الاثنين، 5 ديسمبر 2016

ثقفني اون لاين : العصيان المدني في السودان

 

السابع والعشرون من نوفمبر تاريخٌ سيتذكرهُ جميع السودانيين على اختلاف طوائفهم، وانتماءاتهم لن ينسى أحدٌ منهم أول أيام العصيان المدني في السودان والذي انطلقت الدعوة له عبر هاشتاجات في مواقع التواصل الاجتماعي، تنديدًا بتحرير سعر الصرف وارتفاع أسعار المحروقات والدواء، الذي كان هو القشة التي قصمت ظهر البعير حتى بعد أن عقد وزير الصحة الاتحادي بحر إدريس مؤتمرًا صحافيًا ظهر الجمعة الـ25 من نوفمبر معلنًا أن هناك «ربكة» حصلت في تسعيرة الدواء، كما تم إعفاء الأمين العام للمجلس القومي للأدوية والسموم.

لا يعلم أحدٌ حتى الآن إلى أين ستنتهي الأمور، لكن هناك من هجروا حالة البقاء في صومعة الأمان والخوف من المجهول، بل الخوف من الحرية ومحاولة خلق واقعٍ أفضل مقررين الاعتصام في منازلهم، بعضهم لم تكن لتسمح ظروف عمله بذلك، بينما انتمى آخرون للحزب الحاكم ذات الأسئلة التي ظل الشعب يسمعها على مدى أعوامٍ وأعوام: من البديل؟ هل تريدون أن يكون السودان مثل سوريا، اليمن، مصر؟ ما الذي جلبتهُ ثورات الربيع العربي، إلى آخرين تبنوا الرؤية ذاتها معززين قولهم بالأمان الذي يحياهُ الناس، لكنهم ربما جهلوا أو تجاهلوا أن السودان ليس هو العاصمة الخرطوم، وليس هو حتى مدينة أمدرمان، أو الخرطوم بحري، كم من أهل دارفور ممن فقد عزيزًا لديه أو فقد أسرته؟ لا أمان هناك، كم من دموعٍ حبست في محاجرها، كم من أم مكلومة على وليدها، أو على أولادها، كم من قريةً هناك لم يبق منها سوى شجيراتٍ صامدة تشير إلى حياةٍ كانت هناك، فقدوا معنى الوطن، لاجئين في أوطانهم، في مخيمات اللاجئين هنا أو في الخارج، الأوطان البديلة، الوطن الذي بقي قيد أفواه السياسيين وورش العمل.

كم من قرى تبعد بضع كيلومترات عن المدن لا أثر فيها للحياة كما ينبغي، هؤلاء الذين يتحدثون عن الأمن، يتحدثون عن أمنهم الخاص، عن حياتهم، لا عن الآخرين.

كم من شبابنا عبر البحر وغرق في عرض المحيط كنتُ قد تحدثتُ مع أحد المهاجرين والذي استقر به المقام في بريطانيا أخبرني أنهُ فقد ما يقارب الأربعين من أسرته الممتدة والقريبة جراء الحرب في درافور، يقول إنهُ تعرض للموت مراتٍ عديدة خلال رحلته إلى هناك لكن حياتهُ برمتها تساوت مع الموت، إذ باع كل ما يملك ليصل إلى أوربا، سنواتٍ قليلة ويحصل على الجنسية وحين يعود إلى وطنه يعود محميًا لا يملك أحدٌ حق اغتصاب حقه.

كان من المضني أن ترى حديث المخذلين وبعضهم رفاق وأقارب لقد ارتفعت أصواتهم لا وجود لعصيان، هل كان على الدهشةِ أن تتملكنا أو تعترينا، هل أتى اليوم الذي يتبرأ المرء فيه من بعض أقاربه؟ وكان المضني أكثر ألا يشعروا بآلام الآخرين من إخوانهم في الوطن، أما وعاظ السلاطين فقد انتهى عهدهم ما عاد يسمع لهم صوت، ما عاد المواطن يسمع إلا نداء الصلاة.

دارت الكثير من الأحاديث همسًا وجهرًا كان التساؤل الأبرز هل سيتفق الشعبُ أخيرًا؟ وقد حدث ذلك بنسبة لا تقل عن 50% وفق التقارير التي بثتها بعض القنوات الإخبارية كالجزيرة، والـBBC، والحرة.

هل سينجح في إسقاط النظام؟ يُدرك الكثيرون أن عملية التغيير أطول مما في أذهان الحالمين وفي ظل نظام ظل يحكم بقبضة من حديد لـ27 عام، أما كسر حاجز الخوف فهو إنجاز في حد ذاته لآخرين.

ذهب آخرون إلى أن المشكلة الحقيقية التي يتناساها البعض هو النظام العالمي ممثل في البنك الدولي الذي وجه الحكومة بإجراء «الإصلاحات الاقتصادية»، وأنهم قادرون بشكل جيد على خداع الناس وبتكتيكات جديدة، وحكى لي صديق عن لقائه بأجانب قدموا لجامعة لخرطوم، قسم علم الاجتماع والأنثروبولوجيا بحاجة لمن يساعدهم في بحثهم عن الإثنيات والقبائل المسيطرة محددين «3 قبائل»، مدركين أن الدولة تنهار، وضمنوا سيطرةً اقتصادية وسياسية على الواقع وبدأوا يفكرون فعليًا في المستقبل، ومن من الممكن أن تشكل قوى لتواجههم، وينتقد ذلك الصديق مثقفينا من أمريكا والخارج داعين الناس إلى اعتصامات واحتجاجات دون أن يخبروهم بالإجراءات التي يمكن أن تتخذها الحكومة والأجانب.

على الرغم من تباين الآراء والضبابية التي تلف الموقف، وذلك دون وجود قيادة لهذا لعصيان، لكن ذلك لم يمنع كثيرًا من فئات المجتمع من إعلاميين، ولاعبي كرة قدم، وفنانين، وبعض الفئات المستنيرة من تبني الثورة ضد الظلم، ولو كانت تتشكل في أولى لبناتها، وإن كانت لم تحمل معنى ثورة بالمعني الحرفي للكلمة، لكن حالة التمزق التي اعترتنا لسنوات بدأت تتشكل منها ملامح أخرى، علت الأصوات التي كان ينبغي أن تعلو منذ وقت، لا للجهوية، لا للعنصرية، لا للمحسوبية.

وعلى الرغم من انتهاء أمد الحوار الوطني الذي أطلقهُ الرئيس السوداني في الـ27 من يناير 2014م، وتتضمن وثيقة الحريات التي كانت من ضمن لجانه إلا أنها كانت حبرًا على ورق تمت مصادرة صحيفتين تناولتا أخبار العصيان في يومه الأول، مع إغلاق قناة أمدرمان الفضائية، مع حملة اعتقالات لناشطين سياسيين وتهديدات بالفصل لعاملين استجابوا لدعوة العصيان المدني.

وما بين السابع والعشرين من يناير، والسابع والعشرين من نوفمبر تاريخٌ مضى.

حالةٌ من الترقب والتوجس، وحالةٌ من الصمت قبع فيها آخرون، نسي بعض مدعي حالة الأمن التي تسود العاصمة، ومطالبتهم بالمزيد، والمزيد من الصبر ومحاولة إجراء تداول سلمي للسلطة، أنهُ لا تغيير من دون ثمن، يتوجب علينا أن نؤمن أن الطريق طويل، وأنها البداية لنتوحد على الأقل ننبذ كل ما فرقنا، وكل ما تراكم على الشعب السوداني طيلة الـ«27» عامًا، نعم هناك أمل، صحيح أن الأمل قاتلٌ أحيانًا إلا أنهُ الوعي بصعوبة ما نواجه وبضرورة مواجهته، وسنكون نحن الجيل الذي يقدم قربان الحياة لوطن يحتضر، وإن كانوا قلة وكما ذكر عالم النفس أريك فروم في كتابه الإنسان بين الجوهر والمظهر «ليست هذه أول مرة في التاريخ تشير فيها أقلية إلى المسار الذي سيتخذه التطور التاريخي».

 

The post العصيان المدني في السودان appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست