الأربعاء، 27 يوليو 2016

ثقفني اون لاين : ماذا لو كانت نقودنا ذهبًا وفضة؟!

 

النقود ليست مجرد معادن على وجهيها نقوش، وصور لامعة على أوراق، إنها تروي تاريخ أمم وتسجّل سقوط عروش، وتحكي بالتاريخ مصارع الرجال وصعود الغزاة على سنابك الخيول والتيجان.

عندما ترك الإنسان الغابة، شعر بحاجته إلى النقود.

عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – كان أول من عرَّب النقود الكسروية والقيصرية.

عبد الملك بن مروان أول من سك نقود إسلامية مستقلة.

هارون الرشيد أعطى ولاة الأمصار حق كتابة أسمائهم على النقود.

استقل أحمد بن طولون عن حكم العباسيين ولكنه ظل يضع اسم الخليفة العباسي على النقود.

«محار» الصين و«ثيران» اليونان، كانا أول وثاني خطوات الإنسان للتعرف على العملة.

والأمريكان سيطروا على اقتصاد العالم بالدولار!

موضوع النقود وحيثياتها لم يلق الاهتمام الكافي عند الشرقيين كما هو عند الغربيين، في الغرب تناوله كثير منهم بالتفصيل أمثال أدلر، كاستيلوني، ستيكل والمؤرخ الكبير لينسبول، عوضًا عما شرحته نظرياتهم الاقتصادية «الرأس مالية والاشتراكية»، وكيفَ تناولوا موضوع النقود والأسعار!

بينما عند الشرقيين لم يلق موضوع النقود ذلك الاهتمام كما الغربيين، بل تناولوه في فصول محدودة من كتبهم أو ربما أشاروا إليه بإيجاز في مذكراتهم من خلال فقرات عابرة أمثال قدامة بن جعفر، القلقشندي، أو رحالة أمثال ناصري خسرو وابن بطوطة.

لعل الشرقيين تناولوا موضوع النقود من ناحية فقهية فقط، لم يدرسوه من ناحية علمية ونظروا له النظريات والحيثيات، بل جل ما كان يهمهم الحلال والحرام منه.

كانوا قديمًا ترتكز حياتهم على حاجاتٍ محدودة من طعام وشراب، يتداولون حاجاتهم بالمقايضة «تبديل سلعة بسلعة» سرعان ما تبدل الأمر حتى بدأوا بالإصطلاح على سلع معينة تكون كأثمان لشراء باقي الحاجات، فبدأوا بالقمح وتصالحوا على أن يكون عملة للتداول ولحقه التمر والشعير والملح، هذا في بقاع انتشرت فيها هذه الأصناف، أما في دول أخرى أمثال الصين فكان الأرز والمحار هو الأساس، وفي اليونان كانت الجارية تباع بأربعة ثيران!

بدأت حاجات الناس تزداد، وما عادَ الجميع بحاجة للقمح أو سواه، كما كانت الصعوبة في تجزئة هذه الأموال وتخزينها ونقلها، وبدء عصر استخراج المعادن الثمينة فجُعلت هي أساس التبادل، حتى في قصة أصحاب الكهف كانت عملتهم من المعادن «فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا» الكهف آية19، الوَرِق هو الفضة!

وكانت الصين من أولى الدول في التعامل في المعادن في القرن الرابع قبل الميلاد، حتى جاء عصر الروم والفرس فكان الدينار الذهبي الرومي والدرهم الفضي الفارسي، وتعامل المسلمون بها في بداية الإسلام حتى عربها ابن الخطاب -رضي الله عنه- ولكنها لم تكن ذا طابع إسلامي مستقل وموحد، وكان معاوية بن أبي سفيان هو أول خليفة مسلم يضع صورته على الدراهم والفلوس!

لكن النقود في ذلك الوقت لم تكن سوى محاولة لتقليد الروم والفرس في نقودهم مع إعطائها صبغة إسلامية، دون السك المنفرد للدولة المسلمة، وإنما كان يطبع على الدرهم الفارسي بعض الرموز الإسلامية مثل «لا إله إلا الله محمد رسول الله» أو صورة معاوية ولكنها كانت تسك عند الفرس.

ثم تم على يدي الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان «65 – 86هـ» تأميم دور السك، وتعريب النقود التي تتداولها كافة الشعوب الإسلامية، واستقل بالنقود العربية والإسلامية عن النقود البيزنطية أو الفارسية.

ولم يكن الداعي لهذا الاهتمام، اهتمام الخلفاء بالنقود فقط بمجرد فرض الهوية العربية والإسلامية على المعاملات التجارية والاقتصادية بشكل عام، وإنما لأن الشريعة الإسلامية ذاتها تهتم بالنقود في ميدان العبادات والمعاملات، والوقف، والعقوبات، والدية وغيرها، فلم يكن من الممكن تحديد «النصاب الإسلامي» إلا من خلال تحقيق الاستقلال في قيمة العملة الإسلامية.

بعد ذلك، جاء دور الأوراق النقدية كالتي نتعامل فيها اليوم، ومن يومها حتى صدَّع الغرب رؤوسنا بنظرياته حول قيمة هذه النقود وكيف تتأثر أسعار السلع والخدمات بالعوامل الأخرى، وكيف تحافظ النقود الورقية على قيمتها وكيف، وكيف، وكيف، لِمَ لَم تظهر هذه الأسئلة من قبل؟!

رأى العالم في هذه الأوراق سهولة في الحمل وتيسير عليهم في تجزئتها كما يحتاجوا، وفي نقلها سهولة ويسر، وأحبوا المتعة في تخزينها وحفظها! وتبنتها الحكومات ووضعت عليها أختامها، وأصبحت مقبولة في العرف والقانون للوفاء بالالتزامات المادية والتعويضات المعنوية.

كره بعضهم هذا التحول للنقود من المعادن للأوراق البالية، وحاربه آخرون، بينما رأى بعضهم الآخر في هذا نقلةً نوعية للاقتصاد والحياة وانفتاح على أمور لم تكن معروفة مسبقـًا.
وأظهر المُرحِبون بهذا التحول عدة عيوب في نظام الذهب والفضة، ومن أهم هذه العيوب
أن نظام الذهب والفضة يحمل طابعًا انكماشيًا للنشاط الاقتصادي، وذلك أن الذهب في الطبيعة محدود، والطلب عليه يزاد عن اتخاذه كعملة ووسيلة للتبادل، حيث يقدر إجمالي كمية الذهب التي تم استخراجها من باطن الأرض حتى الآن بما لا يزيد على 140 ألف طن فقط، وعندما يستخدم الذهب للأغراض النقدية مرة أخرى، فإن الطلب على الذهب سيكون مرتفعًا جدًا لمواجهة احتياجات الإصدار في أنحاء العالم كافة، أو على الأقل لمواجهة احتياجات الإصدار لعملة احتياط عالمية واحدة، مثل الدولار، يربط العالم عملاته بها، ولكن هذا العيب ينتافى مع قاعدة ربانية عظيمة ألا وهي قوله تعالى «وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا» أي أن الله -عز وجل- جعل الأرض وما فيها من كل شيء مقدرًا ومكتملًا، لا ينقصها غير عدالة في التوزيع، وهذه من مسلمات الاقتصاد الإسلامي وفقه المعاملات.

عندما بدأت الدول باعتماد نظام الأوراق المالية كانت تصدر هذه العملات بشرط أن تكون مدعومة بالذهب عند البنوك المركزية، فمثلًا تريد دولة ما أن تطبع عددًا معينًا من الأوراق المالية، عليها أولًا أن تغطي قيمتها ذهبًا عند البنك المركزي، استمر الأمر كذلك حتى لعبت أمريكا لعبتها الخبيثة وضحكت على دول العالم، أتدرون ما قامت به دولة العم سام؟ إليكم التالي وتحملوا مني هذه الحمالة.

خَرَجَت الولاياتُ المتحدة الأمريكية منتصرة عسكريًا من الحرب العالمية الثانية، وأرادت أن تستثمر انتصارها العسكري وتحوله إلى غنائم مالية اقتصادية فجمعت 730 ممثلًا عن 44 دولة من الحلفاء في نيوهامشير بأمريكا في يوليو «تموز» 1944 في مؤتمر عرف بعد ذلك بمؤتمر النقد الدولي Bretton Wood أو ما سمي مؤتمر الأمم المتحدة النقدي والمالي، والذي انعقد ببريتون وودز، وقد تمخض عن مؤتمر «بريتون وودز» عام 1944: وضع أسس النظام المالي العالمي بعد الحرب العالمية الثانية، الذي سحب الذهب من أيدي الناس وجعلهم يتعاملون بورق أشجار مطبوع لتذوق شعوب الأرض مرارة قراراتها الغبية.

وقد تعهدت الولايات المتحدة الأمريكية أمام دول العالم بأن من يُسلمها خمسة وثلاثين دولارًا تسلمه تغطية الدولار من الذهب وهي أوقية «أونصة ounce» من الذهب! أي تم تحديد سعر الدولار على أن يكون 35 دولارًا= أوقية من الذهب «ounce أونصة» ووعدت بتحويل كل دولار إلى ذهب للبنوك المركزية في دول العالم.

فبدأت دول العالم أجمع تعطي ذهبها لأمريكا وتأخذ بدلًا منه أوراقـًا «دولارات»!
قد يسأل سائل ماذا استفادت أمريكا من هذا الاتفاق؟ لقد أصبح الدولار بسبب هذا الاتفاق عملةً صعبة نعم صعبة، وصار العالم كله أفرادًا وحكومات يثقون بالدولار باعتباره عملةً للتداول. وصارت شعوبُ العالم مطمئنةً إلى أنَّ الولايات المتحدة ستسلمها ما يقابل الدولارات من الذهب!
وبهذا حوَّلت أمريكا نصرَها العسكريَّ إلى طريقةٍ لجمع ذهب العالم، فلقد ربح الدولار مركزًا لم يحلم به بعد أن تخلت شعوب الأرض عن الذهب إلى الدولار لأنها صدَّقَت أنه عملة صعبة ليست مثل الذهب، وهذا ما انعكس على تحول ثقل الاقتصاد العالمي ومركزه من هيمنة أوروبا إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وترتب على هذا أن حكومات العالم أجمع بدأت تخزن أكبر كمية من الدولارات؛ لأن الدولار يُبدل بالذهب!

ثم استمر الوضع على هذا حتى خرج الرئيس الأمريكي نيكسون فجأة على العالم وفاجأ سكان الكرة الأرضية أفرادًا وحكومات بأن الولايات المتحدة لن! تسلم حاملي الدولار ما يقابله من ذهب وأن الدولار سيُعوَّمُ أي ينزلُ في السوق تحت المضاربة وسعرُ صرفِه يُحدِّدُه العرضُ والطلبُ.
وحينها قالوا تم إغلاق نافذة مبادلة أمريكا دولاراتها بما يقابلها من ذهب، كان ذلك في قرار من الرئيس نيكسون! وبهذا انهار في عام 1971 النظامُ الماليُّ الذي بَنَت عشراتٌ من الدولِ اقتصادها عليه، على وعد من أمريكا بتحويل كل خمسة وثلاثين دولارًا إلى ما يقابلها من الذهب!

ونتج عن قرار نيكسون وانهيار مؤتمر Bretton Woods أن الدولار أصبح منتشرًا في كل بنوك العالم، وهو العملة الصعبة والأولى في العالم، وأن ذهب العالم أجمع في يد الأمريكان إلا ما ندر، وأن الدول صارت تطبع النقود دون وجود تغطية محددة من الذهب، يقول شخص وما الضير في ذلك؟

المشكلة في ذلك التضخم المالي، خذ المثال التالي لو بعت بيتك وقال لك شخص أعطيك ثمنه شيكـًا مكتوبًا عليه «يحدد المبلغ لاحقـًا» هل ستقبل الشيك؟ بالطبع لا.

التضخم المالي هو تغير قيمة العملة مع مرور السنين «فدولار البارحة يشتري أكثر من دولار اليوم» أي أن قيمة العملة تقل مع تقدم الزمن، أوقية الذهب التي كانت تباع بـ35 دولارًا واليوم لا تشتري أوقية الذهب نفسها إلا بـ1250 دولارًا! لم أخطئ في كتاباتي نعم ألف ومائتين وخمسين دولارًا هذه عقوبة من تخلى عن الذهب وجعل أرصدته بالورق.

فلو بعت بيتك بشيك مؤجل بالدولار أنت كمن باع بيته بشيك مكتوب عليه «يحدد المبلغ لاحقـًا» لأن الدولار أيضًا لا نعرف قيمته مستقبلًا فهو غير مربوط بالذهب.

نتج عن ذلك أزمات مالية دمرت دولًا وهزت بلدانًا كان آخرها أزمة العقارات عام 2008 في أمريكا، نجت أمريكا منها لأن عملتها هي العملة الصعبة، فقط توجهت حكومتهم لأقرب غابة وقطعت بعض الأشجار وطبعت دولارات وضختها في الشركات والبنوك، لا تخف لم يؤثر ذلك على عرض النقود عندهم فقد صدَّروا التضخم لدول العالم، أليست هي العملة الصعبة المنتشرة!

نجحت أمريكا في لعبتها وحصدت ذهب العالم أجمع وأعطتهم أوراقـًا مطبوعة عليها صور رؤسائهم، بل جعلت النفط عصب الحياة لا يباع إلا بعملتهم باتفاقات دولية.

أفهمتم اللعبة؟

فهل نرجع للذهب والفضة أم نبقى رهائن الدولار؟!

 

The post ماذا لو كانت نقودنا ذهبًا وفضة؟! appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست