الاثنين، 5 ديسمبر 2016

ثقفني اون لاين : سموني وطن

1

ولدت منذ أعوام كثيرة لا تقدر ذاكرتي على تذكرها، ولكن ماعلق بذهني، ولم تبدله الأيام هو أني ما إن ولدت حتى احتفى بي الجميع، كنت أشعر أني الأمان بالنسبة إليهم، فكلما قابل أحدهم أحد المتاعب عاد إلي يشكو لي همه، حتى تثاقلت أكتافي بالأعباء، فما عدت أستطيع مساعدتهم، ظللت أكبر كل يوم، وكنت أعتقد أني كنت أكبر بأعينهم أيضًا، ولكن أبنائي كانوا لايرون بي سوي وطن الهرم، الذي أثقلته السنين وكثرة الأعباء، ولم يفهم أحد منهم أن هذه كانت أعباؤهم هم، لم يفهم أحد أني أصبحت الآن لا أقوى على مساعدتهم؛ لأني قدمت الكثير من قبل؛ حتى استنفدت طاقتي، وبالرغم من ذلك لازلت قادرًا على العطاء، ولازالوا قادرين على النكران، والجحود، فمهما أعطيت، لا يكفيهم ولا يرضيهم.

2

ولقد قسمت أبنائي إلى مجموعات، وأسميت كل مجموعة منهم باسم يعبر عن صفاتهم، فالمجموعة الأولى كان شغفها الأول والأخير بالدين، فأسميتهم «رجال الدين» وكان عددهم عشرة، ومجموعة أخرى كان هدفهم سلب حق إخوتهم وعددهم أيضًا عشرة فأسميتهم «السارقين»، أما المجموعة الثالثة، وهي مجموعة «البؤساء» مكونة من ستين أخًا، بالرغم من أنه في بادئ الأمر كانت مجموعة البؤساء أكبر من ذلك، من حيث العدد، إلا أنها أخذت في التقلص مع الوقت، وكلما تقلصت ازدادت الصراعات بين الإخوة، ما أبغض أن تتكافأ القوة ويصمت المستضعفون.

وذات يوم رأيت أن مجموعة رجال الدين هي الأجدر بالقيادة لهذا المنزل، وقررت أن اساعدهم للانتصار على إخوتهم السارقين، بعدما أحكموا قبضتهم على الاثنين وعشرون منزلا التي املكها لسنوات طويلة, كانت تتسم بالديكتاتورية والفقر والجوع حتى أنا لم أسلم من هذا الأذى، ولذلك مكنت مجموعة رجال الدين، وليتني ما فعلت! رأيتهم يتحالفون مع الجيران ضد منازلنا وضد إخوتهم، وأصبحت منازلي مفتوحة للجميع من أصدقائهم بلا ضوابط ولاحاكم، حتى أني كدت أشعر بالغربة في هذا المكان، شعرت أن وطنًا قد تغرب، وتشتت أشلاؤه بين الاثنين وعشرين منزلًا بأيدي أبنائه، وأن الغرباء أصبحوا هم أصحاب الأملاك، ولم يتوقف الأمر عند ذلك، كان الطعام والمال يسرق مني ومن إخوتهم لأجل الغرباء، وكان لديهم استعداد أن تؤول بعض أملاكي للغرباء، عندها فقط كان لزامًا علي أن أتخذ منهم موقفًا، وللأسف اضطررت للتعاون مع السارقين؛ لإزاحة مجموعة رجال الدين عن إدارة أملاكي.

فهكذا الأمر دائمًا، اختار بين أمرين أحلاهما مر، فالاختيار الأول يسرقني، ولكن لأجله ولأجل أبنائه، أما الاختيار الثاني فيسرقني ويسلبني ممتلكاتي، ويرى أن أصدقاءهم أهم من الاثنين وعشرين منزلًا الذين أملكهم، وأهم من بقية إخوتهم.

3

بالرغم من أني كوطن، كنت أتمنى أن أستعين بمجموعة البؤساء؛ لأنهم الأكثر حبًا لي، ولكن يالالأسف! ليس لديهم أية قوة تذكر، مشتتين لا يجتمعون على كلمة، بالرغم من كل ما يعانون، كثرة الظلم أفسدتهم، وجعلتهم يعينون إخوتهم على ظلمهم، فالبعض منهم يدعم رجال الدين، حتى وإن سرقوا ماله وشردوا أبناءه، والبعض الآخر يدعم السارقين بكل ضراوة، بالرغم من فسادهم الذي بدا للجميع ورائحته أزكمت الأنوف, ولكنهم يدعمونهم أما لمصالح متبادلة واستفادة من وجودهم أو لرؤيتهم أنهم أفضل من مجموعة رجال الدين.

وعلى أية حال سار الأمر علي نحو غير جيد، احتدم الصراع بين الإخوة، واستعان أبنائي من مجموعة رجال الدين بكل الغرباء؛ ليدعموهم في حربهم ضدي، وضد إخوتهم، تمزقت المنازل واستولي كل منهم على بضعة منازل وأملاك، وسطوا على إيرادتها، وما عاد لي أي شئ في أملاكي، وما بقي لأبنائي البؤساء أيضا أي شئ، سوي الحسرات والذل والإهانه التي يتجرعونها كل يوم، أيًا كان المنزل الذي يقطنوه من الاثنين وعشرين منزلًا، وأيًا كان المسيطر عليه، فالسياسة المتبعة واحدة، وهي سياسة الاستعمار، ولا تختلف سوى المسميات.

4

في البداية كنت أعتقد أن قوتهم هذه لصالحي، وأني أستطيع محاربة أبناء عمهم، وأسترد منزلي الذي سلبوه مني، ولكن يالالأسف إني أراهم خير معين لأبناء عمهم، وخير معين لكل ظالم يريد الفتك بنا، إني أرى الغد مظلمًا، وأخشى هذا الصمت القابع أسفل ثنايا الغضب، وأعلم أنه لن يتبقي لهم أي شئ، سيذهب كل هذا، وسيبقي الصراع والدماء فقط، وسأموت أنا ذات يوم، ولن يبقى لهم وطن.

The post سموني وطن appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست