في كثير من النقاشات التي تدور في أروقة المنتديات الثقافية وبرامج التواصل الاجتماعية، أرى أمراضًا فكرية مستعصية وأخطاء في التفكير قاتلة، وهذه المشكلات – مشكلات الأفكار – هي أولى الساحات الجديرة باهتمام المصلحين والمفكرين والعقلاء للتدخل – ولو بمبضع الجراح أحيانًا – لإنقاذ الأفهام من الأسقام، لذلك نرى طبيب النهضة وفيلسوف الحضارة في العصر الحديث مالك بن نبي، يقضي جل حياته في التنظير والبحث بإشكاليات الثقافة وأمراض التفكير في عالمنا العربي والإسلامي لتحقيق النهوض الحضاري المنشود والذي يقوم – بحسب بن نبي – على «الأفكار» أولًا ، فإصلاح الأفكار ينتج إصلاحًا في الأفعال، وإصلاح الأفعال ينتج إصلاحًا في الأشخاص.
انطلاقًا من هذا، سأحاول تسطير عدة مقالات مختصرة تتناول بعضًا من عيوب التفكير ومن المغالطات المنطقية التي لا يكاد يخلو منها حوار، لن أشرّح كل عيوب التفكير فهذا باب واسع وثغرة كبيرة قد لا تُسَدُّ بأقل من كتاب علمي متخصص، لكنني سأتحدث عن أهم هذه المغالطات وأكثرها انتشارًا.
- شخصنة الأفكار: وهي الهروب من مناقشة الأفكار – صحيحها من سقيمها، وغثّها من سمينها، وجيدها من رديئها – بالحجج العلمية والبراهين العقلية والأدلة المنطقية، والحكم عليها من خلال شخصيةِ صاحبها: تقديسًا أو تبخيسًا، اعتقادًا أو انتقادًا !
فالباحث عن الحق – بحق – لا يهمه صاحب الفكرة إنما تهمه الفكرة ذاتها (الحكمة ضالة المؤمن وحيث وجدها فهو أحق الناس بها) وفي الإشارة النبوية «أما إنه قد صدقك وهو كذوب» – بحديث أبي هريرة الذي رواه البخاري – إقرار لفصل الفكرة عن شخص قائلها، وقد قال تعالى (ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى) فهذا الأمر الإلهي يقودنا لمنهج راشد في التفريق ما بين الأشخاص والأفكار، وبين الحق والهوى.
ويقول الشاعر:
لا تحقرنّ الرأي وهو موافقٌ *** حكم الصواب وإن أتى من ناقصِ
فالدرّ وهو أعزّ شيء يُقتنى *** ما حطّ قيمتَه هوانُ الغائصِ
وأفقع صور الشخصنة وأكثرها تطرفًا هو اتهام مقصد الأشخاص وتسديد السهام للنوايا تصريحًا وتجريحًا لحرق الفكرة بحرق صاحبها.
واتجاه النقاش لصاحب الفكرة بدلًا من نقاش فكرته يدل بشكل بدهي على خلو جعبة المتكلم من الحجج وخلو عقله من الاتزان والإنصاف، والإنصاف عزيز كما قال الذهبي رحمه الله.
وفي هذا المعنى يقول بن نبي رحمه الله: «الإنسان في أطوراه يمر بثلاث مراحل: التعلق بالأشياء، ثم التعلق بالأشخاص، ثم التعلق بالأفكار».
وقريب منه ما أذكر أني قرأته للدكتور عبد الكريم بكار: «العقول الصغيرة تناقش الأشخاص، والعقول المتوسطة تناقش الأحداث، والعقول الكبيرة تناقش الأفكار».
وإن من أكبر مصائب الشخصنة : - ارتباطها الحتمي بالتعصب، التعصب المذموم بمختلف أشكاله؛ (تعصب العوام للرأي السائد، تعصب الفقهاء للمذاهب، تعصب الناشطين لأحزابهم، تعصب الأتباع لأسيادهم… إلخ).
- ينتج عن الشخصنة والتعصب تبعية عمياء وتقليد بليد وجمود على الموجود وعجز عن إبداع المطلوب والمفقود. «قالوا بل نتّبع ما وجدنا عليه آباءنا».
- تحويل الخلافات الفكرية لمعارك شخصية والدخول بمعارك بلا معتركات والاستعاضة عن الأساليب المنهجية العلمية في النقاش والحوار، بالأدوات السوقية المنحطة. «وجادلهم بالتي هي أحسن».
والشخصنة تعوق إثراء الفكرة في جو طبيعي تتلاقح فيه الأفكار وتتبادل فيه الآراء في مخاضات عقلية وفكرية بنّاءة، كما تحجب عنها الاجتهاد الموضوعي الذي يطرحها بشكل منهجي يركز على المحتويات والمضامين ويبتعد عن الإغراق في المباني والعناوين، مما يؤدي لوقوعها في أسر الشكلية والتقليد الذي يجمدها أو يبتعد بها عن مقاصدها أو قيمها فتمسي أفكارًا «ميتة» لا حياة فيها، ويشير بن نبي رحمه الله في كتابه (الصراع الفكري في البلاد المستعمرة) إلى الفارق بين الفكرة «المجسدة» والفكرة «المجردة» ويؤكد ضعف الأولى وهوانها إلى أن تتجرد، وقوة الثانية طالما لم «تتشخصن»، فأشار إلى أن الاستعمار – وشقيقه الاستبداد – يسهل عليه القضاء على الفكرة المجسدة عن طريق استعمال القوة ضد صاحبها أو إغوائه، على عكس الفكرة المجردة التي يجد صعوبة هائلة في القضاء عليها، فيحاول شخصنتها من جديد حتى يتمكن من التخلص منها أو تشويهها.
ختامًا لا بد من التأكيد على أن إصلاح هذه العيوب هو شرط أساسي من شروط النهضة، والنهضة لا بد أن تقوم على مجموعة ركائز، قد تتحقق ببعضها دون البعض الآخر، لكن الفكر الحر هو القاعدة الأساسية التي تنطلق منها أي أمة في طريق بناء نهضتها الحضارية، وما لم يكن للفكرة قيمتها الذاتية النابعة من جوهرها تجريدًا لها عن قائلها فلن يكون هناك فكر ولا حرية ولا إبداع ولا حق ولا حقيقة، وقد صدق من قال: «يُعرَف الرجال بالحق، ولا يُعرَفُ الحق بالرجال».
The post معركة الوعي أوّلًا! «شخصنة الأفكار» appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست