عود على بدء، مع ما لم يكن في حسبان من انطلق نحو حلمه محاولًا أن يكون شيئًا مذكورًا. والإنسان في هذه الحياة كالسفينة التي تمخرُ في عرض البحر وتشق عبابه والموج يُلاطمها فترتفع تارة، وتنخفض تارة أخرى، وتحيد عن مسارها؛ وذلك ليس منها، بل مما حولها فلا تملك إلا الثبات، والتوازن، والاهتداء إلى قصدها بحثًا عن نجاتها.
مضت عدة دقائق، ثم أتى إليّ الضابط يقول أرجو أن تتبعني، فمشيت معه أتهادى، غير شيء، فدخلت معه إلى مكتب صغير هو مكتب التحقيقات.
قال الضابط: اجلس ثم انهال عليّ مِنْ كُلِّ صوب وحدب بالأسئلة بشكل سريع!
ما اسمك؟ إلى أين ذاهب؟ ما غرض سفرك إلى الولايات المتحدة؟ كم عمرك؟ ما لون شعرك؟ ما لون عينيك؟ أين تعيش؟ هل تعرف أحدًا في الولايات المتحدة؟ ما رغبتاك الدراسية؟ من أين تحصل على المال؟
أجبت عليه بكل ثبات وحدّة ثم قال: أريد أن أخبرك أنك سيئ الحظ!
فقلت: لماذا؟
قال: التأشيرة التي تحملها في جوازك قامت القنصلية بمدينة جدة بإلغائها؛ لذا يتوجب عليك العودة إليهم كي تعلم منهم ماذا حدث، أنا هنا لا أعلم لماذا تم ذلك!
فقلت: أنت تكذب التأشيرة لم تُلغ؛ لأني لم أصعد إلى الطائرة في مطار جدة إلا بعد أن تم فحصها والتأكد من سلامتها، أنت من يريد إلغاءها، لماذا لم يتم إبلاغي عبر الهاتف أو البريد الإلكتروني، وأنا في السعودية أو إبلاغ شركة الطيران بأني شخص غير مرحب به، ولديكم كافة المعلومات عني، وتستطيعون الوصول إليّ بكل يسر وسهولة!
قال: لا أعلم، اذهب إلى الصالة وانتظر هناك!
عدت إلى تلك الصالة، وهممتُ بإخراج هاتفي من أجل التواصل مع أسرتي، والاتصال على السفارة بواشنطن، وإبلاغ المحامي، وما هي إلا لحظات قليلة حتى أتى إليّ ضابط آخر قال: لا يمكنك أن تستخدم الهاتف هنا!
فقلت: أريد أن أطمئن أسرتي على حالتي.
قال: ماذا تعني بأسرتك؟
قلت: أمي وأبي.
قال: لا يمكنك ذلك!
حينها تملكني شعور أن الحديث معه سيكون عبثًا لا طائل منه، فقلت له بوجه كالح عابس: لا أريد التحدث معك.
ولم أشعر أن منعي من استخدام الهاتف كان بالمشكلة الكبرى؛ ذلك لأني ممن يعتمد على نفسه في قضاء شؤون حياته، وقد مررت بالكثير من المواقف والأحداث خلال الأعوام الماضية فكانت لي خير معين في التعامل مع هذا الخطب العظيم.
والإنسان يتعلم في حياته أمورًا كثيرة لا سبيل إلى إحصائها، والعبرة دائمًا ليست بكثرة ما تعلم بل بمقدار الانتفاع بهذه العلوم.
مضت أكثر من «10» ساعات قضيتها في حالة قلق وأصارع في نفسي آثار هذا الجور والتَسَلُّط، والتعنت من دولة تقود العالم نحو الديمقراطية وتقول إنها تكفل للجميع الحقوق والحريات!
إن الدولة التي لا تستطيع أن تكفل حقوق الأفراد وحرياتهم في مطاراتها وتمارس عليهم الاستبداد، وتمنعهم من حقوقهم لا تستحق أن تسمى دولة!
استدعيت مرة أخرى إلى التحقيق وبدأ الضابط محاولة استمالتي، واستعطافي ويبدي لي استعداده أن يأتي لي بالطعام، فكنت أجيبه بأنني مضرب عن الطعام لسوء المعاملة التي تلقيتها في مطار –جون كينيدي– وإذا حدث لي مكروه فالمسؤولية تقع عليهم أمام أسرتي والقضاء.
كانت أمامي في مكتب التحقيقات لوحة كتب عليها عبارة بعدة لغات، ومن بين اللغات التي كتبت بها اللغة العربية، فوقعت عيني سريعًا على تلك الجملة وهي:
«إذا رأيت شخصًا ما يتعرض لانتهاك جنسي فلا تتردد في إبلاغنا»!
فقلت للضابط: أنتم تقومون بما هو أسوأ من ذلك، منذ وصولي إلى هنا وأنا أتعرض منكم لانتهاك نفسي تمارسه أنت ومن معك، وأنتم تقولون دائمًا أن الإنسانية أولًا وهذا كذب!
قال الضابط: لا أعلم، اخرج من هنا في الحال!
وقد خيل إلينا في ما مضى أن الغرب هو مصدر الإنسانية والرحمة، والشرق مصدر للشقاء والعذاب الإنساني؛ وذلك ناتج عما صُدّر إلينا عبر وسائل الإعلام بكل أنواعها، وقد تغيرت هذه الفكرة بالنسبة لي مما رأيت أمام عيني في ذلك اليوم المشهود.
كانت من بين الموقوفين في مطار «JFK» سيدة يمنية بدت لي أنها في العقد السادس من عمرها، وهي مقعدة تجلس على كرسي متحرك، ولا تتحدث الإنجليزية وتحمل البطاقة الخضراء «Green Card» ومع هذا لم تحترم في بلد يقول إنه يحترم حقوق الإنسان؛ إذ تم إيقافها واحتجازها أكثر من «19» ساعة داخل تلك الصالة الكئيبة تئن من النصب والوهن، وترتجف وتضطرب من شدة البرد القارص. حين رأيتُ معاناة تلك السيدة تذكرت كلمات الأديب المصري أحمد أمين في مقاله – فلسفة المصائب- عندما كتب:
«إذا أردت أن تعرف نفوس الناس حقًا فتعرّفها في أوقات المصائب لا في أوقات النعيم».
«في أوقات الرخاء ترى الجمال المتصنع والقبح المتصنع، وترى القبيح في شكل جميل والجميل في شكل قبيح؛ أما في الشدة فترى الجمال عاريًا والقبح عاريًا، وترى الحق حقًّا، والباطل باطلًا».
سأتابع القول في مقال ثالث؛ لأن العرض مستمرٌ.
The post موقوف في مطار جون كينيدي (2) appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست