كنا قد تطرقنا في الجزء الأول من هذا المقال إلى ما يميز دعاة التعدد من خلط بين المباح والفرائض في خطابهم التبشيري به، وعن مقاربتهم التي تعتبر المرأة مجرد سلعة. ولا يقف الأمر عند هذا الحد، ويا ليته كذلك، بل يتعداه إلى أمر أكثر طرافة وخطورة واستفزازًا، وهو التلاعب بالأرقام والمعطيات لصالحهم.
أعداد النساء والرجال
وأشهر معلومة خاطئة ينشرونها ويدلسون بها على الناس هي أعداد النساء والرجال؛ إذ يشيعون أن أعداد النساء أكبر من أعداد الرجال، وأن التعدد بذلك سيقلل من العنوسة وسيجعل العالم مكانًا أفضل للعيش.
لكن الحقيقة، الحقيقة المرة التي تزعجهم، هي أن عدد الرجال اليوم أكبر من عدد النساء. وتشير آخر الإحصاءات لسنة 2015، إلى أن هناك 102 رجل مقابل 100 امرأة في العالم؛ إذ تزيد أعداد الرجال بما يعادل ستين مليون رجلًا.
وليس هذا فقط؛ لأن هناك حقيقة أخرى أكثر سوءًا في الانتظار: إذ إن علو نسبة الرجال يتركز أكثر في العالم العربي! والصورة التالية توضح هذه الحقيقة:
حيث يمثل اللون الأزرق، والذي يغطي العالم العربي، البلدان التي تتميز بعلو نسبة الرجال على النساء، والعكس بالنسبة للون الأحمر، فيما تتكافأ هذه النسب في البلدان ذات اللون الأصفر. وتمثل هذه المعطيات آخر الإحصاءات لسنة 2015.
وباستثناء ثلاث بلدان، المغرب وتونس وفلسطين؛ إذ هناك 98 رجلًا مقابل 100، فإن كل العالم العربي تقريبًا لديه فائض كبير في الرجال مقابل النساء، بل إن بعض البلدان مثل قطر يبلغ نسبة الرجال فيها 265 رجلا مقابل 100 امرأة، أما الإمارات فيبلغ عدد رجالها 275 رجل مقابل 100 امرأة، والكويت 128 رجل مقابل 100 امرأة.
وفي نظري هذه الاستثناءات غير مقلقة، حيث إن مشكلة التفاوت الطبيعي بين مجتمع وآخر، يمكن حلها بالتشجيع على الزواج من المجتمعات الأخرى؛ كي يستفيد المجتمعان.
ففي عالم يعيش فائضًا كليًا في الرجال، يصبح الحديث عن التعدد غير منطقي، ووجب الحديث قبله عن حل التوسع في تقبل الزيجات المختلطة العابرة للأوطان، خصوصًا داخل العالم المسلم، والأمر أصبح ميسرًا اليوم بالتطور التكنولوجي الحاصل الذي قرب كل بعيد. وهناك دائمًا نسبة من كل مجتمع من المهاجرين والمقيمين بغير بلدانهم، الذين يستطيعون تفعيل هذا الحل بسهولة.
وعودة للمعطيات التي قدمنا، دعونا نقُم بدراسة سريعة لأثر التعدد على مجتمعاتنا. استنادًا إلى نسبة 102 رجل مقابل 100 امرأة، كما هو المتوسط العالمي، وإن كان كثير من الدول العربية لديها نسب رجال أكبر من المتوسط العالمي، ومتوسط نسب الرجال في العالم العربي ككل، هو غالبًا أكبر من المتوسط العالمي.
دعونا نفترض بداية أن عدد المعددين هو 6 من مجموع 102 رجلا، ولنفترض أن عدد المتزوجين الرجال في هذا المجتمع هو 60، أي أن 12 امرأة تزوجها 6 رجال و54 امرأة تزوجها 54 رجل، بمعنى أن مجموع النساء المتزوجات هن 66، فكم سيتبقى لبقية الرجال من امرأة للزواج منها؟
إذا خصمنا العدد سنجد أنه سيتبقى 34 امرأة لـ 42 رجل بفارق 8 رجال، أي أن ثمانية رجال من أصل 102 لن يجدوا امرأة يتزوجوا بها. وهو ما يعادل تقريبًا نسبة 8 بالمائة من رجال المجتمع لن يستطيعوا الزواج بحال من الأحوال؛ لأن كل النساء في مجتمعهم متزوجات. ففي بلد مثل مصر الذي يبلغ عدد سكانه 91 مليون نسمة، سيكون عدد الرجال الذين لن يتبقى لهم امرأة يتزوجون بها هو 3.7 مليون رجل. فتخيلوا حجم المشاكل والفساد الأخلاقي في مجتمع يستحيل فيه على ما يقارب أربعة مليون رجل الزواج حتى لو قبل بأكثر النساء دمامة وتقدمًا في السن.
وفيما يلي جداول، قمنا فيهم بحساب عدد ونسبة الرجال الذين لن يجدوا نساء ليتزوجوا بهن نهائيًا؛ بسبب احتكار المعددين للنساء، استنادًا لنسبة التعدد في المجتمع.
وغني عن التوضيح أن هذه الأرقام جد مهولة، وأن توليفة خطية من زيجات تعدد ثنائية وثلاثية ورباعية بمعدل إجمالي يعادل 6 بالمائة قد يؤدي تقريبًا لحرمان أكثر من 12 بالمائة من الرجال بشكل نهائي لا رجعة فيه من الزواج، حتى لو كانوا قادرين وراغبين. في حين نسب مثل 12 بالمائة من التعدد قد تؤدي إلى حرمان أكثر من 20 بالمائة من الرجال. أما نسب تعدد مثل الثلث، فهي كفيلة بأن تحرم حوالي ثلث الرجال في المجتمع من الزواج.
أما إذا غزت موضة التعدد القلوب والعقول استجابة لأصحاب هذا الخطاب العجيب، وأراد الكل أن يعدد تعددًا ثنائيًا، لن يتزوج إلا نصف الرجال، وإذا أراد الكل أن يعدد بثلاث نسوة، فلن يتزوج، إلا ثلث الرجال، وإذا أراد الكل أن يعدد بأربع نسوة، لن يتزوج سوى عشرين بالمائة من الرجال. فتأملوا وتخيلوا حجم المأساة.
إن إطلالة بسيطة في هذه النتائج تؤكد أن الخطاب التبشيري بالتعدد مبني على المغالطات والأوهام، ليس فقط الشرعية، بل الواقعية أيضًا. وإذا جئنا نطبقه في الواقع كما يتمنى البعض، لكان الخسران حليفنا.
وهذه النتائج تبين كيف أن التوسع في التعدد، خصوصًا في مجتمع متميز بتناسب أعداد الرجال والنساء، أو زيادة أعداد الرجال مثل مجتمعاتنا اليوم، قد يكون أكبر قنبلة موقوتة تدمر المجتمع باحتكار الزواج من قبل الأغنياء، وبالتالي انتشار الشذوذ والزنا والاغتصاب والدعارة في الفئة التي لا تستطيع إلى الزواج سبيلًا. ما أسميه مجتمع رأسمالية التعدد الجشعة.
وهذه الأرقام الخطيرة التي حصلنا عليها بحسابات بسيطة، تؤكد على أن التعدد مفهوم لا يمكن إلا اعتباره استثنائيًا بالمعطيات الشرعية التي لم تتوسع فيه، وبالمعطيات الطبيعية التي لا تسمح به، إلا في حالات استثنائية قليلة.
وبهذا نكون قد نسفنا نسفًا كل ما يقولنه من أن التعدد سيفيد المجتمع بكل الأحوال، وكل هذه الخرافات، التي لا تعدو أن تكون في مخيلات أصحاب هذا الطرح.
هل التعدد حل لمشكل العنوسة؟
يزعم أصحاب هذا الخطاب، أيضًا، أن التعدد هو أنسب حل لمشكل العنوسة، ويستعرضون في ذلك الأرقام المهولة لعنوسة النساء، في محاولة لاستجداء التعاطف مع التعدد كحل لهذه الأزمة.
وبداية، لنحاول تحليل هذا الموضوع، فهل سبب العنوسة الفعلي هو نقص الرجال حتى يكون التعدد حلًا لهذا المشكل؟ وقد أجبنا بالتفصيل فيما سبق على أن الوضع اليوم هو العكس تمامًا، فنسبة الرجال أكبر، وبالتالي فالنقص حاصل في عدد النساء، وليس الرجال.
ثم لابد من طرح سؤال آخر، هل المهم هو إحصان النساء بشكل خاص ونقص نسب العنوسة؟ أم إحصان الإنسان بما هو إنسان، سواء كان رجلًا أو امرأة دون تمييز؟
والمنطقي، والبديهي أيضًا، هو الجواب الثاني، فسواء تعلق الأمر بمشكل لدى الرجال، أو لدى النساء، لا يهم؛ إذ إن مشكل العنوسة لا يقل أهمية عن مشكل عدم قدرة الرجال على الزواج.
وإذا كان الأمر كذلك، وكان المشكل الأساسي غير نابع من قلة أعداد الرجال، وجب حل الإشكال بشكل هيكلي، وليس ترقيعي؛ فمشكلة العنوسة والعزوف عن الزواج ليست متعلقة نهائيًا بالتعدد، والحل إنما يكون بالبحث عن الأسباب الحقيقة التي تتسبب بهذا العزوف، وليس البحث عن حلول ترقيعية، هدفها ليس حل المشكل، بل الاستفادة منه واستغلاله، لحساب المقتدرين من الرجال؛ كي يستكثروا من النساء ويحتكروهن، بتعبير من حاولوا إيهامنا بالعكس، في إهمال حقيقي لأصل المشكل وسببه.
والسبب الحقيقي وراء العزوف عن الزواج يرجع لسببين أساسيين، هما هوالفقر والبطالة، وتراجع مؤسسة الزواج مقابل تقدم العلاقات العابرة، إضافة لأسباب ثانوية أخرى.
إن هذين السببين ليس لهما علاقة من قريب، ولا بعيد، بالتعدد، وهو أبدًا لن يكون حلًا لهذه الإشكالية، بل سيزيد من تأزيمها. فالمشكل هيكلي وبنيوي، والنساء اليوم، على تأخر سن زواجهن، لا يقبلن بالتعدد، إلا ما ندر؛ لأن مفهوم الزواج التعددي لم يعد مرحبًا به اجتماعيًا ولا ثقافيًا. والواحدة منهن تفضل أن تبقى عزباء تحتفظ بحريتها، على أن تصبح نصف زوجة تَضيع حياتها في مكايدات النساء.
ولنحاول أن نقارن أثر اللجوء للتعدد في حل مشكل العنوسة والعزوف عن الزواج، بالمقارنة مع الحلول المعتمدة على محاربة الفقر والبطالة وترسيخ مفهوم الأسرة، وذلك في مجتمع بسيط متكون من نفس عدد الرجال والنساء البالغين، نسبة كبيرة منهم غير متزوجين ويعانون الحرمان من الزواج.
فإذا قمنا باللجوء للتعدد، ففي كل حالة تعدد ستخرج امرأة من العنوسة لتصبح نصف زوجة؛ إذ إن الرجل المعدد لن يصبح له عمران؛ كي يعطي كل زوجة واحدًا منهما، بل كل ما سيقوم به هو قسمة حياته ووقته وجهده على زوجتين وبيتين؛ فتصبح بذلك زوجتاه كل منهما نصف زوجة لا غير. وبالمثل، ستصبح زوجته الأولى أيضًا نصف زوجة بعدما كانت زوجة كاملة، فواحدة أصبحت نصف زوجة، فيما خصم من الأخرى النصف، فلا تغيير إيجابي أضافه التعدد على المستوى المجتمعي الكلي للنساء، بل هناك فقط إعادة توزيع حصلت بهذا الزواج.
ولا يتحسن وضع أي رجل من الرجال غير المتزوجين بحل التعدد، بل يسوء؛ لأنه لن يتبقى لرجل من بقية غير المتزوجين أي زوجة ليتزوجها، حتى لو قرر واستطاع وأراد؛ لأن أعداد الرجال والنساء متساوية. وزوجة هذا الرجل المفترضة قد تم احتكارها من قبل المعدد، فضلًا عن أننا لم نحتسب المشاكل اللانهائية التي تحدث داخل الأسر المعددة.
والشيء الإيجابي الوحيد، المحفوف بالسلبيات، الذي سنحصل عليه في هذه الحالة، هو استفادة عدد أكبر من النساء من الزواج، لكن السلبيات التي تحيطه أكبر وأخطر، والمتجلية في احتكار حق رجل من الرجال في الزواج حتى لو أراد واستطاع، في حين لم نقدم أصلًا حلًا جذريًا على المستوى الكلي للنساء، فما أضيف لواحدة خصم من أخرى.
وحتى لو أهملنا أن هذه الزوجة الثانية، إنما أخذت نصف زوج من واحدة أخرى كان لديها، أي أنه مجرد اقتسام لما كان موجودًا، ولا إضافة حقيقية كلية للمجتمع فيه. وقابلنا نصف زوجة جديدة حصلنا عليها، بحرمان رجل من الزواج، تبقى النتيجة أيضًا سلبية على المستوى الكلي للمجتمع؛ فنصف زائد، مقابل وحدة كاملة منقوصة، هي نتيجة سلبية واضحة.
وهذا الحل لا يكون جيدًا، إلا في حال كان الداعي له هو قلة عدد الرجال، فهناك يعود تطبيقه بالنفع على المجتمع بشكل عام، بالرغم من تضرر النساء المقتسمات أزواجهن بحصولهن على نصف زوج فقط؛ إذ يعاد تقسيم العنصر النادر في هذا المجتمع، والذي هو الرجل في هذه الحالة، بشكل أكثر عدلًا، وفي نفس الوقت لا يتضرر أي رجل؛ لأن أعداد الرجال أصلًا قليلة، وحتى في هذه الحالة، فلا يجب التوسع فيه، إلا بالقدر الذي تزيد به فعليًا نسبة النساء على الرجال، وإلا سيحصل نفس المشكل السابق مرة أخرى.
لكن بالمقابل، إذا قمنا بالحل الجذري للحد من العزوف عن الزواج بتحسين الوضعية الاقتصادية، وإيجاد وظائف، والتوعية بضرورة العودة للأسرة كمؤسسة، فحينها، كل رجل يتزوج بامرأة ستكون المنفعة التي نحصل عليها مجتمعيًا هي المنفعة الموجودة في المجتمع بداية، إضافة لمنفعة شخصين آخرين أضيفا إلى القائمة: أي أن هناك رجلًا وامرأة جديدين تحسنت وضعيتهما، وتحولا من خانة العزاب إلى خانة المتزوجين، مع بقاء كل الامتيازات القبلية للمجتمع على ما هي عليه، وعدم تضررها.
وفيما يلي جدول يلخص ما ذكرناه، في مجتمع تتساوى فيه أعداد النساء والرجال:
إن أمثلة كهذه،على عجالة، تبين أن من يقدم التعدد كحل لمشكلة العنوسة في مجتمعاتنا المعاصرة، لا يقدم سوى سم على أنه الدواء، ملقيًا بمغالطات وأوهام يغذيها بجهل الناس لطبيعة المجتمع، وللتداعيات السيئة والكارثية التي ستحصل بتفعيل هذا الخطاب على أرض الواقع.
يتبع..
The post دعاة على أبواب التعدد: خدعة الأرقام appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست