الأربعاء، 29 مارس 2017

ثقفني اون لاين : الإسلام الموسمي: الإرهاب نموذجًا

قضيةُ الدين والأمة الإسلامية قضية فرعية عند غالب مسلمي اليوم، ومؤخرًا بدأ ينتقل الدين من كونِه قضيةً فرعية إلى قضية موسمية. من أجل مواكبة الحدث اليومي لا أكثر. فنشاهد دوريًّا نفسَ القضايا تُثار بنفس الطريقة: من الإرهاب إلى الزواج والعلاقة بين الرجل والمرأة مرورًا بالتعدد وصولًا للدروشة والتصوُّف المكذوب، وليس انتهاءً بالسياسة.

وهنا سأتناول حادثًا قديمًا، لا لبعده الزمني وإنما لتوالي الأحداث التي شغلت العالم الإسلامي مِن بعده، وهو قتلُ الصحافيِّين الفرنسيين بعد رسمهم صورًا مسيئة للرسول –صلى الله عليه وسلم- وتبنّي داعش للهجوم. وحديثي هو محاولة لفهم ونقد طريقة تناولنا كعرب مسملين لهذا الحادث وأشباهه في كل مرة.

وسأبدأُ بسرد بعض المقدمات

-من الخطأ أن نستحسنَ ما تستحسنُه أنفسُنا، ونستقبحَ ما تستقبحه، هكذا مباشرةً بلا سابق معرفةِِ أو علمِِ أو حتى تأهيلِِ نفسي كفيل بذلك. خاصةً حين يكون للشرع –الذي ألزمْنا أنفسَنا به مُسبقًا- رأيٌ فيما نتحدث عنه، فهنا: الحَسَنُ ما حسَّنه الشرع والقبيحُ ما قبَّحه الشرع.

فمثلًا القتلُ كفعلِِ مُجرَّدِِ أمرٌ قبيح، وقبَّحه اللهُ للنفوس السليمة، كذلك الجَلْد. لكنه أمَرَ الناس به في حالات محدَّدة، لحكمة قد تظهر وقد لا تظهر، للبعض أو مُطلقًا. وهذه مسألة تعتمد بشكلِِ مباشرِِ على قضية الإيمان بالله ووجودها من عدمه.

-القتلُ بالطيران كالقتلِ بالسكين، لا يختلف حين تراه عنه حين لا تراه، ولا يختلف حين يتم التركيز عليه إعلاميًا عنه حين يتم التغافل. واختلاف ردود الأفعال في كل حالة عن الأخرى يجعلها ردودَ أفعالِِ عاطفية وقتية ليس إلا.

-ما هو الإرهاب؟ وما هي أول صورة ذهنية تشكَّلت داخل عقلك بمجرد قراءتكَ للكلمة؟

فبمجرد أن نضع تعريفًا موضوعيًا للإرهاب سنكتشف كم كانت مخيلاتنا بعيدةً تمامًا عن الموضوعية، وكم كنا بعيدين عن الموضوعية حين وزَّعنا حجم اهتمامنا بالقضايا من حولنا.

وإلا فلماذا لا يمكن تصنيف الدولة الأمريكية كأكبر إرهابي في العالم بعد قتلهم ما يزيد على المليون عراقي نصفهم من الأطفال؟ بينما يتم تصوير داعش كيأجوج ومأجوج هذا العصر بعد قتلهم آلافِِ قليلة أغلبهم في معارك مباشرة؟

ولماذا يتم تجريم الجماعات المتطرفة التي تقتل عشرات من الأبرياء بينما لا يتم تجريمُ أنظمةِِ ودولِِ بأكملها تمارس الإرهاب والقتل والتعذيب ليلًا نهارًا داخل إطار القانون المُتوَهَّم وخارجُه؟

لماذا حين يتم قصف غزة وقتل الأطفال والشيوخ لا يعبأُ أحد، بينما سقوط صاروخ بدائي في شارع فارغ في الأراضي الفلسطينية المحتلة مسألةُ حياة أو موت ينعقد لها مجلس الأمن؟

ولماذا يمر حرقُ سرادق عزاء كامل باليمن تحت قصف الجيش السعودي بدعمِِ أمريكي مرورَ الكرام، بينما العالم العربي كله عرف أن صاروخًا حوثيًّا وجد طريقه إلى مكة، تحديدًا إلى مكة دون غيرها، طبقًا للرواية السعودية؟

لماذا حين يُقتل مئاتُ الأطفال في سوريا يمر اليوم طبيعيًا بينما قتلُ ضابطِِ في أحد الجيوش مسألة أمن قومي؟

ليست المؤامرة، وليس الانحياز فقط، وإنْ كانَا موجودَين بالطبع، ولكنه الاعتياد أيضًا، الاعتياد على الخطة، الاعتياد على المسار الذي يسلكه عالم اليوم، الاعتياد على موت الفلسطيني والسوري، الاعتياد على التعذيب في سجون أمن الدولة، الاعتياد على الجبروت الأميريكي، كل هذا يسير وفق الخطة، كل هذا يصنع معزوفةً متناسقةً ومنسجمة، ليس مقبولًا أبدًا أن تلعب منفردًا. ليس من مُنطلق تنفيذ القانون ولا من باب وهم الإنسانية، وإنما الذي يجعل مقتل قاضِِ أو مسئولِِ مختلفًا عن مقتل نصف مليون سوري هو أن حماية هذا المسئول جزءٌ من الخطة، من النظام الذي يسير وفقه هذا العالم، بينما هو لا يحفل على الإطلاق بأرواح السوريين. إن إراقة دماء السوريين لا تروِّع العالم، بينما مقتلُ هذا المسئول جريمةٌ تصيب العالم كله بالجنون، فقط لأنه قتلٌ لم يتم وفق الخطة.

في الحقيقة إن الغربَ مسئولٌ عن دماء ما يزيد على المائتي مليون إنسانِِ في القرن الفائت فقط، وبدأ القرن الحالي بنصف مليون طفل عراقي، في اعتداءِِ واضح وليس حتى حربًا، وحتى هذه اللحظة يستكثرُ العديدون مجردَ الاعتذار عنه. بالطبع كان في حاجة لإعادة حساباته بعد كل ذلك، لكن للأسف لم يعطل ذلك حكومات الغرب عن انتقادنا وظلمنا ودعم وتأييد الحكومات المستبدة في بلداننا إلى هذه اللحظة. في الوقت الذي يسارع المصدومون حضاريًا من أبناء ملتنا ولغتنا وثقافتنا للاعتذار عن أيِِّ ما كان، والتصدُّر لدفع التهم عن ديننا حينًا وإلصاقها به أحيانًا، كل ذلك لعلاج إشكالاتهم النفسية والفكرية ليس إلا.

لستُ في محاولةِِ لوضع كفةِِ أمام الأخرى، بل أبحث ع الموقف العادل من القضايا.

عودًا على ذي بدءِِ فتأصيل المشكلة أهم، الحديث عنها مباشرةً أمرٌ بسيط، الجميع باستطاعته ملاحظة العَرَض، لكن ليس الجميع أطباء. كلنا نستطيع الجزم بأن فلانًا مريض، سواء كنا من أقربائه أو لم نكن، (ننتمي له) أو (لا). لكن من بالنهاية سيحمله إلى المَشفَى؟ ومن سيعالجه؟ ليس الجميع سيحاول، وليس الجميع سيسلك الطريقَ الصحيح لينجَح.

المشكلة يمكن رؤيتها على ثلاثة محاور: التطرُّف من بعض المسلمين، والتطرف ضد الإسلام، والأمة الإسلامية التي تخلَّت عن دورها.

أول محورين انعكاسٌ للثالث: دورُنا.

الأمة الإسلامية ليست شعبُ الله المُختار، فخيرُ أمةِِ أُخرِجَت للناس مشروطةٌ بشرطِِ واضح، وهو أن نكون حاملي الراية، أن نؤهل أنفسَنا كمسلمين لمهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكر وتبليغ الناس بالشريعة الخاتمة بالوسائل التي أتاحها لنا الشرعُ، فخيرُ أمةِِ أُخرِجَت للناس تشريفٌ جاء من رَحِم التكليف.

فلسفيًا العمود الفقري للدين هو مفهوم الخلاص، و لن يفهم العالم ولن يجدَ مُبرِّرًا لكونِنا حاملي الشريعة الخاتمة ولعالَميةِ الإسلام بدون مفهوم الأمة التي يُفتَرَض بها حمل الرسالة، بدون مفهوم الأمة فكرةُ الخلاص وإقامةُ الحُجة غير مُستساغة لا في إطار إنساني ولا سياق تاريخي.

يقول تعالى:كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ. كما يقول:وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ. وهو القائل: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ، كما يقول: وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ.

لذا فأيُّ محاولةِِ للإطلاق هي ضربٌ من الوهم الذي أنتج التناقض الذي يعيشه مسلِمُو اليوم، فنحن لا نحيا كخير أمةِِ أُخرِجَت للناس، لكن يبدو أننا نتعامل كخيرِ أمةِِ أُخرجَت للناس بلا استحقاق. تحت هذه الحقيقة يمكننا تفسير العديد من مشاكلنا. فالأمة التي اعتادت لعبَ هذا الدورِ ذات يومِِ ثم تخلَّت عنه وتنكَّرت له، من الطبيعي أن تصبحَ أكثر الأمم ذلًّا وخضوعًا، وفي نفس الوقت استبدادًا وتعصُّبًا وظلمًا لنفسها. أمة مغلوبة على أمرها بأمرها.

قضية الدين قضية شخصية، قضية الأمة قضية شخصية، ولو كان هناك درسٌ نتعلمه من الفتنة الكُبرى فهو هذا لا شك: أن اختيارنا للجانب الذي سنقف به حتى ولو كان الاعتزال لابد أن يكون من مُنطَلَق المسئولية، لا معاملة الدين والأمة كقضايا لا تخصُّنا نتحدث عنها من الخارج، أو قضايا فرعية أو موسمية تعلو حينًا وتهبط. ولو انتهج المسلمون هذه الطريقة فهي القادرة ولو بعد حين على الوصول بنا إلى مجتمعِِ مسلمِِ، بحياة اجتماعية واقتصادية وسياسية تتوافق مع اعتقاداتنا.

إنَّ مسلمي اليوم يعاملون معظم قضاياهم المُثارة كمسائل نظرية بحتة لا مصداق لها في الواقع، هذا لأنهم لا يملكون أمرَ أنفسهم. ففي النهاية كل ما نعترض عليه من ظواهرِِ حولنا حتى وإن لم تَكُن نتاج تقصيرنا، فاستمرارها مرهونٌ بنا، ومجرد كلامنا عنها لن يحررنا من الحساب.

The post الإسلام الموسمي: الإرهاب نموذجًا appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست