أنا لست إخوانيًا ولست ليبراليًا ولا علمانيًا ولا أنتمي لأية حركة سياسية، أو أي حزب من الأحزاب الكرتونية التي تُسمى أحزاب معارضة (بحذف نقطة الضاد).
ولست طامعًا في كرسي الرئاسة أو الوزارة، أو حتى رئاسة حي من الأحياء الميتة. وربما تُفاجأ إذا قلت لك أني لست بحاجة إلى عمل، أو رعاية صحية، أو اجتماعية! وأزيدك من الزهد زهدًا، أنا لست بحاجة إلى شقة، لكي أتزوج فيها كما يفعل أي إنسان طبيعي في أي بلد محترم يضع الإنسان ورغباته وطموحاته وشهواته في مقدمة أولوياته.
صدقني أنا لست بحاجة إلى كل ما سبق (العمل – السكن – الزواج)، وصدقني أكثر، أنا لست مجنونًا أو عاجزًا جنسيًا أو فكريًا، لكي أتخلى بسهولة – كما ستظن – عن هذه الشهوات والطموحات التي يسعى إليها كل إنسان سوي.
كل الحكاية أني رأيتهم – على شاشة التلفاز – في فرنسا وبريطانيا وأستراليا وأميريكا، إلخ، يقذفون رؤساءهم بالبيض الفاسد عندما لا تعجبهم سياساتهم، أعجبني هذا المشهد العظيم! وقلت في نفسي لماذا لا نستطيع أن نقذف رؤساءنا بالبيض الفاسد؟ أريد أن أقذف «السيسي» بالبيض الفاسد، لماذا لا توجد مادة في الدستور تنص على “حق المواطن في قذف رئيس الدولة وأي مسؤول حكومي بالبيض الفاسد والطماطم إذا قصروا في عملهم”؟
تظنني أمزح! وتظن أنهم وصلوا إلى هذا المشهد العظيم بسهولة، وربما تظن أن هذا تطاول غير مقبول على رئيس الدولة (الموظف العام عندهم) الذي نسميه نحن بالزعيم الخالد تارة، والرئيس المؤمن تارة، والرئيس الحكيم تارة، وأخيرًا الرئيس الإله الذي جمع كل الألقاب السابقة في طلعة واحدة.
أما زلت تعتقد أني أمزح؟
حسنًا، تعال نفكك هذا المشهد – مشهد قذف مواطن لرئيسه بالبيض الفاسد – إلى عناصره الأولية، حينها ستعرف لماذا أعارض «السيسي»؟
جلس مجموعة من المواطنين – البريطانيين مثلًا – على إحدى مقاهي العاصمة “لندن” يناقشون بحرية تامة القرارات الأخيرة التي اتخذتها الحكومة وأثرت بالسلب على مستوى معيشتهم، اتفق الجميع – من عامل المقهى إلى المثقف الحقيقي الحر – على بطلان هذه القرارات، وعلى وجوب تراجع الحكومة عنها في أقرب وقت.
لاحظ، أثناء نقاشهم الحاد وأصواتهم المرتفعة للغاية، مرت العديد من سيارات الشرطة ولم يعرها الجميع اهتمامًا. كتب “المثقف الحقيقي الحر” منشورًا يفند فيه بطلان هذه القرارات، وأثرها السلبي على مواطني بريطانيا، ووضع حلولًا بديلة تعود بالنفع مباشرة على المواطنين. لاحظ، أثناء احتدام النقاش، حضر أحد ضباط الشرطة إلى المقهى؛ ليتناول فنجانًا من القهوة؛ ليعينه على سهر الليل أثناء تأدية خدمته في أحد الأقسام القريبة من المقهى، ولم يهتم به أحد!
قال أحد الشباب المتحمسين “سأحضر معي بيضًا فاسدًا؛ لأقذف به سيارة رئيس الوزراء؛ ليعلم أن الأمر خطير” وقال آخر “وأنا سأحضر معي طماطم أيضًا”، ضحك جميعهم وأثنوا على الفكرة وقرروا المشاركة في مهرجان القذف.
لاحظ، لم يعارضهم أحد بحجة أن “بريطانيا بتفرح”، أو “ادوا الرئيس فرصة”، ولاحظ أيضًا أنهم عادوا إلى بيوتهم سالمين دون أن يقبض عليهم ولم تتم تصفيتهم جسديًا في منازلهم بحجة التخطيط لعملية إرهابية أو قلب نظام الحكم، إلخ.
في الصباح تجمع رفاق المقهى أمام مبنى رئاسة الوزراء في انتظار قدوم رئيس الوزراء؛ للتعبير عن رفضهم لقرارات الحكومة الأخيرة.
وبالفعل حضر رئيس الوزراء في موعده اليومي، وما إن اقترب من مبنى رئاسة الوزراء حتى تعالت الأصوات، ورفعت اللافتات المنددة بقرارات الحكومة، وبالرغم من محاولة الحرس الوقوف بين السيارة وبين المحتجين، استطاع الجميع تصويب أسلحتهم الصفراء (البيض الفاسد) والحمراء (الطماطم) إلى سيارة رئيس الوزراء حتى تحولت من اللون الأسود إلى اللون الأصفر بدون الذهاب إلى ورشة دهان السيارات. هكذا فعلوها بكل بساطة وعادوا إلى بيوتهم سالمين، خاسرين قليلًا من البيض الفاسد.
أنا يا سيدي حلمي بسيط جدًا؛ حلمي أن أرى هذا المشهد في بلادي، حلمي أن أعيش في بلد حُر يُعلي من قيمة الإنسان والحرية؛ لكي أشعر أني إنسان حر، حلمي أن أتفرغ لعبادة الله فقط وليس عبادة الحاكم، حلمي أن أكف عن الشرك بالله.
لماذا يريدونني أن أعبد إلهين؟ الله في السماء والحاكم في الأرض. حققوا لي هذا الحلم فقط، وأنا أعدكم بعدم المطالبة بالعمل أو السكن أو تحسين مستوى المعيشة، أعطوني حريتي، إنسانيتي، آدميتي، أعطوني حقي في قذفكم بالبيض الفاسد.
أتدرون لماذا فشلت ثورة يناير لأن شعارها كان خاطئًا «عيش، حرية، كرامة إنسانية»، إن الشعوب التي تضع أكل “العيش” في أول اهتماماتها لن تحصل على حريتها أبدًا. أتدرون ما هو الشعار السوي لأية ثورة تريد النجاح؟
«حرية، حرية، حرية…»
The post لماذا أعارض «السيسي»؟ appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست