الأربعاء، 27 يوليو 2016

ثقفني اون لاين : رؤية استشرافية لمستقبل العلاقات الإيرانية – التركية في ضوء الأزمة السورية

أسفرت الأحداث التي شهدتها المنطقة العربية منذ نهاية 2010 عن العديد من التطورات في منطقة الشرق الأوسط، وكانت العلاقات بين دول الإقليم من بين هذه التطورات، وفي هذا الصدد سيتم التركيز على العلاقات «الإيرانية ـ التركية»، وذلك من خلال محاولة استشراف مستقبل مسار العلاقات بينهما على خلفية ما يتم على الساحة السورية. فمنذ وصول حزب «العدالة والتنمية» إلى السلطة في تركيا، عام 2002، التقت العلاقات بين البلدين، حول ثلاث قضايا رئيسة، وهي العلاقات الاقتصادية، ومنع قيام دولة كردية في كل منهما، ودعم القضية الفلسطينية، ولكن إلى جانب أوجه التعاون هذه، توجد نقاط خلاف بينهما، مثل التنافس على الزعامة الإقليمية، وهو التنافس الممتد منذ خمسة قرون، ولكن، بالرغم من ذلك، كان هناك فصل للملفات بين الطرفين، بحيث تستمر العلاقات الاقتصادية الرائجة بينهما، مع تنحية أية خلافات أخرى جانبًا، سواء كانت خلافات سياسية أو أيديولوجية أو استراتيجية.

و تأتي الأزمة السورية لتلقي الضوء على الاختلافات بين طهران وأنقرة، حيث يتبنى كل طرف موقفًا مختلفًا عن الآخر، فطهران ترفض إسقاط نظام «بشار الأسد»، وترفض التدخل الأجنبي، وتؤيد مطالب الشعب السوري في تنفيذ الإصلاحات، وترى أن مصير الأسد ينبغي أن يكون بيد شعبه، في حين ترفض تركيا بقاء بشار الأسد في السلطة، وتصر على دعم قوات المعارضة في مواجهة النظام، وعلى موقفها الرافض لتقسيم سوريا.

وفي إطار هذا السياق يحاول هذا التحليل التنبؤ بالمسار الذي يمكن أن تؤول إليه العلاقات بين إيران وتركيا، وذلك في ضوء مآلات الأزمة السورية، وبناءً عليه فإن هناك ثلاثة سيناريوهات لمسار العلاقات بين البلدين، وذلك على النحو التالي:

السيناريو الأول: استمرار سياسة «فصل الملفات»

حيث تظل العلاقات الاقتصادية مستمرة بين البلدين، بغض النظر عن الخلافات السياسية والأيديولوجية، فإيران تدعم نظام الأسد عن طريق تقديم المساعدات، والدعم الاقتصادي، وإرسال الخبراء العسكريين من الحرس الثوري الإيراني، وهو ما يمكن أن يمهد بقيام نظام «ما بعد الأسد» مدعومًا من الناحية السياسية والعسكرية من قبل إيران ـ على غرار ما حدث في العراق بعد الغزو الأمريكي ـ ومن ثم فإن هذا النظام سيعمل وفق ما ترتضيه طهران، ويظل الحلقة الأهم للوصول إلى لبنان وفلسطين، كما يظل الأداة التي تحجم خطر الأكراد عنها.

وفي المقابل سوف يتم التنسيق بين تركيا، وهذا النظام القادم في سوريا، بحيث يستمر التعاون بينهما، من خلال كون سوريا شريكًا تجاريًا هامًا لتركيا، وعنصرًا هامًا في محاربة «حزب العمال الكردستاني» في تركيا .

وما يرجح حدوث هذا السيناريو هو التدخل العسكري الروسي في سوريا لصالح نظام الأسد؛ مما أدى إلى تخفيف حدة الموقف الأمريكي تجاهه، بحيث لم تعد إزاحته من السلطة شرطًا مسبقًا للتسوية السلمية. هذا الموقف الأمريكي من شأنه أن ينعكس أيضًا على الموقف التركي، والذي سوف يسعى للانحياز لنظيره الأمريكي، وذلك في محاولة منه لإعادة الدفء إلى علاقاته مع الولايات المتحدة ـ التي اقتربت كثيرًا من إيران بعد توقيع الاتفاق النووي ـ والتي أصابها بعض الفتور؛ بسبب موقف تركيا من المشاركة في التحالف الدولي ضد «داعش»، وما يعزز من احتمال هذا التحول في الموقف التركي من الأزمة السورية، هو موافقتها على استخدام قاعدة «إنجرليك» في التحالف الدولي ضد داعش، وهذه الموافقة تعود في جزء منها إلى محاولة تركيا؛ لإعادة علاقتها القوية مع الولايات المتحدة.

إلى جانب ذلك فإن إيران من المنتظر أن تحقق مكاسب كثيرة من جراء الاتفاق النووي، ومن بين هذه المكاسب هو رفع العقوبات المفروضة عليها؛ مما سيضاعف من مداخل صادرات الطاقة، ويمكنها من الحصول على التكنولوجيا الحديثة في قطاع الطاقة، وهو ما سيصب في صالح علاقتها مع تركيا؛ إذ إن طهران تمثل ثاني مورد للغاز لأنقرة، بعد موسكو. وما يعزز من هذا التطور هو وجود مشروعات مشتركة بين إيران وتركيا لنقل الغاز الإيراني عبر تركيا إلى اليونان، ولكن خطوط الأنابيب المقترحة لهذه المشروعات لم تكن تجد التمويل والشركات الدولية الداعمة بسبب العزلة الدولية التي كانت مفروضة على إيران، والتي من المنتظر أن تنتهي بعد الاتفاق النووي الإيراني.

السيناريو الثاني: حدوث تنافس وصدام بين البلدين

وهو الاحتمال الذي يمكن أن يحدث نتيجة سقوط نظام الأسد، واتجاه تركيا إلى دول الخليج على حساب إيران.

فمن ناحية أولى تتخوف طهران من أن تكون الحرب ضد داعش غطاءً لإطلاق يد الولايات المتحدة وحلفائها؛ للقيام بعمل عسكري في سوريا، بدون موافقة مجلس الأمن، والقوى الإقليمية، والدولية؛ مما يعطى الفرصة للتعامل عسكريًا مع نظام الأسد، وإسقاطه على غرار ما حدث مع «نظام القذافي» في ليبيا، وهو ما سيفقد إيران حليفًا إقليميًا، ويحل محله نظام وأكثرية سنية مدعومة من السعودية المنافس الإقليمي الرئيس لإيران.

وهنا قد تشكل مشاركة تركيا في التحالف الدولي ضد داعش بداية لتحالف تركي سعودي؛ مما يعيد للأذهان المنافسة التاريخية بين طهران وأنقرة. ومما يرجح هذا التحول هو تخوف تركيا من تداعيات الاتفاق النووي على ترتيبات المنطقة، فهي إن كانت قد وافقت على الاتفاق من الناحية التقنية، ووصفته بالتطور الإيجابي، في ظل سعيها هي الأخرى لامتلاك الطاقة النووية لأغراض سلمية، إلا أنها لم تحسم موقفها النهائي منه، وذلك انتظارًا لاستيضاح بنوده السرية، وترتيبات المنطقة المستقبلية. فقد تنقسم سوريا إلى ست دول، إحداها في الشمال، يسيطر عليها الأكراد، وهو ما يمثل تهديدًا للجنوب الشرقي لتركيا، حيث يوجد حزب العمال الكردستاني، وهذا الحزب وغيره من الأحزاب الكردية تتلاعب بها إيران، والولايات المتحدة، وهو ما اتضح في وقف عملية السلام مع الأكراد بضغوط إيرانية، حيث شن حزب العمال عدة هجمات ضد الجيش، وقوات الأمن التركية.

من ناحية أخرى فإن اتجاه تركيا إلى الخليج وتشكيل تحالف سني معها مضاد لإيران قد يحدث نتيجة تقارب آراء تركيا، ودول الخليج حول القضايا الهامة في المنطقة، ومنها بالطبع الأزمة السورية؛ مما سيشجع تركيا على التحول إلى الخليج لتأمين احتياجاتها من النفط ـ تستورد تركيا أكثر من 90% من احتياجاتها من النفط والغاز والفحم ـ و ذلك عن طريق إحياء مشروع خط الحجاز الذي سوف يربط تركيا بالخليج، ويوفر لها طريقًا آمنًا لنقل النفط بعيدًا عن الطرق البحرية، التي قد تتعرض للإغلاق على خلفية ما، ستؤدي إليه الخلافات حول الاتفاق النووي الإيراني.

وبناءً على ما سبق قد تتحول تركيا إلى منافس إقليمي يتصادم مع إيران؛ مما يعيد للأذهان ما كان بينها منذ خمسة قرون، وسوف تتجه تركيا إلى زيادة استثماراتها في الخليج، وتفعيل مذكرات التفاهم والاتفاقيات التي وقعتها مع دوله، مقابل أن يعتمد عليها الخليج من الناحية الأمنية باعتبارها فاعل سني هام لمواجهة تصاعد النفوذ الإيراني. وسوف ترد إيران على ذلك بإحياء مشروع خط الغاز الإسلامي، والذي ينقل الغاز من إيران إلى أوروبا عبر البحر المتوسط، وهو ما تستطيع إيران أن تنجزه، خاصة في ظل المكاسب المنتظر أن تحققها من جراء الاتفاق النووي، حيث يمكنها توطيد علاقاتها مع المجتمع الدولي، والحصول على الدعم اللازم لإنشاء هذا المشروع، وغيره من المشروعات الاقتصادية الهامة.

السيناريو الثالث: تعاون بين البلدين يصل إلى درجة التحالف

وهو السيناريو الأقل احتمالًا نظرًا لتعارض موقفهما من الأزمة السورية، كما أن حدوث هذا التحالف من شأنه أن يؤثر على علاقة تركيا بدول الخليج، وهو ما لا ترضاه تركيا، في ظل سياستها التي تتبعها في الشرق الأوسط والقائمة في جزء منها على الاعتماد الاقتصادي المتبادل بين دول المنطقة، والارتقاء بمستوي الحوار السياسي إلى أقصى درجة.

ولكن هناك ما يجعل هذا السيناريو ممكنًا مثل وجود مبدأ هام أيضًا في سياسة تركيا تجاه الشرق الأوسط، وهو التعددية الثقافية أي الحفاظ على التعددية العرقية والمذهبية كشرط أولي لاستقرار المنطقة، وهو المبدأ الذي يمكن أن يمتد إلى الوصول إلى تحالف مع إيران.

كما أن ما يتم في «فينا» من محادثات بشأن الأزمة السورية من شأنه أن يساهم في حدوث هذا التحالف، وآخر هذه المحادثات هو ما تم في منتصف نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، والذي اتفق فيه المجتمعون على إجراء جدول زمني للانتخابات في سوريا طبقًا لدستور جديد تحت إدارة الأمم المتحدة، ويوافق ذلك وقف إطلاق النار، والذي لن يشمل بالطبع «تنظيم الدولة الإسلامية» (داعش) و«جبهة النصرة» وغيرها من الجماعات التي يجري تحديدها، وهذا يدل على وجود أولوية لدى المجتمعين ـ ومنهم إيران وتركيا ـ لمحاربة الإرهاب، وتنسيق التعاون الدولي في مجال مكافحته، وهو ما قد يمثل فرصة للتعاون البناء بين إيران وتركيا، ولكن هذا التعاون تتوقف درجة تطوره إلى تحالف على مصير التسوية السلمية للأزمة السورية، حيث لا يزال هناك خلافات بين المجتمعين حول مصير الأسد.

وعليه فإذا آلت هذه التسوية إلى بقاء الأسد في السلطة، وإن لفترة مؤقتة يعقبها قيام نظام موال لإيران، فمن الممكن أن تتجه تركيا إلى التحالف مع إيران على حساب دول الخليج، وخاصة أن الوضع الإقليمي والدولي لإيران سوف يتحسن في أعقاب الاتفاق النووي، وانفتاحها على المجتمع الدولي وتوافد زيارات الدول إليها. وهنا قد تتطور العلاقات الإيرانية ـ التركية لتمتد إلى المجالات السياسية والاستراتيجية، وتكون البلدان محورًا يعمل على حفظ التوازن في منطقة الشرق الأوسط في ظل تعاونهما الاقتصادي والسياسي، وفي مجال مكافحة الإرهاب.

The post رؤية استشرافية لمستقبل العلاقات الإيرانية – التركية في ضوء الأزمة السورية appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست