تتشكل قيمنا الخاصة ، من واقع تجربتنا في الحياة ، ومشاعرنا تجاه المواقف المختلفة.
وهذه النقطة يتم استغلالها جيدا من قبل الكُتّاب ، والاعلاميين .. من أجل التأثير علي أخلاق المجتمع ، من خلال أفراده.
فيأخذنا الكاتب من خلال أسلوبه الشيق ، إلي الانغماس كليا داخل الحدث ، سواءً كان فيلما أو رواية، وعند حدوث الانغماس تتشكل المشاعر ؛ فتجد نفسك في حالة تفاعل مع أبطال الرواية أو الفيلم ، كأنك أحد أفراده ، فتغضب من هذا ، وتكره ذاك ، وتتفاعل مع الشخصية التي يُسلط الكاتب عليها الضوء ، كي تحبها أو تبغضها ..
وعندما تتأجج المشاعر ، تتشكل القيم من خلال العقل الغير واعي ، وهذا يحدث للأفراد الذين ينغمسون كُلّياً في الحدث ، ولا يبقون جزءاً من عقلهم الواعي لتقييمه وفق ضمائرهم .. وهنا يحدث التأثير المطلوب علي المتلقي من الكاتب أو السيناريست .
وتتشكل قيم المجتمع ومبادئه تدريجيا ، مع تراكم المشاعر في العقل الباطن ، والتي تُخزّن تدريجيا ، لتخرج علي شكل سلوك.
وتلك هي خطورة الاعلام بأنواعه ، المرئي ، والورقي .
ولنضرب بعض الأمثلة للتوضيح .
أولا : في مشهد من رواية رومانسية – من المفترض أنها محترمة – تجري أحداثها حول فتاة لاتثق بنفسها ، وتري أنها ليست أهلاً لأن تُحب ،وذلك لما تري من انعدام جمالها .
ومن ثمّ تجد أحد زملائها يبدي بعض من الاهتمام لها ، فتتعلق به وتظن أنه يحبها …. ثم يطلب منها -باعتبارها أختاً له -أن تفاتح زميلتها بحبه لتلك الزميلة ! … وتذهب تلك الفتاة إلي تلك الزميلة لتخبرها بحب (منير) لها ، وتسألها رأيها في هذا الحب .. فترد عليها بكل غطرسة ” رأيي في ماذا ” ، فترد عليها الفتاة “في حبه لك” ، فتقول ” لو كان يحبني حقاً فليتقدم لخطبتي ، وعندها يعرف رأيي”
والآن هل راقبت مشاعرك هنا ؟
تعلم أنك عند قراءة الرواية كاملة ،فلابد من تعاطفك مع بطلة الرواية ، وعدم قبولك لهذا الرد المتغطرس من تلك الفتاة المتغطرسة ..
وتلك هي المشكلة فعندما لا تقبل بهذا الرد ؛ فأنت في عقلك الباطن سيترسخ شعور ، بعدم قبول هذا المبدأ ، وهو مبدأ الزواج من غير علاقة سابقة ، وهذا بالتالي يؤدي إلي نتائج وخيمة ، تؤدي إلي انفراط عقد المجتمع ، لتساهل أفراده في موضوع الاختلاط .
ثانيا : مسألة أخري تتعلق بموضوع المشاعر ، وهي استهلالية الرواية أو الفيلم ، والترويج لها من قبل الناشر .
فبمجرد قراءتك لخلفية الرواية تقرر ما إذا كنت ستمضي في قراءتها أم لا ، وهنا يكون الناشر أكثر ذكاءً في الترويج لمنتجه ؛ فيكتب من عبارات التشويق مالا تتضمنه الرواية – هذا إذا كان منعدم الضمير ،وهم كثيرون إلا من رحم ربي – .
فمثلا في رواية 1984 تجد الناشر في خلفية الرواية يتحدث عن ملحمة داخل الرواية وعن حكام استبداديين ، وعن انعدام الحريات -حتي القليل منها – داخل مجتمع تحكمه فئة باسم الأخ الكبير … ويكتب في نهاية الملخص ” إنها رواية تُقرأ ثمّ تُقرأ من جديد” .
من خلال أسلوب الناشر وبعض المروجين للرواية قرأتها – وياليتني ما فعلت ! – ..
رواية تتحدث في معظم صفحاتها عن العلاقات غير السوية في المجتمع ، ومحاولات من بطل الرواية أن يتحدي قواعد المجتمع الديكتاتوري ، ويحيا في عالم اللهو والمجون !
والرواية كذلك تحاول التوصل لمشاعر القارئ من خلال كراهيته الشديدة لكل ما يخص الفئة الحاكمة ، ومحاولة الخروج عليها ، حتي وإن كان هذا الخروج خروجا من أخلاق المجتمع السويّ ، الذي من المفترض أن بطل الرواية يسعي لإقامته !
وهي رواية تثير الاشمئزاز من فرط العُري والمجون
بها .
ولكن الكاتب هنا أظنه لم يبلغ ما بلغ كاتب الرواية الرومانسية السالفة الذكر ؛ لأن الكاتب في الرواية الأولي يدخل من مدخل المجتمع الطبيعي ، ولا يفرط كثيرا في إظهار خلاف المبادئ العامة ؛ وإلا لن يصل إلي مايريده لو حاول غرس قيمه بشكل مباشر في قرائه ، فهذا لا يتأتي مباشرة – ولا أتهمه بذلك ، ولكن أنّوه عما قد يغلب علي الكُتّاب- ، والكاتب هنا قد حاول بشكل مباشر مثير للاشمئزاز.
وهناك الكثير من الأمثلة الأخري ؛ إلا أنها ليست حاضرة في مخيلتي حاليا .
فقط أنبه الشباب دائما ، وخاصة المراهقين منهم ، أن يراقبوا مشاعرهم في كل حدث ، وأن يعملوا علي تقييم المواقف وفقا للقيم التي يتقبلها المجتمع ولا يرفضها الدين .
فبالقيم تتشكل الشخصيات ، وبالشخصية يتشكل السلوك ، وبالسلوك يكون المجتمع .
ونحن نسعي لتطويره لا لانحداره .
والله الموفق
The post راقب مشاعرك appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست