ما أن نشرت وسائل الإعلام خبر تقديم أردوغان اعتذاره لبوتين، والذي تزامن مع خبر إعادة العلاقات التركية الإسرائيلية إلى سابق عهدها قبل 2011، وكذلك التلميحات التي أبداها رئيس الوزراء التركي يلديرم عن إمكانية عودة العلاقات التركية المصرية قريبًا، حتى انبرت أقلام المأجورين، ومن خلفهما الجيوش الإلكترونية المجندة لحساب الأنظمة المشبوهة في تويتر وفيسبوك وغيرهما من وسائل التواصل الاجتماعي، لتقدح في تركيا ورئيسها أردوغان ويصفونه بأنه تنصل عن الالتزام بعهوده التي قطعها على نفسه اتجاه الفلسطينيين، والسوريين، وكل شعوب المنطقة، وأنه تخلى عن مواقفه التي ألهمت الشعوب العربية والإسلامية على مدار السنين الماضية، والتي اعتبرته تلك الشعوب، القائد الإسلامي الذي طال انتظاره، الحامل لهموم الأمة، والمعبر عن ضميرها، وإن مجد هذه الأمة سوف يعود مرة أخرى على يديه.
ووجدت الصحافة المرتبطة بالأنظمة المتهالكة في المنطقة العربية، والتي تصطاد بالماء العكر، وجدت ضالتها بالنيل من تركيا ومن شخصية رئيسها. تاركين انطباعًا عند القارئ العربي والإسلامي وشعورًا وإحساسًا بالمرارة، وهو يرى كل أحلامه التي بناها في مخيلته، تتهاوى سريعًا أمام ناظريه، ولسان حاله يقول: ما هكذا عهدناك يا أردوغان، موجهًا اللوم لأردوغان ولتركيا.
ولكن لو تمعنَّا في مواقف تركيا الأخيرة جيدًا وسألنا أنفسنا، من يستحق اللوم؟ نحن أم أردوغان؟
هل نلوم تركيا لأنها راهنت على ثورة السوريين ضد الظلم ودعمت تطلعاتهم للحرية؟ وفتحت أبوابها لأكبر تجمع لاجئين في العالم، ووفرت لهم ما لم توفره أية دولة يتواجد فيها اللاجئين السوريين، وتحملت ما تحملته من أزمات داخلية بسبب هذا العدد الهائل من اللاجئين السوريين، مسببًا أزمات داخلية كادت أن تطيح بحزب العدالة والتنمية، وأرهقت الاقتصاد التركي للحد الذي انخفضت قيمة الليرة التركية إلى أقل من نصف قيمتها في سنة 2011. فماذا كان رد الجميل من السوريين؟ كان ردهم أن تشظت المعارضة السورية إلى عشرات الفصائل المحاربة المتنازعة فيما بينها، والتي نعجز أحيانًا عن الإحاطة بأسمائها لكثرتها، وكلما همت تركيا بتوحيد صفهم، يعودوا إلى حالة تشظي أكبر من التي كانت عليه، أما الواجهات السياسية للمعارضة السورية، والتي انقسمت على نفسها إلى عدد لا نعرفه من الهيئات والائتلافات والمؤتمرات، أحدهما يعمل ضد الآخر، فحدث ولا حرج. ومع كل هذا لم تعطيهم تركيا ضهرها وتابعت دعمهم والدفاع عن قضيتهم. فهل نأتي الآن نلوم الأتراك إذا ما فكروا ولو قليلًا بتقليل الضرر الواقع على شعبهم؟
وهل نلوم تركيا على دعمها لثورة المصريين، وتطلعاتهم للحرية، ودفاعهم عن شرعية حكومة محمد مرسي التي انتخبوها بانتخابات نزيهة شَهِد لها العالم؟
كيف نلوم الأتراك على البحث عن مصالحهم، ونحن نرى فعل المصريين وأخص بالذكر الإخوان المسلمين منهم، الذين بدأوا بالتشظي إلى أجنحة متنافسة، يتراشقون فيما بينهم على صفحات التواصل الاجتماعي، تُهم التخوين والتقاعس عن محاربة حكم العسكر، بعد أن سرق ثورتهم السيسي واستبدله بحكم عسكري ظالم؟
لقد ضحَّت تركيا بمصالحها الاقتصادية والسياسية مع مصر وفاءً لخيارات الشعب المصري عندما انتخبوا حاكمهم المدني لأول مرة في تاريخ مصر. فهل نلوم تركيا على هذا؟ أم نلوم أنفسنا، بعد أن تخلى المصريون أو كادوا عن ثورتهم وركنوا إلى حكم العسكر.
وهل تستحق تركيا اللّوم في إعادتها للعلاقات مع إسرائيل، وهي ترى الدول العربية الفاعلة تقيم علاقات طبيعية مع هذا الكيان اللقيط، ومن لم يقم علاقات علنية معهم، فإنه يقيمها سرًّا. بل حتى الفلسطينيين، نرى قيادتهم الفلسطينية الحالية تقيم العلاقات مع إسرائيل، وتتعاون معهم أمنيًّا لرصد تحركات المجاهدين. ماذا فعل الشعب الفلسطيني ضد السلطة التي تتعاون مع المحتل؟ هل هناك من يذكرني بانتفاضة واحدة قد قامت ضد ما يسمى بالسلطة الفلسطينية، وهي تمشي في طريق الاستسلام للصهاينة؟ لقد خرجت كل الشعوب العربية منتفضةً على حكامها العملاء في الربيع العربي، فماذا فعل الشعب الفلسطيني رفضًا لعملية التطبيع التي تنتهجها سلطتهم؟ ويأتي من يأتي اليوم ليلوم الحكومة التركية على خياراتها الحالية.
وهل نلوم تركيا لأنها حافظت على علاقات اقتصادية قوية مع إيران، وهي ترى الشعوب التي اكتوت من نار الطائفية التي جلبتها عليهم إيران، يتناحرون بينهم ولا يوحدون صفهم، بل يتسابقون لاسترضاء عملاء إيران في العراق، وأوضح دليل على ذلك ما يقوم به من يسمون أنفسهم الحشد العشائري السني في العراق، وهم يتعاونون مع عملاء إيران من الميليشيات لإقالة محافظ الأنبار بسبب مكاسب ضيقة يتطلعون إليها، لا تغني وتسمن من جوع.
لا تلوموا تركيا لأنها بدأت تدير ظهرها قليلًا عن قضايا العرب، وهي ترى أن العرب يجلد بعضهم بعضًا، ويذيقون بعضهم أصناف العذاب، فدول الخليج التي تحارب الإخوان المسلمين في دولها وخارج دولها، بل ويضغطون على تركيا لغلق القنوات الفضائية التي تبث من هناك، وتتعاطف مع الإخوان. هل هؤلاء يستحقون أن تضحي تركيا بمصالحها من أجلهم؟
هل نلوم تركيا إذا أرادت أن تحسّن علاقاتها مع دول العالم، بعد أن تم فرض حصار دبلوماسي واقتصادي عليها بسبب مواقفها الداعمة لحق العرب والمسلمين، حتى ساءت علاقتها مع الغرب بشكل عام والولايات المتحدة بشكل خاص، لدرجة بالغة السوء، بينما نجد أمراء الخليج يهرولون لأمريكا لتحسين علاقتهم بها، بعد أن لفضتهم واستبدلتهم بعلاقات متطورة مع إيران؟
يجب علينا نحن العرب، أن نكون موضوعيين في تقيمنا لمواقف تركيا ورئيسها أردوغان، فالذي نريده من تركيا وأردوغان لا نقدم نحن 10% منه، ثم نأتي بعد ذلك نلوم تركيا ورئيسها. نريده أن يأوي اللاجئين وينفق عليهم، ونحن نبخل في ذلك، نريده أن يجر جيشه ويدخل في حرب بسوريا، ونحن ننام عند زوجاتنا متنعمين ومرتاحين، نريده أن يواجه أمريكا والغرب، ونحن نتسابق لإرضائهم ونأخذ منهم شهادات حسن السلوك.
إنَّ أردوغان رئيس ومسؤول من شعبه، فليس من العيب أن تكون أولوياته أن يخدمهم ويحقق رفاهيتهم، ويجنبهم المخاطر التي تحيق بهم من كل جانب. وليس من العيب أن يحتاط من المؤامرات التي تحاك ضد بلده لضربها في صميم وحدتها الوطنية. فهو ليس رئيسًا عربيًّا يبدي الاستعداد الكامل لحرق بلده، وتجزئته إلى قطع صغيرة، فقط ليحافظ على كرسي الرئاسة الذي يجلس عليه.
The post لا تلوموا أردوغان ولوموا أنفسكم appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست