الأربعاء، 29 يونيو 2016

ثقفني اون لاين : تركيا و«إسرائيل» عودُ على بدء

«إن على الإخوة في حماس أن يتركوا عاداتهم وتصرفاتهم في الماضي للماضي، وعليهم أن يدخلوا عالمًا جديدًا بنظرة جديدة، الآن وقد أصبحوا طرفـًا في حكم الدولة»، بهذه الكلمات خاطب رئيس الوزراء التركي آنذاك رجب طيب أردوغان حركة حماس بعد فوزها في الانتخابات التشريعية عام 2006، هذه الكلمات تُلخص جزءًا كبيرًا من السياسة التركية تجاه القضية الفلسطينية، المتمثلة في السعي لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية عام 1967 بالطرق السلمية، واحتواء حركات المقاومة الفلسطينية بالقدر المستطاع، واتخاذ القضية الفلسطينية ممرًا لنفوذ تركي أوسع في الشرق الأوسط، فتركيا ملتزمة بما يمليه طبيعة النظام الدولي عليها، ولا تحمل سلم القضية الفلسطينية «بالعرض»؛ ففي ذروة خلافها مع «إسرائيل» بعد الحادث الإرهابي، حيث قُتل عدد من مواطنيها على سفينة مافي مرمرة في المياه الإقليمية، لم تحُرك تركيا الجيوش، ولم تدعم المقاومة بالسلاح، وإنما انصب غضبها في الخطابات الإعلامية الرنانة والمحاكم التركية.

وبعد مرور أعوام قليلة على الخلاف التركي الإسرائيلي، دفعت الحاجة الجانبين إلى الصلح وتطبيع كامل للعلاقات، في اتفاق براغماتي  لا تُوحي النظرة الأولى على بنوده بأنها تحمل إذلالًا لأي من أطراف الاتفاق وانما مصالح اقتصادية وسياسية متبادلة، دون أن يطرأ تغييرًا جوهريًّا في السياسة التركية الخارجية التي صاحبت فترة حكم حزب العدالة والتنمية، فالخط الإستراتيجي لها هو أن لا تعتبر «إسرائيل» عدوًا صريحًا.

وتكمن المشكلة في قراءة الأحداث السياسية عاطفيًا، والانتقاء الإعلامي للتصريحات التركية التي وقع بها قيادة حركة حماس وإعلامها، فأردوغان الذي غضب لمقتل الأطفال في غزة، صافحت يده قاتل الأطفال أرئيل شارون، لذلك فإن الدول تبحث عن مصالحها ومن دروب الجنون بأن تُؤْثر الدول في هذا العصر مصالحها لصالح غيرها من الشعوب الضعيفة، ويختلط على الناس الأمر حين تتوافق مصلحة الدول مع حقوق المستضعفين، ففي الحالة التركية، تتوافق مناصرة الفلسطينيين مع مصالحها الذاتية في لعب دور سياسي أكبر في المنطقة، وإضفاء شرعية على مكانتها كدولة إسلامية جامعة للمسلمين المستضعفين من الصين إلى الصومال، فوقوفها مع هذه الشعوب وقوف مع نفسها، وهذا لا يعني أن ما تقوم به نفاق، وإنما عامل المصلحة التقى مع الدافع الأخلاقي.

تنظر أطراف محلية وعربية بنظرة قلقة حيال الاتفاق، فاعتراض السلطة الفلسطينية وجماهير حركة فتح على الاتفاق نابع من اعتراضها على التعامل التركي الإيجابي مع حركة حماس عبر احتضان قيادتها وفتح أراضيها ومؤسساتها الرسمية والشعبية لها، ولا تعترض على مبدأ الاتفاق مع العدو؛ لأنها في الأصل تقيم علاقات أمنية «مقدسة» معه.

ومن جانب آخر تعتبر جمهورية مصر قطاع غزة ساحة خاصة بنفوذها وترفض  دور أية جهة إقليمية في القطاع وتعتبره منافسًا مباشرًا لها، وتؤكد بين الفينة والأخرى بأنها الأقدر على العقوبة والمكافأة عبر خنقها المستمر لقطاع غزة ومكافأته بعد أي تجاوب حمساوي حقيقي معها، ويبدو أن القضايا الداخلية المصرية أشغلت الرئاسة المصرية مما أحدث ضمورًا في دورها الخارجي وترك فراغًا فيما يتعلق بغزة، مما أفسح المجال أمام الجهود التركية والقطرية لملئه، وهذه إحدى القضايا الخلافية مع حركة حماس، لهذا ترفض مصر وتعطل أية قضية تقضي بتنامي الأدوار الخارجية المنافسة لها، مثل ملف المصالحة التي قطعت فيه قطر شوطـًا جيدًا، ورفض تضمين الاتفاق التركي الإسرائيلي بإنشاء ميناء بحري، لإدراكها بأن خلق بدائل عن معبر رفح – أداة خنق حركة حماس الرئيسية- يقلل الحاجة الفلسطينية والحمساوية خاصة للدور المصري، وتتخوف من لعب تركيا دورًا في ملف الجنود الأسرى الإسرائيليين لدى حركة حماس، وستسعى بكل تأكيد لتعطيله إلا أن يمر عبرها.

ويُحسب لحركة حماس نضجها السياسي ومتانة ثباتها على المبادئ الفلسطينية، لرفضها بيع تركيا موقفـًا سياسيًا يبارك تطبيعها مع العدو الصهيوني، بالرغم من الدعم الكبير الذي قدمته الحكومة التركية وحزب العدالة والتنمية لحركة حماس سياسيًا وماليًا في الوقت التي أوصدت فيه جُل الأبواب العربية والإسلامية في وجهها، بالإضافة إلى الحاجة التركية لانتزاع هكذا موقف للنزول من على السلم الذي ركبه أردوغان بتصريحاته الشعبوية التي أكد فيها مرارًا بأن لا اتفاق دون الرفع الكامل لحصار غزة، لذا أنصح قاعدة حركة حماس وقياداتها بأن لا ينجروا نحو تبرير الاتفاق والتماس الأعذار فالتطبيع بكل أشكاله «كفر» بحرية هذا الشعب المظلوم، وإلا فتبرير سقوط منظمة التحرير السياسية واتفاقية أوسلو المشينة أدعى للتبرير، فقد منحت الشعب حكمًا ذاتيًا وظهرت على أثره معالم ومظاهر الدولة على بقايا وطن، ومع هذا فقد أثبتت شريحة كبيرة من قاعدة حماس نضجها بمبادرتها رفض أي اتفاق يصاحبه تطبيع العلاقات مع الاحتلال.

لا شك بأن الاتفاق أفقد تركيا بعضًا من أسهم تأييدها في الوطن العربي وقطاع غزة على وجه الخصوص، وستفقد تركيا المزيد إن لم يشعر المواطن الغزي تحسنًا في الأوضاع المعيشية في الفترة المقبلة، ولعل أهم ما ينتظره الغزيون بعد أن فقدوا الأمل في استعادة حق حرية التنقل والسفر، بأن تتوفر مواد البناء في الأسواق وأن تزداد ساعات وصل الكهرباء، ولعل الاتفاق لا يمنح تركيا الأولى، ويمنحها الثانية، وما دون ذلك من شروط لا تأخذ حيزًا كبيرًا من الاهتمام الغزي، كما أنها لا تمنح تركيا ميزة نظرًا لقيام دول أخرى بمهام مشابهة وبنجاح ملحوظ، فمستشفى الصداقة التركي تم بنائه مسبقـًا ولا ينتظر سوى الافتتاح في حين أن قطر قامت كذلك ببناء مستشفى الأطراف الصناعية الأول في القطاع وقامت المملكة الأردنية بإقامة مستشفى ميداني عسكري قدم الخدمات والعلاج لآلاف الفلسطينيين دون «ضجيج» إعلامي، أما المساعدات الإغاثية فأحدث الهلال الأحمر التركي نجاحات واضحة في الدول التي ينشط فيها، ولا أدل على ذلك من تجربته في الصومال، ونتمنى تجربة مشابهة له في فلسطين.

إذن الواقعية تقول بأن الاتفاق جرى توقيعه، وأن حركة حماس لا تملك ترف استعداء أصدقائها، وعليها الالتقاء معهم حيث تلتقي المصلحة الوطنية ومواطن التوافق معهم، وإبراز الدور الإيجابي الذي تلعبه تركيا في القضية الفلسطينية، ولعل تركيا تعجلت الاتفاق فقد كان بوسعها الضغط نحو مزيد من المكاسب، ومع هذا فإن الاتفاق فرصة لإحداث هزة في وعي الشعب، بأن ما حك جلدك مثل ظفرك.

The post تركيا و«إسرائيل» عودُ على بدء appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست