معظم من قرأ رواية زوربا اليوناني للأديب اليوناني الكبير نيكوس كازانتزاكيس يظن أن زوربا شخصية خيالية – كما في المعتاد ما لم يشِر المؤلف بغير ذلك – لكن أليكسيس زوربا شخصية حقيقية. وهذه الرواية كتبها كازانتزاكيس تخليدًا لذكرى صداقته بزوربا. أو كما يقول هو عن الرواية «محاولة لأثبت وجهه كما هو»!
ربما كنت موفقًا جدًا لأن أقرأ لكازانتزاكيس قبل هذه الرواية أحد أوائل كتبه (تصوف – منقذو الآلهة) والذي تعتبر أفكاره هي إرهاصات أعمال «كزنتزاكيس» اللاحقة. وقرأت بعدها كتابه البديع (تقرير إلى غريكو) وهو يعتبر آخر كتبه حتى إنه لم يكمل مراجعته قبل وفاته وفيه كتب سيرة حياته الفكرية.
والحقيقة أني في الكتابين والرواية لم أشعر أبدًا وأنا أقرأ بأن الكاتب تغير أو عدل من أفكاره. لم أشعر به يتقدم في العمر. لم أشعر به يهرم وتذبل أفكاره معه. ظل مخلصًا لأفكاره الأولى حتى آخر حياته، كأنه رسم طريق حياته بالكامل في ريعان شبابه والتزم به ولم يبرحه، إلا أن طريقه لم يكن أفقيًا – حاشاه – بل كان الشقي يصعد لأعلى!
وفي كتابه الأخير (تقرير إلى غريكو) تعرفت على زوربا لأول مرة حيث حكى كازانتزاكيس عن لقائهما وإعجابه الشديد به، ورغبته الشديدة لأن يخلد شخصيته في عمل أدبي عندما جاءه خبر وفاته.
التقى كازانتزاكيس في ريعان شبابه مصادفةً بزوربا ذلك الرجل العجوز الصعلوك عامل المناجم القوي في إحدى الحانات. أراد كازانتزاكيس استغلال بعض الأموال التي معه في القيام بمغامرة ما في بلده الحبيب كريت. فاصطحبه في رحلته تلك ليكون رئيسًا للعمال في أحد المناجم لاستخراج الجرانيت. فشلت المهمة في النهاية بشكل ساخر، لكنه لم يأسف أبدًا على فشل مشروعه ولا على خسارة أمواله قط. فقط سحرته شخصية زوربا بالكامل.
وقتها وكما ظهر في الرواية كان كازانتزاكيس منكبًا على دراسة بوذا وقد ألف كتابًا عنه أنهاه في رحلته التي التقى فيها زوربا. كان زوربا يمثل كل ما هو عكس كازانتزاكيس، وبالتأكيد عكس بوذا. وربما كان هذا سبب إعجاب كازانتزاكيس الشديد به. فزوربا قد عاش حياته بالفعل بينما كان كازانتزاكيس يقرؤها أكثر من كونه يعيشها أو هكذا كان يظن.
عاش زوربا حياته طولًا وعرضًا مسافرًا، مغامرًا، محاربًا، عامل مناجم. لم يكن يشغله في معظم الوقت إلا التمتع ببساطة الحياة. فهو يرى أن الحياة الطيبة في متناول اليد. يأكل بشراهة ولا يستغني عن الخمر إلا أنه يتحول لشخص آخر أثناء العمل. ضعيف أمام النساء اللاتي احتللن جزءًا كبيرًا من فلسفته في الحياة، وعندما يستيقظ كل يوم فكأنما يرى كل شيء لأول مرة. يرى كطفل! لا يستطيع التعبير عن أفكاره بالكلمات غالبًا لأنه غير متعلم. لكن إن تحمس بالقدر الكافي فقد يعزفها على السانتوري ويغنيها بصوته الجهوري الذي يشبه مع انفعاله صيحات حيوانية أو حتى – كما يفضل – قد يرقصها لك. يرقص ككائن متوحش بدائي، ولسوف تفهم!
كان بطل الرواية وراويها – كازانتزاكيس نفسه – كما عهدته في سيرة حياته التي كتبها، مضطرب الفؤاد، دائم البحث عن معنى للحياة، دائم التساؤل عن الله، عن الإنسان، عن علاقة الرجل بالمرأة، وعلاقة الجسد بالروح. يقرأ كفأر يأكل الورق كما شبهه صديقه الحميم. يقرأ لأنه لا يحتمل العالم من حوله، لا يحتمل نفسه ويبحث عن خلاص، وهو على يقين أنه لن يجده!
فما يلبث أن يدرس فلسفة معينة ويتعلق بشخصية فريدة ويغرق فيها مثلما فعل مع (المسيح – بوذا – زوربا – نيتشه – لينين) إلا ويسعى بعد فترة تطول أو تقصر ليتخلص منها وكأنها جاثمة على صدره تخنقه، ويحولها في النهاية لكتاب أو عمل أدبي. يحولهم – كما يحب أن يسميهم – إلى عتبات. عتبات في طريق صعوده نحو هاويته ليحدق بها مثلما فعل أسلافه، ويصنع من نفسه في النهاية عتبة أخرى نحو هاوية كل قارئ!
إنه لا يكتب بل يحارب. يكافح ليصعد. في كل عبارة تشعر به يحارب عالمه وأفكاره وماضيه، يحارب آلهته وشياطينه. تمامًا كما فعل أوديسيوس في الأسطورة الشهيرة.
الرواية بلا شك فقيرة في أحداثها، لكنها ثرية في حوارها وفلسفتها وذلك سبب كتابة كازانتزاكيس للرواية أساسًا تخليدًا لفلسفة زوربا عن الله والحياة والمرأة والزواج والموت.
The post زوربا اليوناني صديق كازانتزاكيس appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست