيقي إذا لم يتم انتخابه؟ وهل سيتحرك الجميع في نفس الاتجاه إذا كانت السفينة تغرق بجهل من الشخص المنتخب؟ وماذا يفعل من يملكون الوعي الكافي في هذه الحالة؟
هذا موضوع لمقال قادم.
The post على الشاطئ الآخر .. لماذا لا نتقبل المعارضة السياسية؟ appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست