الجمعة، 14 أغسطس 2015

ثقفني اون لاين : رابعة يا أسماء

لا أذكر آخر مرة نَدبتُ فيها شيئًا أو حظًا ولا أتذكر حتى يومَ كنت صالحًا لتلك المهمة فأنا بالكاد أذكر يوم كنت على قيد الحياة، ذلك العالم الموبوء بنا وهؤلاء البشر الأحياء موتًا؛ يظنون أن الذكرى تكون لكي نقيم المآتم والعويل على أصحابها والمفقودين فيها ولا يعرفون أن الذكرى هي أيام تئنُّ فيها الأرواح طلبًا للثأر، ومن منا يستطيع أن يتملّص من بَني جنسه واعتقاداتهم وظنونهم المقتولةُ من فعلهم بها واتِّباعهم لها وهي تطلب الثأر لنفسها أيضا، لذا قررت اليوم أن أندُب؛ وفي الحقيقة نحن لا نقوى على شيء غيره.

يصيب الروح كلما عادت ذكراك يا رابعة ألم؛ لا يهون وإن هانت النفسُ على نفسِها أو رضيت المذلّة.

تتفق أو تختلف مع مطالب المعتصمين هناك لا يعني شيئًا؛ لكننا نعترفُ بحقهم في اعتصام سلميّ – كما كان اعتصام رابعة سلميًا – ويكفُله لهم القانون أيضا في الدول التي تعرف وتحترم القانون، تتفق أو تختلف مع مطالب من كانوا في رابعة لا يعني شيئًا؛ لكننا نُقِرُّ بحقهم في الحياة وتلك لا تحتاج قانونًا كي يكفُلها لهم إنما وهبها لهم وكفَّلهُم إياها من خلقهم وخلق الناس جميعا، نتفق أو نختلف مع من كانوا – يومًا – هناك ولم نكن نحن من أصحابها أو ممّن كانوا فيها؛ لكننا نُقرُّ لهم بالمذبحة والمحرقة التي حدثت.
إن أقررت يوما بهذا فستحتفظ لنفسك بجواب على معنى إقرانِك والبشر بلقب الإنسانية وستصبح باقي الأمور مجرد آراء للتبادل يمكننا أن نتجاوز عن بعضها من هنا أو من هناك ولن يُفسد حينها للودِّ قضية.

تبادُل آراء ونقاش! أيّ نقاش؟ وبماذا سيُجدي؟
أي شئ في هذه الدنيا يمكن له أن يرُدَّ غائبًا من الموت؟ فأي قوة على وجه هذه الأرض ستُرجِع “حبيبة” إلى أحضان أمها؟ أويستطيع بشر ذو جبروت أن يهب الشهيدة “هبة” الحياة كي تجاوب وليدها حين توسَّل إليها “إصحي يا ماما .. إصحي يا ماما بالله عليكي”؟ وكذلك كل يتيم وكل ثَكلى وأرمله وكل فاقد في رابعة؛ من يستطيع أن يردّ له مفقوده.
آهٍ يا أسماء … كم سألت مرارًا عن الذين يُخلَّدون وتَخلُدْ ذِكراهم في العالمين؛ ما الذي كان بينهم وبين خالقهم كي تخلد ذكراهم في الأذهان؟
ولأن الأثر الطيب لا يزول كشجرةٍ أصلُها ثابتٌ وفرعُها في السماء؛ ولأن الأثر الذي تركته ابنة السابعة عشرة وَقَرَ في القلبِ وصدَّقه عملها؛ جاءت الإجابة سريعًا ولم تتأخر .. فمنذ البداية أَثنى عليكِ من يعرفكِ بحسن الخلق وبر الوالدين والصدق – يكفي أنك قد صَدَقتِ يا أسماء ونحن نشهد – وتمنَّى لو يكون يومًا مثلها ولكنه ينقُصهُ الكثير ونحن يا أسماء ينقُصنا الكثيرُ أيضًا.

تُرى كيف سولت للموت جبروته أن يقبض روحكِ الطاهرة؟ أم أنها صعدت إلى السماء وخُيِّل لنا ذلك؟ حتما هذا ما حدث؛ فلربما أحب الله أن تكون تلك الابتسامة والروح الملائكية وذلك الوجه الحسن إلى رحابه وفي الجوار.
أخبريني يا أسماء ماذا قلت لربك حين سألك ماذا حدث؟ هل قدّمت شكواكِ من تقصيرنا؟ بالله عليك لا تخبريه بما فعلنا وما لم نستطع أن نفعل فإنَّا كما تعرفين مغلوبون، أفمن مات على شيء مثلكِ كمن يظلُّ خاوي اليدين وإن كان حيًا يا أسماء؟ فقط اذكري له ضعفنا وتوسَّلي إليه أن يغفر لنا تقصيرنا وأن يستجيب لدعائنا؛ اللهم إنا نعوذ بك من قهر الرجال ونسألك الثبات.

رحم الله أسماء وحبيبه وكل شهداء رابعة وثورة يناير.

لله در أحمد مطر:

موتى ولا أحدٌ هُنا يرثِي لنا .. قُم وارثِنا يا آخرَ الأحياء

The post رابعة يا أسماء appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست