تحاول إسرائيل دائمًا إضفاء هالة من العظمة والخارقية وتضخيم كل ما يتعلق بأفرادها وقادتها، وكل من أتى بعمل مختلف مهما كان بسيطًا، وهو ما يفتقده كثير من أفراد الشعوب الأخرى كالعرب مثلًا. ومثالًا على ذلك، هو إلياهو شاؤول كوهين أو إيلي كوهين أو كامل أمين ثابت، اليهودي مصري الجنسية المولود عام 1924 والذي تم إعدامه في سوريا عام 1965.
حسب موسوعة ويكيبيديا انضم كوهين إلى منظمة «الشباب اليهودي الصهيوني» في الإسكندرية عندما كان في العشرين من عمره، بسبب حماسه للسياسة الصهيونية تجاه الدول العربية، مشجعًا اليهود للهجرة لفلسطين، عمل ضمن شبكة جواسيس إسرائيلية داخل مصر لتجنيد العملاء وتحريض اليهود للهجرة لفلسطين وتسهيل هجرتهم إليها عام 1949.
اعتقل في مصر عام 1954 إثر مجموعة من التفجيرات عُرفت بفضيحة لافون، إلا أنه أطلق سراحه بعد الفشل في العثور على ما يدينه، فخرج مهاجرًا بعدها إلى إسرائيل لينضم إلى الموساد، ثم ليعود بعد عام إلى مصر مرة أخرى، ليُعاد اعتقاله مع بدء العدوان الثلاثي على مصر في أكتوبر 1956.
هاجر مرة أخرى إلى إسرائيل بعد الإفراج عنه عام 1957، وتزوج بعد عامين من يهودية عراقية، وهام بين وظائف مدنية إلى أن وصل إلى المخابرات الإسرائيلية لتُعد منه جاسوسًا ذا شأن يتم غرسه في دولة عربية، ساعدته في ذلك عوامل عدة، منها إتقانه للغة العربية، ومعرفته بالعادات العربية لنشوئه في مصر.
اختارت له المخابرات الإسرائيلية اسم «كامل أمين ثابت» المسلم السوري الذي هاجر إلى الإسكندرية مع عائلته، ثم هاجر إلى الأرجنتين بعد ذلك برفقة أسرته لحوقًا بعمه المهاجر، حيث توفي والده هناك ليبقى هو فيها يعمل تاجرًا للأقمشة. كما تم تدريبه على إتقان اللهجة السورية، والتعرف إلى الإسلام وتعاليمه وتَعَلُم القرآن، والتعرف إلى طبيعة الحياة اليومية في سوريا، وأسماء قادتها السياسيين والاجتماعيين والاقتصاديين، كما وأتقن جميع المهارات التي يحتاجها جاسوس مثله، مثل استعمال الحبر السري، وإطلاق الإشارات اللاسلكية… وغيرها.
وبعد رحلة طويلة معقدة (حتى لا ينكشف أمره)، دخل بيونس أيريس بسهولة وسرعة ودون تدقيق كالمعتاد، باسمه الجديد وشخصيته الجديدة. حيث تعلم فيها اللغة الإسبانية زيادة في الحرص وإتقانًا للدور. بنى وجوده في الأرجنتين بسرعة كرجل أعمال سوري ناجح، وأسس شبكة من العلاقات الاجتماعية المتينة التي لا تشوبها شائبة مع الجالية العربية، فيها بدأها من التعرف إلى رئيس تحرير جريدة «العالم العربي»، والتي عرفه الجميع من خلالها بأنه ذلك الرجل المحب والحريص على وطنه، ويتحرق شوقًا للرجوع إليه وانتشاق ثراه.
كما كان حريصًا جدًا على إقامة شبكة كبيرة من العلاقات مع الدبلوماسيين السوريين خلال المآدب الفاخرة التي كان يقيمها «لإكرام أهل الوطن ومحبيه»، والتي كان يظهر فيها شوقه وحنينه لوطنه.
في نهايات 1961 وصلته الإشارة من المخابرات الإسرائيلية بالرحيل إلى سوريا التي ينتظر رؤيتها على أحر من الجمر، وحمل معه الكثير من التوصيات الرسمية وغير الرسمية من أولئك المقيمين في الأرجنتين والتي توصي بالاهتمام به والحرص على الثقة به والاستفادة من خبراته.
وصل إلى لبنان بحرًا، ثم دخل سوريا بسيارته التي كان يخبئ داخلها أجهزة التجسس الخاصة به برًا، والتي سهَّل دخوله إليها عملاء آخرون. وبدأ خلال فترة وجيزة تزويد أجهزة المخابرات الإسرائيلية بمعلومات مخابراتية برسائل أخذ يرسلها باستمرار، وأخذ يقيم علاقات واسعة ومتينة مع ضباط عسكريين، ومسؤولين في حزب البعث الحاكم، ساعده في تلك العلاقات إغداقه للهدايا والأموال عليهم في كل مناسبة، وإظهاره لحرصه على الوطن وقلقه عليه من حروب قد تقع مع الجارة العدو «إسرائيل».
وكان مسؤولوه في المخابرات الإسرائيلية قد حددوا مهمته بـــِ: تزويدهم بأية معلومات عن أية تحركات عسكرية يسمع بها أو يطلع عليها مهما بدت تافهة أو غير ذات قيمة، أخبار البلاد الاقتصادية والسورية والحديث الدائر في الشارع حول ذلك، أهم الشائعات المتعلقة بالأحوال السياسية والاقتصادية والعسكرية.
من خلال علاقاته الواسعة تلك، استطاع الاطلاع على معلومات عسكرية كثيرة تخص الجيش والأسلحة والتكتيكات المعدَّة في حالة نشوء حرب سورية إسرائيلية، وغيرها من المعلومات الحساسة. على الرغم من أن بعض المصادر تقلل من قيمة تلك المعلومات بسبب وصولها لإسرائيل من خلال الأمريكان قبل وصولها لهم من خلال كامل أمين ثابت، إلا أن ذلك لا يقلل من خطورة ذلك الجاسوس.
عمل كامل أمين ثابت في سوريا أربع سنوات قبل أن يتم افتضاح أمره، وسكن خلال ذلك في حي السفارات في دمشق، للتغطية على الإشارات اللاسلكية التي يرسلها لإسرائيل والتي ترسل السفارات إلى دولها إشارات مشابهة لها، على الرغم من أن لكل سفارة تردداتها الخاصة. حيث رصدت المخابرات السورية إشارات مرسلة غير معروفة المصدر أثارت شكوكهم، ووافق ذلك شكوى السفارة الهندية من تشويش على إشاراتها أعجزها عن إرسال إشاراتها للهند، الأمر الذي دعا فرقة رصد الاتصالات الخارجية التابعة للأمن السوري لتتبع مصدر الإشارات وتفتيش العمارات السكنية والسفارات القريبة إلى أن تم الكشف عن مصدر الإشارات، فتمت محاصرة المكان، واعتقل الجاسوس متلبسًا بجريمته. حاول أن يتناول السم، إلا أن الأمن السوري كان الأسرع إلى شل حركته وتقييده، استعدادًا للتحقيق معه ومحاكمته.
بعد أن أعلنت الصحف السورية عن اعتقال الجاسوس واعترافه بالتجسس لصالح الدولة الصهيونية، أخذت إسرائيل تضخم من دوره وإنجازاته وبطولاته التي قام بها، وتروج الإشاعات حول خطورة وحساسية العلاقات التي أنشأها، وأن أدق أسرار سوريا العسكرية والسياسية بيده، وأنه كاد يصل إلى رئاسة سوريا.
تمت محاكمة إيلي كوهين، وتم إعدامه شنقًا في ساحة المرجة وسط دمشق بحضور عدد كبير من الشخصيات المهمة والحضور العسكري، رغم تدخل الكثير من الجهات الأوروبية للضغط على سوريا لتخفيف حكم الإعدام واستبدال السجن به. كما لم تتوقف إسرائيل عن محاولاتها لاستعادة رفاته منذ ذلك الحين، إلا أنها كانت تقابل بالرفض السوري في كل مرة.
فيديو إعدام الجاسوس «كامل أمين ثابت» في سوريا.
The post تعرف إلى كامل أمين ثابت الذي أعدمته سوريا appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست