تم اختيار إسرائيل الاثنين لرئاسة اللجنة القانونية التابعة لمنظمة الأمم المتحدة، وذلك للمرة الأولى في تاريخ المنظمة. أصبحت مصداقية الأمم المتحدة وشفافيتها محط التساؤل، وأصبح السؤال الذي يراود العديد: هل أصبح الجهاز العالمي يجافي الحياد ويحابي القوة؟ ولكن هذا سيعرض المنظمة للتآكل والتهميش. بعد الكثير من المواقف والتي عرضت المنظمة لسيول من الانتقادات، أشعلت ترشيح إسرائيل لرئاسة اللجنة القانونية التابعة لمنظمة الأمم المتحدة موجات غضب واستغراب بين الساسة والعامة، إذ كيف يترأس اللجنة القانونية «الكيان الأكثر اختراقًا للقانون الدولي»؟
كان وما زال ديدن الكيان المحتل تجاهل القوانين الدولية، وقيامه بما يحلو له في الأراضي الفلسطينية تحت أعذار واهية، فقد بنى جدران الفصل العنصري في الضفة الغربية والذي عدته المحكمة الدولية مخالفًا للقانون الدولي في 2004، والذي صوت على قراره جميع دول العالم تقريبًا، مطالبة الكيان المحتل بتفكيك الجدار وتعويض المتضررين جراء بنائه، وإلزام الدول بعدم الاعتراف بمشروعية بناء الجدار العنصري، والذي يحد من حرية أبناء الأرض الفلسطينيين على أرضهم. ولكن الكيان الصهيوني ضرب بالقرار عرض الحائط، وجاء ردهم على لسان رعنان جيسين، مسؤول بارز في حكومة شارون، متهمًا الأمم الدولية «بالحقد»، وقال: «سيجد هذا القرار مكانه في سلة المهملات».
ولن ننسى تعديات الكيان الصهيوني على الشعب الفلسطيني الأعزل، والذي واجه الاضطهاد بروح الصبر والاحتساب تارة، وبالمقاومة الباسلة تارة أخرى، حيث نرى في موقع هيومان رايتس واتش «إسرائيل تفرض قيودًا شديدة وعنصرية على حقوق الإنسان الفلسطيني»، ووصفت قوات الأمن الصهيونية بأنها «تستخدم قوة مفرطة في قمع المتظاهرين السلميين الفلسطينيين». أما في تقرير لها عام 2015، نددت المنظمة بانتهاكات الصهاينة بإطباق الحصار على مدينة غزة، متهمة الكيان بارتكاب «انتهاكات جسيمة لقوانين الحرب»، مستنكرة فظائع القوات الصهيونية، والتي قتلت وجرحت عشرات الآلاف من الفلسطينيين، غير مكترثة بقتل الأطفال، والذين يقاربون ثلث الضحايا المدنيين. وذكرت في التقرير «أنشأ مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة لجنة تقصي حقائق لفحص الانتهاكات لقوانين الحرب من قِبل كل الأطراف في القتال الذي دار في يوليو- أغسطس. وذكرت إسرائيل، في نوفمبر، أنها لن تتعاون مع اللجنة، زاعمة أنها مُتحيزة». أما في الضفة الغربية فقد قتلت القوات 43 مدنيًا فلسطينيًّا في 2015 تحت ظروف «توحي بأن القتل كان بشكل غير قانوني». وداهمت أكثر من 1200 منزل ومكتب ومتجر. كما استنكرت المنظمة تخاذل قوات المحتل في ردع الجماعات الصهيونية المتشددة، والتي تقوم باضطهاد الفلسطينيين.
«يعامل الأطفال الفلسطينيون بطرق تصيب البالغ بالرهبة والهلع، الصراخ والتهديد وحتى الضرب هي وسائل الشرطة في التحقيق مع الأطفال»، هذا ما قالته ساري باشي، مديرة قسم الشؤون الفلسطينية في هيومن رايتس ووتش، عن معاملة الكيان الصهيوني للأطفال الفلسطينيين، والذي يعارض بكل قوة الميثاق الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، مادة 14 والتي تنص على أن المحكمة يجب أن تأخذ بالاعتبار أعمار الأطفال المتهمين، والذي نص بكل قوة على أن الأطفال «لا يجبروا على الاعتراف بالذنب». ولكن لا حياة لمن تنادي، فبالرغم من توقيع الكيان الصهيوني على الميثاق في 1991، إلا أنه لم يتقيد بالميثاق وسمعه بأذنه الصماء، إذ نشرت منظمة اليونيسيف تقريرًا يتهم الكيان بعدم توفير حقهم القانوني وقراءته عليهم، بل وقالت المنظمة حسب شهود إن 171 طفلًا على الأقل تعرضوا لعنف بدني من قبل السلطات بين العامين 2013 و2014.
ولم تقف السلطات الصهيونية عند هذا الحد، بل وجعلت الاعتقال الإداري ملاذًا لها، والذي أصبح سلاحًا فعالًا في وجه السياسيين والنشطاء، «الاعتقال الإداري هو اعتقال بدون تهمة أو محاكمة، يعتمد على ملف سري وأدلة سرية لا يمكن للمعتقل أو محاميه الإطلاع عليها، ويمكن حسب الأوامر العسكرية الإسرائيلية تجديد أمر الاعتقال الإداري مرات غير محدودة» كما تصفه مؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان. ويعد الاعتقال الإداري انتهاكًا واضحًا للميثاق الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والذي ينص في المادة 9 أنه لا يجوز اعتقال أي شخص بالتعسف إلا بأسباب ينص عليها القانون، وتقول المادة أيضًا أنه من حقوق الفرد أن يعرف سبب الاعتقال، ويجب تبليغه بتهمته على وجه السرعة. ولكن الكيان المحتل لا يراعي أصول المحاكمة العادلة المنصوص عليها بالمواثيق الدولية، والذي كان الكيان بطريقة ما موقعًا عليها. ونشر مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة تقريرًا في 2015 يتهم الكيان بانتهاك ميثاق جنيف الرابع بطريقته في تنفيذ الاعتقال الإداري. وأدان المكتب زيادة أعداد المعتقلين الإداريين داخل سجون المحتل، والذين بلغ عددهم 424 شخصًا في 2015 في زيادة تتجاوز الضعف عن العام الذي يسبقه.
وفي واحدة من أكبر الانتهاكات للمواثيق الدولية، وفي تحدٍ سافر للأعراف العالمية، شرعت قوات الاحتلال في بناء مستوطنات داخل الأراضي الفلسطينية، والذي أدانته منظمة الأمم المتحدة والعديد من الجهات الدولية، مشيرة أنه ينتهك ميثاق جنيف الرابع، بالرغم من اعتراض إسرائيل وتعذرهم بأن الميثاق لا ينطبق على المناطق المحتلة بعد حرب 67، إلا أن منظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن ومحكمة العدل الدولية تقول خلاف ذلك. من أبرز الإدانات الموجهة للكيان قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة 446، والذي ينص بوضوح على منع إسرائيل من بناء مستوطنات داخل الأراضي الفلسطينية والعربية، مؤكدة أن اتفاقية جنيف الرابعة المتعلقة بحماية الأشخاص المدنيين في الحرب، والمؤرخة في 12 أغسطس/ آب 1949 تنطبق على الأراضي العربية التي تحتلها إسرائيل منذ عام 1967، بما فيها القدس، بحسب ما جاء في البيان الصادر. وقرر مجلس الأمن عدم شرعية احتلال الكيان للأراضي الفلسطينية والعربية بعد حرب 67، وجاء في البيان «قرر المجلس أن سياسة إسرائيل وممارساتها في إقامة المستوطنات في الأراضي الفلسطينية والأراضي العربية الأخرى المحتلة منذ عام 1967 ليس لها شرعية قانونية، وتشكل عقبة أمام تحقيق سلام شامل وعادل ودائم في الشرق الأوسط». ودعا المجلس القوات الصهيونية بالالتزام بقرارات مجلس الأمن، وقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وطالبها بالتقيد الدقيق باتفاقية جنيف الرابعة، وإلغاء تدابيرها السابقة. ولكن رفضت السلطات الصهيونية جميع تلك القرارات الدولية، وأبدت عدم احترامها للقوانين الدولية، والتي تصون حقوق الإنسان، وادعت أن القوانين لا تنطبق على وضعها. وأبدت رئيسة المفوضة السامية للأمم المتحدة آنذاك، ماري روبنسون، في 2001 قلقها من تعنت الكيان، وقالت: «الفشل المتعاقب لإقناع الحكومة الإسرائيلية للامتثال لاتفاقية جنيف يعرض الشعب الفلسطيني للانتهاكات».
ما ذكر لم يكن إلا غيضًا من فيض من الانتهاكات الصهيونية للقانون الدولي. هل من المعقول ترؤس الكيان المجلس القانوني بالأمم المتحدة، الكيان الذي يعد من أكبر المنتهكين للقانون الدولي؟ قالت حنان الشعراوي، عضو بارز في منظمة التحرير الفلسطينية، إن ترشيح الكيان للمنصب يجعل القانون الدولي «عرضة للاستهزاء لتكريمه إسرائيل بعد انتهاكاتها الصارخة للقانون الدولي وأعمال العقاب الجماعي والعنف تجاه الفلسطينيين». وقال رئيس المجموعة العربية في الأمم المتحدة خالد يماني: «لا يمكن أن نقبل بأن يكون لبلد مثل إسرائيل، منتهك للقانون الدولي والقانون الإنساني، وآخر قوة استعمارية موجودة في العالم؛ حق بالحكم في جميع الشؤون القانونية».
المضحك في الأمر، في نفس اليوم الذي تم انتخاب الكيان للمنصب، تم نشر تقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية يتهم الكيان بأنه السبب الرئيسي في معاناة الفلسطينيين، وذلك جراء معاملاتهم العنصرية وقمع وتهجير الفلسطينيين، كما ذكر أن قطاع غزة يعد القطاع الأكثر تضررًا من تعسفات الاحتلال وانتهاكاته لجميع القوانين الإنسانية الدولية.
The post المنتهك الأكبر للقوانين الدولية يصبح المسؤول عنها appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست