الأربعاء، 29 مارس 2017

ثقفني اون لاين : رسالة من إبليس إلى الحكام العرب

جافاني النوم فقضيت ليلتي مسهدًا. حاولت أن أستغل فرصة أرَقي للتفكير في موضوع ما أكتب فيه.

لكن عن أي موضوع سأكتب؟

وأي تفاصيل سأذكر؟

وهل هناك شيء يستحق أن يُقال ولم يُكتب فيه بعد. فنحن أمة تتكلم أكثر مما تفعل. ولا ملامة علينا فنحن من سليل أمة العرب التي كانت تبيع الكلام والتي أنشأت لذلك أسواقًا.

على كلٍ، لم أدرِ كم قضيت وأنا على هذه الحال من التفكير السلبي. استيقظت من تفكيري لأجد نفسي وسط رؤيا لا هي بالتخيلات ولا هي بالهلوسة. هي رؤيا فوق الحلم ودون الكابوس. كنت قد غفوت فعلًا فرأيت فيما يرى النائم أنّني جالس على أريكتي المتهالكة مقابلًا التلفاز. أشاهد ما حلّ بوطننا العربي من خراب ودمار وتمزقات. آلام هنا وآهات هناك. موت هنا وموت هنالك. وإذا بالشريط الأحمر العاجل يعلن أن اللعين إبليس قد أرسل رسالة عاجلة إلى الحكام العرب ستُبث حصريًّا على قناة إخبارية عالمية. انتظرتها بشغف وفضول قاتل، رغم أن الرسالة لا تخصني. فأنا ولله الحمد لم أُمسخ حاكمًا عربيًا بعد. بعد انتظار دام لحظات بُثّت الرسالة أخيرًا وكانت تُقرأ بصوت إبليس النشاز على المباشر. وكانت فحواها فيما أذكر دام فضلكم:

أبنائي الحكام العرب، وبعد:

هذه رسالة شكر وتقدير وتحية وتشجيع لمساهمتكم الفعّالة في تدميركم الأوطان ومحاربتكم الإسلام وتشريدكم الشعوب وإزهاقكم الأرواح وسرقتكم الرغيف من أفواه الجائعين. فشكرًا لكم ملء الأرض دمًا.  

مددتم إليّ يد العون حين كف الصالحون عنّي أيديهم. كنتم خير سند لي حين خذلني الأحرار والثائرون. اليوم فقط أعترف أمامكم أن التلميذ بإمكانه التفوق على أستاذه. وها قد فعلتموها.

فمن الذي قتل شعبه غيركم؟

ومن الذي هجّر وشرّد شعبه غيركم؟

ومن الذي سجن شعبه وخنق حريته غيركم؟

ومن الذي كرّه العالمين في الإسلام غيركم؟

ومن الذي؟ ومن الذي؟ شكرًا على كل شيء فعلتموه.

شكرًا لأنكم تملؤون الطائرات الحربية الإسرائيلية بوقودكم ثم تنعون ضحايا قصفهم على شاشاتكم.

شكرًا لأنكم تُسبّحون بحمد إسرائيل ليلًا وتكفرون بها نهارًا.

شكرًا لأنكم تلعنونها بقنواتكم ثمّ تحرسون سفاراتها على أراضيكم.

شكرًا لأنكم تلعنونني جهرًا وتسجدون بين يدي سرًا.

فيا لدهائكم الذي حُرِمتُه ورُزقتموه!

شكرًا لكم على قُبح صنيعكم. وشكرًا لكم على ما فعلتموه وما لم تفعلوه بعد وأنا متأكد أنه لا يزال في جعبتكم الكثير لتقدموه قربانًا لي. فشكرًا جزيلًا.

أتباعي المخلصين إني فخور بإنجازاتكم والتي لا أخفيكم أني عجزت أنا شخصيًا عن تحقيقها حين كان الخلفاء الراشدون يقفون شوكة في حلقي وحجر عثرة في طريقي فكانوا كلما سلكوا فجًّا إلا وسلكت فجًا غيره خوفًا ورهبة. عجزت حين قال الفاروق قولته الخالدة: «لو أن بغلة في العراق تعثرت لخشيت أن يسألني الله عنها لمَ لمْ تمهّد لها الطريق يا عمر؟». عجزت حين كان الخليفة يُؤمن بحقوق البهائم قبل حقوق الرعية ويحسّ بالمسؤولية تجاه البغلة قبل شعوره بالمسؤولية تجاه الإنسان. عجزت حين كان الإنسان يُؤمن بإنسانية أخيه الإنسان. عجزت حين كان خلفاء الله في الأرض يُستغاثون فيُغيثون. يُستنصرون فينصرون. يُستصرخون فيصرخون في ساحات الوغى الله أكبر. عجزت حين كانت الإنسانية رمزًا للنصر قبل أن تلوثها شعارات متعصبة بلهاء. هل فهمتم لماذا فشلت أنا ونجحتم أنتم؟

أيها الحكام العرب، اليوم يقف أبنائي لكم احترامًا ويسألونني (قد فعلنا كذا وكذا فماذا سنفعل الآن؟) فأجيبهم بحنق: ما صنعتم شيئًا أبدًا. وخير لكم أن تذهبوا إلى حكام العرب فإن لهم فهمًا ليس للأبالسة منه حظ، تواضعوا لهم تواضع المتعلّم للمعلم، اجثوا على رُكبكم وتزودوا منهم خُبثًا لا يخالطه نقاء وكذبًا لا يشوبه صدق.

أبنائي الحكام، أعترف لكم أنني قد خالفت مبادئي التي رسمتها لنفسي فشكرتكم وما شكرت أحدًا قبلكم. وقد بلغكم نبأ رفضي السجود لآدم وما ذلك إلا علوًّا مني واستكبارًا. فإن تساءلتم فلم قد حظينا بما قد حُرمه أبونا قبلًا؟ فأجيبكم: ذلك أنكم أبنائي ومن نسلي. فمحال أن تكونوا من آدم وقلوبكم لا تحمل ذرة من رحمة ولا قطرة من إنسانية ولا نبضًا من ضمير. فأنتم من سليلي ولا فخر!

ختامًا، ورغم أني أعلم – وأنا أعلم أهل الأرض جميعًا – كما لا يخفى عليكم – وأنتم لا يخفى عليكم شيء طبعًا – وكيف يخفى وأنتم تحصون عدد أنفاس شعوبكم بالزفرات والشهقات. أقول رغم أنني أعلم أنني ما وفّيتكم قدركم ولا عشر معشاره؛ سعيتم فكان الدمار، حللتم فحلّت الآلام، فكان هذا تعبيرًا مني عن شكري لكم وامتناني. فتقبّلوه منّي محمّلًا بأبهى اللعنات.

وإنني ومن موقعي هذا أشدّ على يدكم.

وأقول: استمرّوا. استمروا فإني مُفاخر بكم الشياطين ولا تنسوا أن تُبلّغوا تحيتي وسلامي لوعاظكم وعّاظ السلاطين.

استيقظت. كنت قد استيقظت فعلًا هذه المرة وأفقت من هذا الحلم الذي نغّص عليّ نومي وأفسد عليّ يومي. تعوذت بالله من الشيطان الرجيم مرّة ومن أبنائه ألف مرة. ثم قررت أن تكون هذه الرؤيا مادة نشري، ولسان حالي: (يا أيها الملأ أفتوني في رُؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون).

The post رسالة من إبليس إلى الحكام العرب appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست