لم نُخْلَق لنفوزَ في كل تحديات الحياة التي نخوضها؛ فبعض هذه التحديات تصنعنا، وبعضها تكسرنا لتصنع منا أشخاصًا أكثر قدرة على مواجهة المستقبل الغامض، وبعضها تصحح مسارنا وتؤكد جدارتنا بما نصل إليه خلال تواجدنا في رحلة الحياة. استوعب العظماء ذلك مما ساعدهم على الترفع عن الصراخ والشكوى والضجر، فجعلوا من التحديات دروسًا أفادوا منها الكثير من الخبرات التي صنعت مجدهم الذي نتطلع إليه بكل فخرٍ وإعزاز. على الجانب الآخر فإن من أدمنوا الشكوى والتأفف والبحث اللامنتهي عن الأعذار؛ قد قيدوا أنفسهم وقعدوا عن ملاحقة أهدافهم. تراهم يسخرون من الناجحين دون أن يتقدموا قيد أنملة أو أن يبرحوا منطقة راحتهم.
إن التحديات التي نتعرض لها أشبه ما يكون بالحمل التدريبي، كلما اجتهد المرء في التدريب كلما كان نجاحه في التحدي أكبر، كان إصرار محمد علي كلاي على النجاح لا يوصف فكان يرسل لنفسه رسائلَ إيجابيةً مفادها أن: العرق في التدريب، يوفر الدماء في المعركة، وهذا ما صنع أسطورة كلاي. كان ذلك منهج الطامحين في كل العصور، فمثلًا لم يتمكن الإسكندر المقدوني من هزيمة داريوس مرتين والقضاء على الإمبراطورية الفارسية، إلا بقبول التحدي والإصرار على النجاح؛ كان في طوقه أن يتعلل بعدم تكافؤ الفرص وقلة عدد رجاله مقارنةً برجال داريوس، إلا أنه الإصرار على النجاح وبلوغ المراد بكل ما أوتي من قوة؛ لا أقول قوة البدن فحسب بل قوة البدن مُضْمَخَةً بقوة الروح والعزيمة. إذا نقلنا الصورة مرة أخرى إلى محمد علي كلاي تراه يقول لنا تعليقًا على انتصارات الإسكندر: هذا صحيح يا أصدقائي! فالعظماء يُصنعون من أشياء عميقة في داخلهم وهي الإرادة والعزيمة والإصرار.
إن كان ذلك كذلك فهذا يتطلب أن نُحسِن التعامل مع التحديات التي تواجهنا بحيث نصنفها إلى نوعين؛ النوع الأول التحديات البسيطة التي هي بمثابة الأحمال التدريبية التي نجتهد في توظيف مهاراتنا للإفادة منها قدر المستطاع، نتحدى أنفسنا من خلال هذه التحديات لتقديم أفضل ما في وسعنا استعدادًا للنوع الثاني من التحديات. أما النوع الثاني فيتمثل في التحديات المصيرية؛ التي يجب علينا ألا ندخر جهدًا في استثمار كل ملكاتنا لخوضها؛ فهي التي يتشكل منها التأثير الحقيقي للفرد في المجتمع، هي بصمة الإنسان في الحياة التي تؤطر وجوده وتصنع مجده. التعامل مع التحديات على أنها السبيل الذي يصنع النجاح يترتب عليه مواجهة التحديات بشجاعة وعدم الفرار منها، فالتحديات الصغيرة كالأمصال تستخدم لتقوية الإنسان حتى يقوى على التصدي للتحديات الكبيرة، تمامًا كما يستفيد الجسم من المصل أو اللقاح في الصمود أمام المرض المهدِّدِ للحياة. والآن هل تعلم كيف تمّ اكتشاف قوة المصل في الحفاظ على الإنسان؟!
يعود الفضل في ذلك إلى إدوارد جينير Edward Genner الطبيب البريطانى الذي عاش في الفترة 17 مايو (أيار) 1749– 26 يناير (كانون الثاني) 1823، وقد تتلمذ على يد الجراح الكبير جون هانتر John Hunter صاحب مدرسة الجراحة البريطانية التي تحمل اسمه والنصب التذكارى فى لندن. ويعد إدوارد جينير أول من اكتشف لقاح في التاريخ عام 1798. قام إدوارد جينير في مدينة بركليBerkeley البريطانية بملاحظة ودراسة الآنسة سارة نيلمس Sarah Nelmes حلابة البقر التي أصيبت بالجدرى Smallpox سابقًا، ووجدت بعد ذلك محصّنة ضدّ الجدري؛ وذلك لأنها كانت قد أصيبت بحمى جدري البقر من قبل.
قادت الصدفة البحتة إدوارد جينير لاكتشاف اللقاح، ففي أحد أيام عام 1798 جاءت الآنسة سارة نيلمس تستشير إدوارد جينير في مرضٍ ما، وعند سؤالها إذا كانت أصيبت بالجدري، أكدت له أنها تعرضت لجدري البقر ثم استطردت في حديثها قائلةً: “لذلك لن أصاب بجدري البشر ما حييت” … فى بادئ الأمر استغرب جينير من تلك المعلومة، لكنه آثر أن يستكشف الأمر. بدأ الطبيب يبحث في خفايا هذا السر، ومن خلال ملاحظاته والقصص التى سمعها من فلاحي القرية، اكتشف أن جدري البقر نوعان يشبه أحدهما جدري الإنسان cowpox؛ فاستفاد منه واكتشف بالمصادفة أن الإصابة بفيروس جدري البقر تقي البشر من ويلات الإصابة بمرض الجدري، والذي كان يعتبر أخطر وباء يصيب البشر في ذلك الحين. أراد أن يتحقق من صدق ملاحظته، فطَعَّم (لقَّح) صبيا يدعى جيمس فيبس Games Phipps بسائل استخرجه من بثور بقرة سارة نيلمس والتي تدعى بلوسوم Blossom، وبعد أسبوعين عاد فطعم الصبي نفسه بسائل مستخرج من بثور جلد إنسان مصاب بالجدري؛ فضعف جيمس قليلًا، ثم تعافى ولم تظهر عليه أعراض وعلامات مرض الجدري.
وكان جينير قد أجرى تلك التجربة في عام 1796 ثم كرر التجربة بعد نجاحها على متطوعين آخرين على مدى عامين كاملين، وفي عام 1798 نشرت الصحافة الطبية نتائج تجارب جينير في التحصين ضد الجدري؛ التي كانت بدايةً طيبةً لوسيلة فعالة في مكافحة المرض، وعندها قوبلت تجاربه باستنكار واستهجان شديدين؛ كونه طبيب ريفى يصل إلى نتائج لم يفطن لها أطباء لندن الكبار!!
فى عام 1840 اعترفت الحكومة البريطانية بفاعلية طريقة جينير فى الحد من اجتياح الجدري، كما منعت الحكومة استخدام أية وسيلة لمواجهة مرض الجدري عدا هذه الطريقة. وأدخل جينير كلمة «تحصين أو تطعيم أو تلقيح» إلى معجم المصطلحات الطبية. طوّر جينير اللقاح الأول مستندًا على هذه النتائج، وبعد جهد طويل قام بحملة تطعيم استمرت إلى أن أعلنت منظمة الصحة العالمية استئصال الجدري من العالم في عام 1979. ولم يتقدم إدوارد جينير بتسجيل براءة اختراعه؛ خشية أن يصعُب على الفقراء شراء هذا اللقاح، فكان هذا الابتكار بمثابة الهدية التى طوق بها إدوارد جينير العالم بأسره أبد الدهر. وكلمة اللقاحvaccination باللاتينية تعني البقرة vacca واستخدمها فى لفتة منه للبقرة بلوسوم التى اعتمد عليها فى تجاربه؛ مما يعكس اهتمامه وعمله بجدري البقر والبشر. وتقديرًا لجهوده فقد تم تعميم استخدام هذه الكلمة فيما بعد، كما أن اللقاحات التي تعطى لكل طفل منذ الأشهر الأولى لولادته تحصنه ضد عدد كبير من الأمراض؛ مثل الحصبة، وشلل الأطفال، والتهاب الكبد الفيروسي، وغيرها أساسها تجارب ونتائج جينير. من هذه البداية ظهرت عشرات اللقاحات وتطورت أساليب استخلاصها إلى أن ظهر الآن علم متكامل اسمه علم المناعة والأمصال Immunology and Serology والذى يرجع الفضل الأول فيه إلى تجارب إدوارد جينير. وقد قامت بريطانيا بتحويل منزل الدكتور إدوارد جينير لمتحف يعرض لبعض جوانب حياته الشخصية ومعداته الطبية، ومن بين المعروضات قرني البقرة بلوسوم. كما تم عمل تمثال رسمى له في هايد بارك Hyde Park أكثر أماكن لندن هدوءً.
إن التعرُّض للضربات والتحديات المتباينة في كل يومٍ يعد بحقٍ أحد أوجه التدريب على النجاح في التحديات المصيرية في حياة المرء. وإذا كانت الطرق الممهدة لا تصنع قائدًا ماهرًا، فإن عدم التعرُّض للتحديات لا يكشف للإنسانِ مدى قوته. ربما كان المرء بكسله عن قبول التحديات فريسة لهذه التحديات فإذا اشتد الخطب؛ تبين له خطل رأيه وذاق وبال أمره. أَقْبِل على تحديات الحياة بروحٍ يحدوها الإصرار على النجاح والتفاؤل، وتذكر أنه يفوز باللذة الجسور.
The post التحصين ضد الفشل appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست