الأربعاء، 29 مارس 2017

ثقفني اون لاين : حلب ترقد داخل حلب 

أبوءُ لكْ.. 

عندما لن تجد من يذكرك بعدها فالكل قد رحل

حين لن تجد من يدفنك جوارها فلقد دفنت الكل

عندما تكون الأخير..

أشبه بيوم الميعاد، هكذا فكر، تتساقط السماء عليهم كسفًا وتدور الأرض بهم، يحمل آخر ما تبقى منه بين ذراعين ملطخين بالدماء، في السماء طير أبابيل يرمون ببراميل من سجيل، تبكي الصغيرة بين ذراعيه، تهبط دمعاتها الدافئة على يده الممتلئة بدم أمها التي كانت تعد طعامًا لم يُكتب في صحيفة رزقهم حين كانت الأنظمة الكونية تناقش عقاب هؤلاء المجرمين الذين ارتكبوا جريمة الحياة! في حق أنفسهم!

اختلط دمع حلب بدم الشام على يده، اختفت الأبابيل من السماء معلنة نهاية حصة العقاب المقررة حتى إشعار آخر!

انتظرت السماء حتى ابتعدت الأبابيل كفاية. ثم أمطرت بكاءً بلا توقف، تتساقط قطرات المطر وتمتزج بالدم في لقاء حميمي كعاشق يصحب معشوقته بعيدًا عن الأنظار، يصحب المطر دماء حلب حتى يستقر بها تحت التراب، وكل ما فوق الترابِ ترابُ.

ها هو يدفن حلب الصغيرة في حلب الكبيرة. لم تكن السماء قد توقفت عن البكاء، كانت تبكي حلبًا المدينة وحلبًا الصغيرة، بعثت السماء رسالة حملتها قطرات المطر إلى تراب حلب توصيها بالصغيرة خيرًا، رد التراب أن اطمئني فهي مني وأنا منها ثم عم الصمت وتجهزت أرض حلب لاحتضان حلب.

نادى الحزين بما أذنت له أحبال صوته به. توقفت السماء عن البكاء تنصت إلى الحزين.

يا رب أبوءُ لكَ.. يارب.

أبوء لك بضعفٍ يَقهرني، أبوء لك بقهرٍ أضعفني.

أبوء لك بنعمتك عليّ وأبوء بضعفي فارحمني فإنه لم يعد يرحمنا إلا أنت.

عادت السماء للبكاء.

غربت شمس حلب بعد نهار أطول من المعتاد وإن يومًا في حلب كألفٍ مما تعدون!

عندما تكون الأخير، عندما تبكي السماء، عند باب السماء في بطن الأرض،عند قهر الرجال وعندما غربت الشمس، هناك كانت ترقد حلب داخل حلب داخل شام.

صورة.

تجمع الضباب فوق المدينة محاولًا إخفاء خطبٍ ما. من أعلى يبدو الهدوء التام، فقط لون الضباب الداكن يعكر صفو الجو.

صوت.

في الأسفل كانت هناك الصرخات، فقط صرخات، ثم أنين، ثم الله أكبر، ثم صرخة، ثم أنين، ثم إنا لله وإنا مظلومون ثم لا شيء، لا صوت، هدوء تام لونه أحمر.

الضباب في هذه المعمعة سيد الموقف، مقيمًا بجبروته، ما أن ينتهي من مدينة حتى يتمكن من أخرى.

لوهلة تشعر أن الضباب ضد، أنه في الجانب الآخر، لكنه لا ولم يكن كذلك، كان دائمًا هناك، معنا، يحمينا من شماتة الشامتين ومن تعرِّينا أمام الذاكرة. يسترنا من أعين الحاقدين. نعيش ألمنا وحدنا، وحده الله كان يسمع ويرى. وكان هناك أيضًا الضباب شاهدًا. تحين منه التفاتة إلى وجوه البؤساء ومن ثَمَّ يتبعه بكاء السماء.

لم يكن الضباب ينجح في كل مناوراته، بعض المرات كانت تنجح الكاميرات في التلصص على ألمنا وبثه على الشاشات.

لا ندري أكانت إخفاقة من الضباب في سترنا أم أنه كان نداء استغاثة لم يُغَث قط!

انتهى الحزين من دفن صغيرته، انتهى الحزين فقط، وضع آخر ما تبقى منه تحت التراب، لم يتبقَ سوى جسد حزين وثلاث رصاصات! أطبق عليهم كفه المتشقق، روحه ضائعة في عالم اللاشيء، هو الآن صفر على اليسار، صفر فوق الأرض! تمنى أن يحتضنه التراب فيهوي به إلى الأسفل إلى صغيرته، يتمنى أن يهبط صفرًا على يمينها، إنه الآن لا شيء بدونها، صفر بدون واحدته!

علت صرخة تضاهي البرق في جبروتها، لكنه لم يعهد البرق خائفًا منكسرًا! جاءه صداها من بعيد، انتزعته بقوة من عالم اللاشيء خاصته! كان صوت فتاة تستغيث، تناهى إلى سمعه ضحكات ذئاب مختلطة بصراخ الفتاة تعلن عن فاجعة ستحدث بعد قليل.

مجموعة من الذئاب تجول ساحة العقاب وتقتات على ما تبقى من حياة!

فار الدم في عروق الحزين،من نسج الذكريات تراءى أمام عينه فيلم قصير! مشاهد الفيلم متداخلة، سريعة وقصيرة كاللحظات الجميلة في حياته. رأى حبيبته ومعشوقته، يعشقها هو حد الجنون، رأى صغيرته مبتسمة، ثم رآها تبكي، رآها بين ذراعيه تغط في نوم عميق، ثم رآها بين ذراعيه تبكي أمها وطفولة ليست كما الطفولة. رأى حلبًا ثم رأى حلبًا.

عندما وصل الحزين إلى مصدر الصوت رأى خمسة سادسهم كلبهم أو سبعة ثامنهم كلبهم لم يستطع أن يميز عددهم، كان مشوشًا، غاضبًا وحزينًا. الله أعلم بعدتهم.

تجمعت الذئاب حول الفتاة على شكل دائرة يقل نصف قطرها تدريجيًا كلما اقتربت الذئاب من الفتاة. في مركز الدائرة كانت تقف الفتاة تنتظر أن ثمة من سيوقظها من هذا الكابوس المرعب، ولكن لا أحد، لطمت خدها بقوة علَّها تستيقظ ولكن لا فائدة، لا موقظ ولا منقذ، الدائرة مغلقة بإحكام لا تسمح بمرور الأمل.

زمجرة شقت ظلام الليل، كان الحزين الغاضب، توقفت الذئاب عن الاقتراب، دبَّ الرعب في قلوبهم، بدأت الدائرة في الاتساع وتسرب الأمل إلى داخلها.

قمة الرعب هو تلقي ضربات لا تدري من أين تأتي ولا متى، انتظار الضربة دائمًا أكثر إيلامًا يكون.

سقط أحد الذئاب ثم آخر، رصاصاتان استقرتا في رأسي الذئبين، لاذت الذئاب المتبقية إلى أسلحتها وبدؤوا يطلقون الرصاص إلى غير وجهة. لا يرون شيئًا. الحزين مختبئ في الظلام، لا ضوء غير ضوء سيارتهم يضيء فقط بضعة أمتار أمام السيارة، ولا أضواء للمدينة التي دمروها بأيديهم. الآن عاد الظلام الذي هو من صنعهم ليخنقهم ويلاحق خطاياهم، أوليس الظلم ظلمات!

ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون. كان الظلام يقاتل في صف الحزين بناءً على طلب من الضباب!

انتظر الحزين بضع دقائق، كان عليه أن يقرر، تبقت لديه رصاصة واحدة وأربعة ذئاب، اختار أكبر الذئاب حجمًا والذي يبدو أنه قائد القطيع وصوب جهة قلبه، قبل أن يطلق رصاصته الأخيرة نظر إليها وهمس «كوني مؤلمة» ثم أطلق.

نفد رصاصه ولا تزال الفتاة خلف خطوط الذئاب، كان عليه أن يقترب ويظهر، نظر الحزين إلى الظلام يستجدي مساعدته. شاح الظلام بوجهه عن الحزين، قال الظلام بخجل لم ينجح في إخفائه «مهمتي تنتهي هنا، لا أستطيع أن أقترب أكثر»!

أخرج الحزين سكينه وتأملها ثم نظر إلى ثلاثة الذئاب المتبقية، يعلم أنه يعود، ويعلم أيضًا أنه لن يترك لهم الفتاة.

غارقين في رعبهم كانوا، تذكر صغيرته، قال أنا قادم حبيبتي، كي أكون لكِ، كي تكوني لي، قادم أنا يا صغيرة. كي أكون صفرًا على يمينِك.

خلف الضباب، خارج أسوار الحياة، صرخة وأنين، ذئاب وساحة عقاب حزين وصغيرته، هدوء وأحمر داكن، سكين وثلاث رصاصات وصفر على اليمين. هناك…

The post حلب ترقد داخل حلب  appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست